مشروع قانون المالية يفتح ورشاً جديداً لتحسين القدرة الشرائية للأسر المغربية.. ودعم السكن والكراء والعالم القروي في صلب التوجهات الحكومية، وسط سجال سياسي حول حصيلة الوعود والتزامات الحكومة

الرباط – بأرقام مالية ثقيلة وإجراءات اجتماعية تمس الأجور والمعاشات وفواتير الكهرباء والسكن، كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن أبرز مرتكزات مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي تراهن عليه الحكومة لتحسين القدرة الشرائية للأسر المغربية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، في ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع كلفة متطلبات الحياة اليومية.

وتتقدم هذه التدابير مراجعة الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد، وتحسين معاشات الأرامل، والزيادة التدريجية في الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب تحمل الدولة فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً، ومواصلة برامج دعم السكن والتوجه نحو توفير مساكن للكراء بأسعار ميسرة. وهي إجراءات أعلن عنها المسؤول الحكومي في سياق تقديم المشروع أمام مجلسي البرلمان، باعتباره المرحلة الأولى لتنزيل الأولويات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة خلال ولايتها.
وفي مقدمة التدابير التي استأثرت باهتمام الأجراء والطبقة المتوسطة، أعلن لقجع أن الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم ستصبح معفاة من الضريبة على الدخل ابتداء من فاتح يناير 2027، في إطار مراجعة تدريجية للنظام الضريبي تمتد إلى سنة 2031، وتهدف، وفق العرض الحكومي، إلى تخفيف العبء الجبائي عن الأجراء وتشجيع العمل المصرح به.

ويقوم هذا الإصلاح على رفع سقف الدخل السنوي الصافي المعفى من الضريبة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، مع تقليص عدد الأشطر الضريبية وإعادة توزيع المعدلات المطبقة عليها، وخفض المعدل الهامشي الأقصى من 37 إلى 30 في المائة. ووفق المعطيات التي قدمها الوزير، سترتفع نسبة الأجراء المعفيين من الضريبة على الدخل إلى 87 في المائة، مقابل 13 في المائة سيواصلون أداءها.

وتشير التقديرات الحكومية إلى أن المكسب الشهري الصافي سيبلغ نحو 500 درهم بالنسبة إلى غالبية الأجراء المعنيين ابتداء من يناير المقبل، فيما ستصل الكلفة المالية لهذا الإجراء خلال سنة 2027 إلى نحو 5.5 مليارات درهم. ومن المنتظر أن تتواصل آثار الإصلاح خلال السنوات اللاحقة، وفق مستويات الدخل والتعديلات التدريجية المبرمجة.

غير أن الأثر الفعلي لهذا الإجراء سيظل مرتبطاً بالتطبيق النهائي للمقتضيات الضريبية، وبكيفية انعكاس التخفيضات على صافي الأجور، ومدى قدرة هذه الزيادة على تحسين القدرة الشرائية في مواجهة تكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة.

وفي ملف التقاعد، أعلنالسيد لقجع رفع الحد الأدنى للمعاش من مستواه الحالي الذي يقارب ألف درهم إلى 1700 درهم شهرياً ابتداء من فاتح يناير 2027، على أن يتواصل الرفع التدريجي في أفق بلوغ 3000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وفق الالتزام الذي عرضه أمام البرلمان.
ويستهدف هذا الإجراء، بحسب الأرقام المقدمة، نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة. كما كشف الوزير عن رفع نسبة المعاش المخصص للأرامل من 50 إلى 100 في المائة، وهو تدبير يرتقب أن يشمل مئات الآلاف من المستفيدات، بكلفة إجمالية تقدر بنحو 10 مليارات درهم للإجراءات المرتبطة بالمعاشات والتقاعد.

وتكتسي هذه الخطوة أهمية اجتماعية خاصة بالنسبة إلى المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة والأرامل اللواتي يتحملن أعباء المعيشة بمداخيل محدودة، غير أن تنزيلها يقتضي توضيح شروط الاستفادة والفئات المعنية وآليات احتساب المعاشات، بما يضمن وصول الزيادة إلى مستحقيها وفق المقتضيات التي ستعتمد نهائياً.
أما الدعم الاجتماعي المباشر، فيتجه المشروع إلى رفع مبلغه تدريجياً من 500 درهم إلى 1000 درهم، مع الشروع في رفع المبلغ المعلن عنه إلى 600 درهم ابتداء من فاتح يناير 2027، ضمن مسار يستهدف تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين ظروف عيش الأسر المستحقة.

ويواكب هذا التوجه نقاش حول معايير الاستهداف ومدى قدرتها على تحديد الأسر الأكثر حاجة إلى الدعم. وقد أشار لقجع إلى التوجه نحو اعتماد دخل الأسرة تدريجياً معياراً لتحديد المستفيدين، بهدف تحسين دقة الاستهداف وتفادي إقصاء أسر تحتاج فعلياً إلى المساندة الاجتماعية.

وفي خطوة تستهدف تخفيف جزء من الأعباء الشهرية المرتبطة بالاستهلاك المنزلي، أعلن الوزير أن الدولة ستتحمل فواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهرياً، ابتداء من فاتح يناير 2027، بغلاف مالي يقدر بنحو 2.8 مليار درهم. ويهم الإجراء، وفق المعطيات التي قدمها، قرابة ستة ملايين زبون، أي ما يعادل 60 في المائة من مجموع زبناء الكهرباء، بمن فيهم الأسر وبعض الأنشطة الحرفية، ولا سيما في العالم القروي.

ويضع هذا التدبير استهلاك الكهرباء المحدود في صلب إجراءات الدعم، لكنه يطرح، في المقابل، أهمية تحديد شروط الاستفادة بدقة، وتوضيح كيفية التعامل مع الفواتير التي تتجاوز السقف المحدد، حتى تكون آلية الدعم واضحة بالنسبة إلى المواطنين ولا تترك مجالاً للالتباس بشأن طبيعة الإعفاء وحدوده.

وفي قطاع السكن، يتجه مشروع مالية 2027 إلى مواصلة برامج دعم اقتناء السكن، مع توسيع الاهتمام بحاجيات العالم القروي ومحاربة السكن غير اللائق وتبسيط مساطر البناء والتعمير في المناطق القروية. كما تتجه الحكومة إلى تطوير عرض سكني مخصص للكراء بأسعار ميسرة، يستهدف الشباب والطلبة والأسر حديثة التأسيس والأشخاص الذين تفرض عليهم طبيعة عملهم التنقل المستمر.

ويقوم التصور المعلن بشأن هذا العرض على تعبئة العقارات العمومية لفائدة مستثمرين يلتزمون بشروط محددة في أسعار الكراء ومدد الاستغلال. ويعكس هذا التوجه محاولة لتنويع الحلول السكنية، بما يتجاوز الاقتصار على تملك المسكن، غير أن فعاليته ستتوقف على حجم العرض الذي سيُنجز، والأسعار المعتمدة، وشروط الاستفادة، ومدى ملاءمتها لدخل الفئات المستهدفة.

كما يندرج استمرار دعم السكن ضمن مساعي توسيع الولوج إلى السكن اللائق، مع مراعاة الفوارق بين المدن والمناطق القروية. ويظل الرهان الأساسي هو تحويل الاعتمادات والبرامج المعلنة إلى وحدات سكنية فعلية، تستجيب للحاجيات الواقعية للأسر والشباب، وتحد من أثر تكاليف السكن على ميزانياتهم.

وعلى المستوى الجبائي، لا تقتصر مستجدات المشروع على تخفيف الضريبة على الأجور، بل تشمل أيضاً مراجعة بعض المقتضيات المتعلقة بالمحروقات والواردات. ومن بين التدابير المعلنة رفع الضريبة على الشركات الكبرى العاملة في استيراد وتوزيع المحروقات إلى 40 في المائة، إلى جانب إقرار تسبيق ضريبي بنسبة 5 في المائة على واردات السلع الموجهة لإعادة البيع، وتوسيع بعض الضرائب الداخلية على الاستهلاك.

وتعكس هذه المقتضيات توجهاً نحو إعادة ترتيب العبء الجبائي وتوسيع الموارد، بالتوازي مع إجراءات اجتماعية تستهدف تحسين الدخل وتخفيف النفقات. كما يتضمن المشروع تدابير جمركية وجبائية مرتبطة باستيراد بعض المنتجات، من بينها المواشي، فضلاً عن مقتضيات خاصة بالتحضيرات المرتبطة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز بين الضريبة المفروضة على الشركات العاملة في قطاع المحروقات وبين الأسعار التي يؤديها المستهلك النهائي؛ فالأثر على أسعار الوقود لا يُحسم بمجرد الإعلان عن تعديل ضريبي، بل يتوقف على كيفية تطبيقه وانعكاسه على تكاليف الاستيراد والتوزيع وهوامش الشركات وظروف السوق.

وعلى مستوى السجال السياسي، لم يقتصر عرض لقجع على الجوانب المالية والاجتماعية، بل امتد إلى الرد على الانتقادات التي وجهتها مكونات من المعارضة إلى الحكومة بشأن الوفاء بالالتزامات الانتخابية. واعتبر الوزير أن بعض الاتهامات تنطلق، بحسب تعبيره، من نية الإساءة والتضليل وخداع المواطنين، متسائلاً عن جدوى الحكم على حصيلة الحكومة قبل وضع مشروع قانون المالية أمام البرلمان ومناقشة مضامينه.

ويكشف هذا التوتر عن أهمية النقاش البرلماني في اختبار مدى انسجام الوعود الحكومية مع التدابير المقترحة والاعتمادات المرصودة لها. فالمعيار الحاسم لا يتمثل في حجم الأرقام المعلنة وحده، بل في قدرة الإجراءات على الوصول إلى المستفيدين، وتحقيق نتائج ملموسة في الدخل والتشغيل والسكن والخدمات الأساسية، مع الحفاظ على التوازنات المالية للدولة.


وتبقى هذه التدابير، في مرحلتها الحالية، مقتضيات واردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، تخضع للمسطرة التشريعية والمناقشة والتعديلات قبل اعتماد النص النهائي. لذلك، فإن الإعلان عنها لا يعني أن جميعها دخلت حيز التنفيذ، بل يحدد الاتجاه الذي تقترحه الحكومة للسنة المالية المقبلة.

وبين الوعود الاجتماعية وكلفة تمويلها، يضع مشروع مالية 2027 الحكومة أمام اختبار مزدوج: تحسين القدرة الشرائية للأسر من جهة، وضمان استدامة الموارد ونجاعة الإنفاق العمومي من جهة أخرى. وسيكون الحكم النهائي على هذه الإجراءات رهيناً بما ستُحدثه من تغيير فعلي في حياة المواطنين، لا بما تحمله من أرقام وتوقعات في الخطاب الرسمي.