من عجمان إلى الواجهة الدولية للعمل المناخي، بصمت الدكتورة والمهندسة ابتسام عزاوي حضوراً مغربياً متميزاً خلال مؤتمر عجمان الدولي الثامن للبيئة، بعدما حظيت بتكريم خاص تقديراً لإسهاماتها في تعزيز السياسات المناخية، والدفاع عن الحلول التشريعية والمؤسساتية لمواجهة التغيرات المناخية، في محطة جديدة تعكس حضور الكفاءات النسائية المغربية في المحافل الدولية.

عجمان – الإمارات العربية المتحدة | حظيت الدكتورة والمهندسة ابتسام عزاوي بتكريم خلال مشاركتها في مؤتمر عجمان الدولي الثامن للبيئة، المنظم يومي 28 و29 أكتوبر الجاري، تحت شعار «من الالتزام إلى التنفيذ: نحو الاستدامة وتعزيز المرونة المناخية وتحقيق الحياد الكربوني»، برعاية صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة عجمان.

ويأتي هذا التكريم تقديراً لإسهاماتها في مجال العمل المناخي، ولمشاركتها العلمية والمؤسساتية في مناقشة واحدة من أبرز القضايا البيئية المعاصرة، والمتمثلة في تدبير المخاطر المناخية التي تواجه المدن الساحلية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتنامي التهديدات المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر.

وقد شكل حضور عزاوي في هذا الموعد الدولي مناسبة لإبراز الكفاءات المغربية النسائية التي اختارت أن تجعل من المعرفة والخبرة والترافع المؤسساتي أدوات للمساهمة في معالجة القضايا العالمية، وفي مقدمتها التغيرات المناخية والاستدامة البيئية. كما يحمل هذا الاعتراف دلالة رمزية خاصة بالنسبة إلى المرأة المغربية، التي بات حضورها يمتد إلى منصات النقاش العلمي وصناعة السياسات العمومية والتعاون الدولي.

مداخلة علمية تضع تحديات المدن الساحلية في صلب النقاش الدولي

وقدمت الدكتورة والمهندسة ابتسام عزاوي مداخلة علمية بعنوان «إدارة مخاطر موجات الحر وارتفاع مستوى سطح البحر في المناطق الحضرية الساحلية»، استعرضت خلالها الترابط المتزايد بين الظواهر المناخية المتطرفة، وما تفرضه من تحديات على المدن الساحلية وساكنتها وبنياتها التحتية.

وأكدت في مداخلتها ضرورة تجاوز المعالجة القطاعية المنفصلة للمخاطر المناخية، واعتماد رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط الحضري والسياسات البيئية والصحة العامة وتدبير الموارد المائية والطاقة، بما يتيح بناء مدن أكثر استعداداً لمواجهة التحولات المناخية.

واستندت عزاوي إلى معطيات علمية دولية تبرز حجم التحدي المناخي؛ إذ أكد تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية حول حالة المناخ العالمي لسنة 2025 أن متوسط درجة حرارة سطح الأرض بلغ نحو 1.43 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مسجلاً بذلك استمرار الاحترار العالمي عند مستويات مقلقة.

كما استحضرت تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر، حيث تشير معطيات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن متوسط الارتفاع بلغ نحو 4.7 مليمتر سنوياً خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2023، الأمر الذي يضاعف الضغوط على المناطق الساحلية، ويرفع احتمالات الفيضانات والتعرية وتضرر المنشآت والبنيات التحتية الحيوية.

وشددت على أن موجات الحر وارتفاع مستوى سطح البحر لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما خطرين منفصلين، لأن آثارهما قد تتداخل داخل المجال الحضري نفسه، وتنعكس على الخدمات الأساسية والتجهيزات العمومية، كما تزيد من هشاشة الفئات السكانية الأكثر تعرضاً للمخاطر.

ومن هذا المنطلق، دافعت عن مفهوم «منظومة المخاطر الساحلية المتكاملة»، باعتباره مدخلاً لتوحيد الرؤية والتدخلات، وربط القرارات العمرانية بالمعطيات العلمية والسيناريوهات المناخية المستقبلية.

خمس أولويات عملية لتعزيز صمود المدن الساحلية

ولم تقتصر مداخلة الخبيرة المغربية على تشخيص التحديات، بل امتدت إلى تقديم تصور عملي لإدارة المخاطر المناخية، يرتكز على أربع مراحل مترابطة: تقييم المخاطر، والإنذار المبكر، والتكيف، والرصد المستمر.

كما حددت خمس أولويات أساسية لتعزيز قدرة المدن الساحلية على الصمود، تتمثل في إرساء حكامة متكاملة تضمن التنسيق بين القطاعات والمؤسسات المعنية، وتطوير قواعد بيانات مشتركة تجمع المعلومات المتعلقة بموجات الحر والفيضانات والمخاطر الساحلية، إلى جانب تعميم أنظمة الإنذار المبكر وضمان وصول التنبيهات إلى السكان، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.

وشملت الأولويات كذلك اعتماد الحلول القائمة على الطبيعة باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الحضرية المستدامة، فضلاً عن إرساء تخطيط عمراني طويل الأمد يستحضر السيناريوهات المناخية المستقبلية، ويضمن قدرة المنشآت والتجهيزات الحضرية على مواجهة المخاطر حتى أفق سنة 2100.

وتعكس هذه المقترحات توجهاً نحو الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأزمات إلى منطق الاستباق والوقاية، عبر توظيف البحث العلمي والتخطيط المؤسساتي والتشريعات الحديثة في حماية المدن وساكنتها.

التجربة المغربية في حماية الساحل.. التشريع رافعة للاستدامة

وفي استحضارها للتجربة الوطنية، توقفت الدكتورة ابتسام عزاوي عند القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، باعتباره أحد الأطر التشريعية التي أرست مبادئ التدبير المندمج للمجالات الساحلية بالمغرب.

ويهدف هذا القانون إلى حماية التوازنات البيئية والطبيعية للمناطق الساحلية، ومكافحة التعرية والتلوث، وتنظيم استعمال المجال الساحلي، مع تحقيق التوازن بين متطلبات الحماية البيئية ومقتضيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومن أبرز مقتضياته إقرار منطقة غير قابلة للبناء بمحاذاة الساحل بعرض 100 متر، إلى جانب تدابير مرتبطة بحماية المجال البحري وتنظيم بعض المنشآت والبنيات التحتية، وإحداث آليات مؤسساتية للتدبير المندمج للساحل على المستويين الوطني والجهوي.
وأبرزت عزاوي أهمية هذا الإطار القانوني في جعل التشريع أداة استباقية لمواجهة المخاطر البيئية، مؤكدة أن فعاليته تظل مرتبطة بمدى تفعيل مقتضياته، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وإدماج المعطيات العلمية المتعلقة بالتغيرات المناخية في قرارات التخطيط والتعمير.

«برلمانيون من أجل المناخ».. مبادرة مغربية بحضور دولي

ويكتسب هذا الحضور أهمية إضافية بالنظر إلى المسار المؤسساتي الذي تقوده ابتسام عزاوي من خلال تأسيسها ورئاستها شبكة «برلمانيون من أجل المناخ» (Parliamentarians for Climate – P4C)، وهي مبادرة دولية مستقلة تأسست سنة 2023، وتسعى إلى تعبئة البرلمانيين الحاليين والسابقين من مختلف البلدان والتوجهات السياسية، من أجل تعزيز دور المؤسسات التشريعية في مواجهة التغيرات المناخية.

وتعمل الشبكة على توفير فضاء للحوار وتبادل الخبرات والمعارف، ومساعدة البرلمانيين على تطوير التشريعات والسياسات المناخية، وتعزيز التعاون الدولي والدبلوماسية البرلمانية، بما يساهم في تحويل الالتزامات البيئية إلى إجراءات ومبادرات قابلة للتنفيذ.
وقد أوردت صحيفة «ميديا 24» في تقرير نشرته خلال غشت 2026 أن الشبكة تضم أكثر من 160 برلمانياً حالياً وسابقاً من أزيد من 43 دولة، وهو ما يعكس امتداد المبادرة خارج الحدود الوطنية وتنامي حضورها في مجال الترافع المناخي الدولي.

كما يعكس هذا المسار امتداد تجربة عزاوي من العمل البرلماني الوطني إلى بناء المبادرات العابرة للحدود، مستفيدة من تكوينها الهندسي والأكاديمي وخبرتها في الشأن التشريعي والسياسات العمومية. وهي خريجة المدرسة المركزية بباريس والمدرسة الحسنية للأشغال العمومية، وحاصلة على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية والتدبير، كما سبق أن نالت سنة 2024 الجائزة الوطنية للدراسات البرلمانية التي يمنحها مجلس النواب المغربي.
حضور مغربي في مؤتمر دولي يجمع الخبرة العلمية وصناعة القرار

وعرفت الدورة الثامنة لمؤتمر عجمان الدولي للبيئة مشاركة واسعة، بحضور أكثر من 1500 مشارك، ومشاركة خبراء وباحثين ومتخصصين وصناع قرار، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات وهيئات معنية بالاستدامة والعمل المناخي.

ونظمت دائرة البلدية والتخطيط بإمارة عجمان هذا الموعد العلمي بمركز الشيخ زايد للمؤتمرات والمعارض بجامعة عجمان، ضمن برنامج تضمن جلسات علمية ونقاشات وورش عمل متخصصة، تناولت التكيف مع التغيرات المناخية، والحلول الحضرية القائمة على الطبيعة، والبنيات التحتية الخضراء، والطاقات المتجددة، ودور الذكاء الاصطناعي في الحكامة البيئية.

كما ركز المؤتمر على ضرورة الانتقال من الالتزامات المناخية إلى التنفيذ العملي، وتطوير آليات الرصد والتخطيط والابتكار، بما يدعم بناء مدن مستدامة وقادرة على مواجهة التحديات البيئية المستقبلية.

المرأة المغربية.. كفاءة وطنية تحجز مكانها في المحافل الدولية

إن تكريم الدكتورة والمهندسة ابتسام عزاوي في هذا الموعد الدولي يشكل مناسبة للاعتزاز بما تقدمه الكفاءات النسائية المغربية من إسهامات في مجالات المعرفة والبحث العلمي والعمل المؤسساتي والدبلوماسية المناخية.

فالمسار الذي راكمته، من التكوين الهندسي والأكاديمي إلى التجربة البرلمانية، وصولاً إلى تأسيس شبكة دولية تُعنى بالعمل المناخي، يقدم نموذجاً لحضور المرأة المغربية في قضايا تتجاوز حدود الاهتمام المحلي، لتلامس رهانات التنمية المستدامة والأمن البيئي ومستقبل المدن والمجتمعات.
وهو حضور يعكس أهمية الاستثمار في الكفاءات النسائية، وإتاحة المجال أمامها للمساهمة في صناعة القرار وتطوير المبادرات ذات البعد الدولي، بما يعزز صورة المغرب باعتباره بلداً يزخر بطاقات علمية ومؤسساتية قادرة على الإسهام في النقاشات العالمية.

القيادة السياسية والتعاون الدولي.. رهان المرحلة المقبلة

وفي ختام مداخلتها، أكدت الدكتورة والمهندسة ابتسام عزاوي أن مواجهة التغيرات المناخية لا يمكن أن تظل رهينة الحلول التقنية وحدها، بل تستدعي قيادة سياسية ذات رؤية استباقية، وإرادة مؤسساتية واضحة، وسياسات عمومية تستند إلى الأدلة العلمية وتترجمها إلى برامج وتشريعات واستثمارات ملموسة.

كما أبرزت الدور المحوري الذي يضطلع به البرلمانيون والمنتخبون المحليون وصناع القرار في نقل المعرفة العلمية إلى تدابير تشريعية ومؤسساتية قادرة على حماية السكان، وتعزيز قدرة المدن على التكيف، وصون الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.

ودعت إلى إدماج المخاطر المناخية بصورة منهجية في التخطيط الحضري واستراتيجيات الصحة العامة وتطوير البنيات التحتية، مع تعزيز التعاون بين الخبراء والباحثين والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والسلطات المحلية ومكونات المجتمع المدني.

وبهذا التكريم، تضيف الدكتورة والمهندسة ابتسام عزاوي محطة جديدة إلى مسارها العلمي والمؤسساتي، وتؤكد من خلال حضورها في مؤتمر عجمان الدولي الثامن للبيئة أن الكفاءة المغربية النسائية قادرة على الإسهام في صياغة النقاشات الدولية حول مستقبل المناخ والاستدامة.

إنه اعتراف بإسهام مغربي في قضية إنسانية كبرى، ومحطة تستحق الاعتزاز، ليس فقط باعتبارها تكريماً لشخصية مغربية، بل أيضاً باعتبارها صورة مشرقة لما تستطيع المرأة المغربية تحقيقه حين تجتمع المعرفة العلمية مع روح المبادرة والمسؤولية والانفتاح على القضايا العالمية.