ليست كل القصائد كلماتٍ تُكتب، ولا كل الأحزان مشاعرَ يمكن الإفصاح عنها؛ فثمة نصوص تولد من عمق الفقد، وتحمل بين سطورها وجعاً إنسانياً يتجاوز حدود اللغة، لتلامس الذاكرة والوجدان. ومن هذا المنحى، تأتي قصيدة ألم يُخبروكِ يا أمي؟ للشاعر خالد فولان، باعتبارها نصاً وجدانياً يستحضر ألم فقد الأم، ويكشف ما يتركه غيابها من فراغ عاطفي عميق في حياة الإنسان.

منذ الاستهلال، يختار الشاعر عبارة ألم يُخبروكِ يا أمي؟ لتكون لازمةً تتكرر عبر مقاطع القصيدة، حاملةً دلالة تتجاوز السؤال المباشر؛ فهي أشبه برسالة وجدانية يوجّهها الابن إلى أمه الغائبة، محاولاً إخبارها بما عجز عن قوله في حضورها، وبما خلّفه رحيلها من انكسار وألم. ويمنح هذا التكرار النص إيقاعاً عاطفياً خاصاً، ويجعل الأم حاضرة في الخطاب رغم غيابها الجسدي.

وفي المقطع الأول، يرسم خالد فولان صورة صادقة لمعاناة الفراق، حين يقول: إن فراقك أوجعني، أبكاني وأضناني، مستنداً إلى مفردات تحمل شحنة وجدانية واضحة، وتختزل آثار الحزن في النفس والجسد معاً. ولا يقف الشاعر عند حدود البكاء، بل ينتقل إلى الإحساس بالوحدة، حين يتحدث عن غياب من يواسيه ويجفف دموعه ويخفف عنه لوعة الفراق. وهنا تتجلى إحدى أبرز دلالات القصيدة: فالأم ليست مجرد شخص عزيز، بل تمثل مصدر الأمان والاحتواء والطمأنينة.

وتتعمق هذه الصورة عندما يستحضر الشاعر الأشخاص الذين احتضنوه للحظات، قبل أن يلتمس لهم العذر بقوله: اعذريهم أمي. وهي عبارة تنطوي على إدراك مؤلم لحدود المواساة الإنسانية؛ فمهما بلغت محبة الآخرين وصدق مشاعرهم، فإن أحداً لا يستطيع أن يعوض مكانة الأم أو يمنح الحنان ذاته الذي ارتبط بحضورها.

وفي انتقاله إلى التساؤل عن سر المكانة الرفيعة التي خصّ الله بها الأمهات، يستحضر الشاعر البعد الروحي والإنساني للأمومة، رابطاً بين عظمة الأم وقيمتها في الحياة وبين صعوبة احتمال غيابها. ويبلغ هذا الإحساس ذروته في قوله: فلا قيمة للحياة بدونك، وهي عبارة تكشف حجم الارتباط العاطفي بالأم، وتعكس نظرة الابن إلى عالم فقد أحد أهم مصادر معناه واستقراره.

أما المقطع الثاني، فيحمل نبرة أكثر انكساراً، إذ ينتقل الشاعر من وصف ألم الفراق إلى مواجهة الحياة بعد الرحيل، متسائلاً: ومن غيرك فمن يحن عليّ من بعدك؟. سؤال تختصر فيه القصيدة معنى الحنان الأمومي بوصفه علاقة استثنائية لا تقاس بغيرها. كما أن قوله: أخبريني متى ألقاك؟ لأخبرك ماذا فعل بي الزمن يكشف عن رغبة عميقة في استعادة الحوار مع الأم، وكأن الشاعر لا يزال يبحث عن حضنها ليضع بين يديها أثقال السنوات وما حملته من تغيرات وتجارب.

وفي قوله: أنت كنز بلا ثمن، يختزل خالد فولان قيمة الأم في صورة بلاغية بسيطة وعميقة، تجعل منها ثروة إنسانية لا يمكن تقديرها بمقياس مادي. ثم تأتي آهاته المتتابعة لتمنح النص لحظة انفعال مباشرة، يتراجع فيها الكلام أمام ثقل الوجع، ويصبح التأوه تعبيراً عن حزن تعجز العبارة عن احتوائه.

وفي المقطع الثالث، يستعيد الشاعر تفاصيل الماضي المشترك، مستحضراً الأيام والليالي والسنوات والجدران التي شهدت لحظات اجتماعهما. وهنا لا يعود الحنين متعلقاً بالأم وحدها، بل يمتد إلى المكان والزمان والذكريات التي اكتسبت قيمتها من وجودها. فالبيت الذي كان فضاءً للألفة والدفء يتحول بعد رحيلها إلى ذاكرة مفتوحة على الغياب.

ويبلغ هذا الاستحضار ذروته في قوله: أصبحت جسداً بلا قلب، وهي صورة تعبيرية تعكس شعوراً بالفراغ الداخلي وفقدان القدرة على استعادة الحياة بإيقاعها السابق. أما قوله: «فلا حاجة لي به إن كان سيحب غيرك»، فيكشف عن مبالغة وجدانية مقصودة في التعبير عن الوفاء للأم، باعتبارها صاحبة المكانة التي لا تقبل المقارنة أو الاستبدال.

وفي المقطع الأخير، يستعير الشاعر صورة الطائر المسلوب الحرية ليعبّر عن حالة الانكسار وفقدان القدرة على التحليق بعد رحيل الأم. فالطائر، الذي ترمز طبيعته إلى الحرية والانطلاق، يصبح هنا صورة للإنسان الذي أثقله الحزن وأفقده الفراق إحساسه بالطمأنينة. كما أن قوله: «جفت دموعي من البكاء» ينقل المعاناة من مرحلة التعبير الظاهر عن الحزن إلى حالة من الإنهاك النفسي، حيث يصبح الصمت امتداداً للبكاء.

غير أن القصيدة لا تنتهي عند حدود الانكسار، بل تترك نافذة مفتوحة على الأمل من خلال قوله: وسيأتي يوم وألقاك. ففي هذه الخاتمة يتجاوز الشاعر ألم الغياب إلى التطلع للقاء، مستنداً إلى إيمان وجداني يمنح الفقد معنى يتصل بالرجاء والاشتياق.

فنياً، تعتمد القصيدة على أسلوب البوح المباشر، والتكرار بوصفه أداة لتأكيد المعنى وتعميق الأثر العاطفي، إلى جانب توظيف الاستفهام والنداء والاستعارات المرتبطة بالدموع والطائر والفراغ الداخلي. كما تستمد قوتها التعبيرية من وحدة موضوعها وصدق إحساسها، ومن انتقالها التدريجي بين ألم الفراق واستعادة الذكريات ثم الانتهاء إلى الرجاء.

إن ألم يُخبروكِ يا أمي؟ للشاعر خالد فولان ليست مجرد مرثية عاطفية، بل شهادة وجدانية على عمق العلاقة بين الأم وابنها، وعلى المكانة التي تظل تحتفظ بها في الذاكرة مهما امتد الغياب. إنها قصيدة تلامس تجربة إنسانية مشتركة، وتعيد التذكير بأن الأم ليست حضوراً عابراً في حياة أبنائها، بل جذراً من جذور الوجدان، وذاكرةً لا يمحوها الزمن، ومحبةً تظل حاضرة حتى بعد الرحيل.

القصيدة

الم يخبروك؟

الم يخبروك
امي؟
ان فراقك اوجعني
ابكاني واضناني
وكل حزنت وبكيت
الليالي
وفي خضم حزني
لم أجدد من يواسيني
يجفف دمعي
ويخفف عني لوعة
فراقك
الا من اناس احتضنوني
لدقائق
اعذريهم امي
وعرفت الان
لماذا يا امي ؟
لماذا كرمكم رب
السماوات
فلا قيمة للحياة
بدونك

الم يخبروك
امي ؟
صعبة الحياة بدونك
ومن غيرك
فمن يحن علي
من بعدك
لم اعد اقوى
على فراقك
وغيابك
اخبريني متى
القاك؟
لاخبرك ماذا فعل
بي الزمن
انت كنز بلا ثمن
اماه
اه اه اه ثم
اه
اعيش على ذكراك
لم ولن يكون بعدك
شيء اغلى منك

الم يخبروك
ياامي؟
كم تغيرت؟
كم عشقت تلك الايام
والليالي التي جمعتنا
تلك السنوات والاعوام
التي جمعتنا
تلك الجدران التي
احتضنتنا
اتعرفين امي
اصبحت جسد
بلاقلب
فلا حاجة لي به
ان كان سيحب
غيرك

الم يخبروك
امي؟
اني اصبحت طيرا
مسلوب الحرية
والإرادة منكسر
جفت دموعي
من البكاء
واقول والجزم انه
سياتي يوم
والقاك

شعر... خالد فولان