السيد إدريس شحتان يرفع سقف إصلاح الصحافة المغربية.. تنظيم المقاولات، استعادة هيبة البطاقة المهنية وحماية الأجور في صلب الرهان
وضع السيد إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، إصلاح منظومة الصحافة والنشر بالمغرب في صدارة النقاش المهني، من خلال الدعوة إلى تنظيم المقاولات الإعلامية، وإعادة الاعتبار للبطاقة المهنية للصحافي، وربط الدعم العمومي بحماية مناصب الشغل وتأهيل المؤسسات الصحفية. وهي ملفات تعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع، وتطرح أسئلة جوهرية حول شروط الولوج إلى المهنة، ومعايير الاستفادة من الدعم، ومستقبل المقاولة الصحفية المغربية.
ويؤكد السيد شحتان أن تطوير المشهد الإعلامي الوطني يقتضي، في المقام الأول، ضبط الوضعية القانونية والمهنية للمقاولات الصحفية، وتحديد هويتها وطبيعة نشاطها، بما يميز المؤسسات المنظمة عن الجهات التي لا تتضح وضعيتها المهنية. ويرى أن هذا التنظيم من شأنه تعزيز مصداقية الصحافة المغربية، وتحسين حضورها في التظاهرات الرسمية والمحافل الدولية، وضمان تمثيلية مهنية أكثر وضوحاً للمؤسسات والعاملين في القطاع.
وفي هذا السياق، أشار رئيس الجمعية إلى وجود 379 مقاولة إعلامية، معتبراً أن العدد وحده لا يكفي لتقييم واقع القطاع ما لم يقترن بمعايير واضحة تحدد طبيعة المؤسسات ومدى انتظامها المهني وقدرتها على ممارسة النشاط الصحفي. كما انتقد ما وصفه بتفاوت غير مبرر بين الإمكانات المالية لبعض المقاولات وعدد البطاقات المهنية التي تحصل عليها، داعياً إلى مراجعة الآليات المعتمدة بما يضمن الشفافية والإنصاف.
وتبرز البطاقة المهنية للصحافي في صلب هذا النقاش، باعتبارها وثيقة مرتبطة بإثبات الصفة المهنية وتنظيم ممارسة الصحافة. ويشدد السبد شحتان على ضرورة استعادة مكانتها الاعتبارية، خصوصاً في ظل ما قال إنه عزوف بعض الصحافيين ذوي الخبرة عن طلبها أو إبرازها. كما تحدث عن توجه يرمي إلى إسناد دور في منح البطاقات المهنية إلى المقاولات الإعلامية، ضمن مشروع قال إنه يعمل عليه داخل المجلس الوطني للصحافة، وهو تصور يستدعي توضيح ضوابطه القانونية والمؤسساتية، وضمان استقلالية القرار المتعلق بالصفة المهنية، وتفادي تضارب المصالح.
ويظل أي إصلاح لهذا الملف مرتبطاً بوضع معايير موضوعية وموحدة، تراعي طبيعة العمل الصحفي الفعلي، وعلاقة الصحافي بالمؤسسة، واستيفاء الشروط القانونية، مع توفير آليات للتظلم والمراقبة. فالهدف من تنظيم البطاقة المهنية لا ينبغي أن يقتصر على ضبط الأعداد، بل يتعين أن يشمل حماية الصحافيين المهنيين، وصون حقوقهم، ومنع الخلط بين العمل الصحفي المنظم والممارسات التي تسيء إلى صورة المهنة.
وفي ما يتعلق بالدعم العمومي المخصص لقطاع الصحافة والنشر، يدافع السيد شحتان عن مقاربة تجعل حماية الموارد البشرية واستمرارية مناصب الشغل في مقدمة الأولويات، موضحاً، خلال الجمع العام العادي السنوي للجمعية، أن الدعم الذي تتلقاه المقاولات الإعلامية منذ سنة 2020 استهدف، وفق عرضه، المساهمة في تغطية أجور الصحافيين والمستخدمين والحفاظ على استقرارهم المهني والاجتماعي، خصوصاً بعد التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا.
ويشدد رئيس الجمعية على أن الدعم لا ينبغي أن يتحول إلى مورد لتحقيق الأرباح دون مقابل مهني أو اقتصادي، بل يتعين أن يواكب إصلاح أساليب التدبير وتحديث نماذج الأعمال وتحسين ظروف الاشتغال. ومن هذا المنطلق، يربط شحتان بين استفادة المقاولات من المساهمة العمومية وضرورة تطوير بنياتها التنظيمية، وتقوية قدرتها على الاستمرار، وضمان حقوق العاملين فيها.
ويطرح هذا التصور نقاشاً أوسع بشأن كيفية تقييم أثر الدعم العمومي، ومدى انعكاسه على الأجور والاستقرار الوظيفي وجودة الإنتاج الصحفي. فنجاعة أي آلية للدعم تظل مرتبطة بوضوح شروط الاستفادة، وشفافية صرف الأموال، وآليات التتبع والتقييم، إلى جانب التزام المؤسسات المستفيدة بتطوير أدائها الاقتصادي والمهني.
وتظل هذه المواقف جزءاً من النقاش القائم بين مكونات القطاع، فيما يستدعي تقييم مشروع المجلس الوطني للصحافة الاحتكام إلى النصوص القانونية، والاختصاصات المحددة للمؤسسة، ومدى قدرتها على ضمان التنظيم الذاتي للمهنة وحماية استقلالية الصحافة وتعددية التعبير، بعيداً عن التجاذبات التنظيمية.
وبين تنظيم المقاولات، وإصلاح منظومة البطاقة المهنية، وتوجيه الدعم نحو حماية الأجور، وتطوير الإطار المؤسساتي للمهنة، تتشكل ملامح الرؤية التي يدافع عنها إدريس شحتان بشأن مستقبل الصحافة المغربية. وهي ملفات مترابطة، لأن بناء قطاع إعلامي قوي لا يتحقق بمجرد تكثير عدد المؤسسات أو توسيع الدعم المالي، بل يتطلب مقاولات مهيكلة، وصحافيين يتمتعون بحقوقهم المهنية والاجتماعية، وقواعد واضحة وشفافة للولوج إلى المهنة وممارستها.
ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل هذه التوجهات إلى إصلاحات عملية قابلة للتقييم، تضمن الإنصاف بين المقاولات، وتحمي كرامة الصحافي، وتعزز الثقة في المؤسسات الإعلامية، وتوفر شروط المنافسة المهنية السليمة. فمستقبل الصحافة المغربية يرتبط بقدرتها على الجمع بين الاستدامة الاقتصادية، والاستقلالية التحريرية، واحترام أخلاقيات المهنة، والوفاء بحق الجمهور في إعلام موثوق ومسؤول.