من رعاية الأطفال الصم وضعاف السمع إلى توسيع آفاق العلاج والتعليم الدامج.. مسار إنساني يجمع بين العطاء المسؤول والأثر المستدام

في سجل العمل الإنساني بالمغرب، تبرز صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء باعتبارها شخصية ملكية ارتبط اسمها بقضية إنسانية نبيلة، تتمثل في الدفاع عن حق الأطفال الصم وضعاف السمع في العلاج والتعليم والإدماج، والعمل على تمكينهم من فرص متكافئة لبناء مستقبلهم. ومن خلال رئاستها لمؤسسة للا أسماء، امتد هذا الالتزام إلى برامج طبية وتربوية واجتماعية تجمع بين الرعاية المتخصصة والمواكبة المستمرة، وتمنح الأمل للأسر التي تواجه تحديات الإعاقة السمعية.

وتستمد هذه المبادرات أهميتها من كونها تتجاوز حدود المساعدة الظرفية نحو بناء منظومة متكاملة للتكفل، تبدأ بالكشف المبكر والتشخيص، مروراً بالعلاج وزراعة القوقعة والترويض السمعي وتقويم النطق، وصولاً إلى التعليم والتأهيل المهني. وهي مقاربة تضع كرامة الطفل وحقه في التعلم والمشاركة الاجتماعية في صلب العمل الإنساني، وتترجم العناية بالطفولة إلى برامج قابلة للتنفيذ ونتائج يمكن قياسها.

أميرة جعلت من رعاية الأطفال قضية مستمرة

تحت قيادة الأميرة للا أسماء، راكمت المؤسسة تجربة متخصصة في مواكبة الأطفال الصم وضعاف السمع، مستندة إلى تصور يربط بين الرعاية الصحية والتأهيل التربوي والدعم الأسري. ويعكس هذا المسار قناعة أساسية مفادها أن الإعاقة السمعية لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام التعلم أو الاستقلالية أو الاندماج في المجتمع.

ومن أبرز محطات هذا العمل إطلاق البرنامج الوطني «نسمع» سنة 2022، الذي أتاح إجراء عمليات زراعة القوقعة لفائدة مئات الأطفال المغاربة، مع توفير المواكبة الطبية والتأهيلية اللازمة. ووفق معطيات نشرتها وكالة المغرب العربي للأنباء في أكتوبر 2026، تجاوز عدد المغاربة المستفيدين من عمليات زراعة القوقعة المجانية 1100 شخص، في حصيلة تعكس اتساع نطاق البرنامج وتطور قدرات التكفل.
وتكتسب هذه المبادرة بعدها الإنساني من أثرها المباشر في حياة الأطفال وأسرهم؛ فاستعادة القدرة على السمع، حين تسمح الحالة الطبية بذلك، تفتح آفاقاً جديدة لاكتساب اللغة والتواصل والتعلم، لكنها تظل مرتبطة أيضاً بمتابعة متخصصة وتأهيل منتظم ومواكبة أسرية مستمرة.

«نسمع».. من العلاج إلى بناء المستقبل

لا يتوقف دور المؤسسة عند التدخل الجراحي، بل يشمل مراحل أساسية تضمن استفادة الأطفال من نتائج العلاج على المدى الطويل. ويشمل ذلك ضبط أجهزة زراعة القوقعة، وتقويم النطق، والتوجيه الأسري، ومتابعة تطور القدرات اللغوية والتواصلية.
وفي هذا الإطار، عملت المؤسسة على تطوير وسائل تقنية لتيسير المواكبة، من بينها جهاز «ConnectCare»، الذي يتيح إجراء بعض إعدادات زراعة القوقعة عن بُعد عبر اتصال آمن، فضلاً عن تطبيق للترويض اللغوي عن بُعد. وتبرز هذه المبادرات أهمية توظيف التكنولوجيا في تحسين استمرارية الرعاية، ولا سيما بالنسبة إلى الأسر التي تواجه صعوبات في التنقل أو الوصول المنتظم إلى الخدمات المتخصصة.

وفي يونيو 2026، أطلقت الأميرة للا أسماء برنامج «السماعة الطبية للجميع»، الهادف إلى جعل الأجهزة المساعدة على السمع مجانية ومتاحة للفئات المغربية الأكثر هشاشة. ويشكل هذا البرنامج توسعاً في نطاق التدخل، من خلال الاهتمام بمختلف أشكال ضعف السمع، وعدم حصر الاستفادة في الحالات التي تتطلب زراعة القوقعة.

كما شهدت المناسبة توقيع خمس اتفاقيات تعاون تروم تحسين الولوج إلى التجهيزات السمعية وتوسيع نطاق الاستفادة منها، بشراكة مع قطاعات ومؤسسات معنية، بما يعزز التنسيق المؤسساتي في هذا المجال.

التعليم الدامج.. حق يفتح أبواب المستقبل

يشكل التعليم أحد المحاور الأساسية في المقاربة التي تتبناها مؤسسة للا أسماء، انطلاقاً من أن العلاج وحده لا يكفي لضمان الإدماج الكامل، ما لم تتوفر للأطفال بيئة تعليمية تستجيب لاحتياجاتهم وتتيح لهم تطوير قدراتهم.

وفي هذا السياق، تندرج مراكز المؤسسة ضمن منظومة تجمع بين التعليم والتأهيل السمعي وتقويم النطق والدعم الاجتماعي، مع توسيع العرض ليشمل التأهيل المهني للشباب الصم وضعاف السمع. وقد شكل تدشين مركز الأميرة للا أسماء بمكناس، في دجنبر 2025، محطة مهمة في توسيع هذه الشبكة، باعتباره قطباً جهوياً يستهدف أطفالاً وشباباً من المدينة ومناطق مجاورة.

وتتجاوز أهمية هذه المراكز توفير الخدمات الأساسية، إذ تسعى إلى تعزيز استقلالية المستفيدين وإعدادهم للاندماج في الحياة الاجتماعية والمهنية. فالتكوين واكتساب المهارات يفتحان أمام الشباب آفاقاً أوسع للمشاركة في سوق الشغل، ويعززان قدرتهم على الاعتماد على الذات والمساهمة في التنمية.

وفي محطة بارزة من هذا المسار، أشرفت الأميرة للا أسماء يوم 15 أكتوبر 2026 بالرباط على تدشين جامعة للا أسماء، التي قُدمت باعتبارها جامعة دامجة تجمع الطلبة الصم وضعاف السمع والطلبة ذوي السمع الطبيعي ضمن فضاء أكاديمي واحد. وتوفر الجامعة مسارات للتكوين في علوم السمع، بشراكات علمية ومؤسساتية، بما يعزز فرص التخصص وتطوير الكفاءات في مجالات العلاج والتأهيل والتكنولوجيا المرتبطة بالسمع.

ويحمل هذا المشروع دلالة تتجاوز البعد الأكاديمي، لأنه يربط الإدماج بتكافؤ الفرص في التعليم العالي، ويمنح الشباب إمكانية الانتقال من موقع المستفيد من الخدمات إلى موقع المساهم في تطويرها.

من المبادرة الوطنية إلى التضامن الدولي

اكتسبت تجربة مؤسسة للا أسماء بعداً دولياً من خلال برنامج «متحدون، نسمع بشكل أفضل»، الذي وسع نطاق الاستفادة ليشمل أطفالاً من بلدان شقيقة وصديقة. ووفق معطيات منشورة في يونيو 2026، استفاد 368 طفلاً من 22 بلداً من عمليات زراعة القوقعة في إطار هذا البرنامج.

وفي أكتوبر 2026، تعزز هذا التوجه بإطلاق المرحلة الخامسة من البرنامج في كيغالي، بشراكة مع السيدة الأولى لجمهورية رواندا، جانيت كاغامي، إلى جانب تدشين مركز للتشخيص والتأهيل السمعي بهذا البلد. ويهدف هذا التعاون إلى نقل الخبرة وتطوير خدمات الكشف والتشخيص والعلاج والتأهيل، بما يتيح توسيع نطاق الاستفادة من التجربة المغربية.

ويعكس هذا الامتداد توجهاً نحو جعل التعاون الإنساني أداة لتبادل المعرفة والخبرات، وتعزيز قدرات المؤسسات الصحية في البلدان الشريكة، بما يخدم الأطفال وأسرهم خارج الحدود الوطنية أيضاً.

عطاء تُقاس قيمته بأثره في حياة الإنسان

إن المكانة التي تحظى بها الأميرة للا أسماء في مجال العمل الإنساني ترتبط، في جانب أساسي منها، باستمرار الاهتمام بقضية محددة وتطوير آليات الاستجابة لحاجياتها. فمن برامج العلاج المجاني إلى التعليم الدامج والتأهيل المهني، تتجلى أهمية هذا المسار في الانتقال من الاستجابة للحاجة المباشرة إلى العمل على إزالة العوائق التي تحد من فرص الأطفال والشباب الصم وضعاف السمع.

ويظل التحدي الأساسي هو ضمان استدامة هذه المكتسبات، وتوسيع نطاق الخدمات لتصل إلى مختلف المناطق والفئات المحتاجة، وتعزيز الكشف المبكر، وتوفير الأطر المتخصصة، ومواصلة مواكبة الأسر بعد العلاج. فنجاح أي منظومة للإدماج لا يقاس بعدد المبادرات وحده، بل بقدرتها على إحداث تغيير مستمر في حياة المستفيدين.

وهكذا، تبرز الأميرة للا أسماء، من خلال رئاستها للمؤسسة ومواكبتها لمشاريعها، نموذجاً للعمل الإنساني الذي يربط العطاء بالمسؤولية، والرعاية ببناء القدرات، والتضامن بتكافؤ الفرص. إنها رسالة مفادها أن حق الطفل في السمع والتعلم والتواصل والمشاركة ليس امتيازاً، بل جزء من كرامته الإنسانية، وأن الاستثمار في الطفولة يظل من أعمق الاستثمارات أثراً في مستقبل المجتمع.

الأميرة للا أسماء.. سيدة الخير والأمل، حيث يصبح العطاء عملاً مؤسسياً، وتتحول الرعاية إلى فرصة، ويغدو الإدماج طريقاً نحو حياة أكثر كرامة وإنصافاً.