الخرف لا يبدأ مع الشيخوخة دائماً.. عوامل في منتصف العمر تُسرّع تراجع الذاكرة وتهدد صحة الدماغ
لا يرتبط الخرف دائماً بالتقدم في السن، فقد تبدأ العوامل المؤدية إلى الإصابة به في التأثير على صحة الدماغ منذ منتصف العمر، قبل ظهور أي علامات واضحة على ضعف الذاكرة أو تراجع القدرات الذهنية. وتحذر دراسات طبية من أن إهمال بعض الأمراض المزمنة والعادات الصحية غير السليمة خلال الأربعينيات والخمسينيات قد يرفع مخاطر الإصابة بالخرف في مراحل متقدمة من العمر.
وتشير الأبحاث العلمية إلى أن ارتفاع ضغط الدم، والسكري، والسمنة، وارتفاع الكوليسترول، والتدخين، وقلة النشاط البدني، والاكتئاب وفقدان السمع، من أبرز العوامل المرتبطة بزيادة احتمالات الإصابة بهذا المرض. كما خلص تقرير لجنة «لانسيت» لعام 2024 إلى أن معالجة 14 عامل خطر قابلاً للتعديل قد تساهم في الوقاية من نحو 45% من حالات الخرف أو تأخيرها على مستوى السكان، وهي نسبة تقديرية لا تعني ضمان الوقاية لدى كل فرد.
والخرف ليس مرضاً واحداً، بل مجموعة من الاضطرابات التي تؤدي إلى تراجع تدريجي في الذاكرة والتفكير واللغة والقدرة على اتخاذ القرارات وممارسة الأنشطة اليومية. ويُعد مرض ألزهايمر أكثر أنواعه شيوعاً، إلى جانب الخرف الوعائي وخرف أجسام ليوي. ولا يقتصر المرض على كبار السن، إذ يمكن أن يظهر قبل سن الخامسة والستين فيما يُعرف بالخرف المبكر.
ويأتي ارتفاع ضغط الدم ضمن أبرز عوامل الخطر، بسبب تأثيره في الأوعية الدموية الدقيقة داخل الدماغ، وما قد ينتج عنه من اضطرابات في تدفق الدم وزيادة احتمال السكتات الدماغية. كما ترتبط السمنة والسكري باضطرابات التمثيل الغذائي والالتهابات المزمنة، التي قد تؤثر سلباً في وظائف الدماغ، فيما يسهم ارتفاع الكوليسترول الضار في زيادة مخاطر أمراض الشرايين والأوعية الدموية.
ولا يقل التدخين والخمول البدني أهمية؛ فالتدخين يضر بالأوعية الدموية ويزيد مخاطر الأمراض القلبية والدماغية، بينما ترتبط قلة الحركة بارتفاع احتمال الإصابة بالسمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم. كذلك تشير الدراسات إلى أن فقدان السمع غير المعالج، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، والإفراط في تناول الكحول، وإصابات الرأس المتكررة، والتعرض الطويل لتلوث الهواء، قد ترتبط بزيادة خطر التراجع المعرفي والخرف.
وتختلف آليات تطور المرض بحسب نوعه؛ ففي ألزهايمر تتراكم بروتينات غير طبيعية، أبرزها الأميلويد و«تاو»، ما يؤدي تدريجياً إلى تلف الخلايا العصبية. أما الخرف الوعائي فيرتبط بتضرر الأوعية الدموية ونقص تدفق الدم إلى مناطق الدماغ.
ومن العلامات التي تستدعي الانتباه تكرار نسيان الأحداث والمعلومات الحديثة، وصعوبة التخطيط واتخاذ القرارات، والارتباك في الأماكن المألوفة، ومشكلات الكلام وفهم الكلمات، إلى جانب تغيرات ملحوظة في الشخصية والسلوك. غير أن هذه الأعراض لا تعني بالضرورة الإصابة بالخرف، فقد ترتبط أحياناً بالاكتئاب أو اضطرابات النوم أو نقص فيتامين B12 أو مشكلات الغدة الدرقية أو آثار بعض الأدوية، ما يجعل الفحص الطبي ضرورياً.
ويعتمد التشخيص على تقييم الذاكرة والقدرات المعرفية والتاريخ الصحي، وقد يشمل تحاليل الدم وتصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية، وفق ما يراه الطبيب مناسباً.
ورغم عدم وجود علاج شافٍ لمعظم أنواع الخرف حتى الآن، فإن بعض الأدوية، مثل دونيبيزيل وميمانتين، تساعد على تخفيف أعراض معينة لدى بعض المرضى. كما تتوفر في بعض البلدان علاجات حديثة تستهدف بروتين الأميلويد، مثل ليكانيماب ودونانيماب، لفئات محددة من المصابين بألزهايمر في مراحله المبكرة، مع ضرورة المراقبة الطبية بسبب آثارها الجانبية المحتملة. وتظل الرعاية النفسية والتأهيل المعرفي وتنظيم الأنشطة اليومية عناصر أساسية لتحسين جودة حياة المرضى.
وتؤكد التوصيات الطبية أن الوقاية تبدأ من منتصف العمر، عبر مراقبة ضغط الدم والسكر والكوليسترول، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والإقلاع عن التدخين، ومعالجة ضعف السمع، والاهتمام بالصحة النفسية والنوم، والحفاظ على التواصل الاجتماعي والنشاط الذهني.
وتكشف هذه المعطيات أن حماية الذاكرة لا تبدأ عند ظهور النسيان، بل ترتبط بالقرارات الصحية التي يتخذها الإنسان قبل ذلك بسنوات. فالتعامل المبكر مع عوامل الخطر لا يضمن منع الخرف، لكنه قد يقلل احتمالات الإصابة به أو يؤخر ظهوره، ويمنح الإنسان فرصة أفضل للحفاظ على استقلاليته وجودة حياته مع التقدم في العمر.