السيدة المنصوري ترسم ملامح حكومة الأرقام والتمويل: 390 مليار درهم للالتزامات الاجتماعية والاقتصادية ومليون منصب شغل في الأفق
الرباط – وضعت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، التنفيذ الفعلي للالتزامات الحكومية في صدارة رسالتها أمام مجلس المستشارين، مؤكدة أن برنامج الحكومة للفترة 2026-2031 لن يظل حبيس الوعود السياسية، بل سيستند إلى إجراءات عملية وأهداف محددة وتمويلات معلنة. وبين رهانات تحسين القدرة الشرائية، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ومحاربة تضارب المصالح، كشفت المنصوري عن غلاف مالي إجمالي يبلغ 390 مليار درهم، في إطار برنامج يراهن على تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة، وخفض البطالة إلى 7 في المائة، مع جعل سنة 2031 محطة لتقييم مدى الوفاء بالتعهدات المعلنة.
وخلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، شددت المنصوري على أن الالتزامات المطروحة لا تقتصر على إعلان النوايا، وإنما تستند إلى إجراءات تقول الحكومة إنها انبثقت من الإنصات إلى المواطنين والتفاعل مع انتظاراتهم على المستوى الترابي، ولا سيما ما يرتبط بمستقبل الشباب، وأوضاع المسنين والنساء، والقدرة الشرائية للأسر.
وفي معرض ردها على الملاحظات المتعلقة بمستوى الطموح الذي يحمله البرنامج، أكدت رئيسة الحكومة أن المغرب يتوفر على مؤهلات بشرية وطبيعية، ومؤسسات مستقرة، وبنيات تحتية تتيح له السعي إلى تحقيق أهداف تنموية كبيرة. وأعربت عن ثقتها في قدرة الحكومة على بلوغ الأهداف المسطرة، في وقت تظل فيه ترجمة هذه الطموحات إلى نتائج ملموسة رهينة بفعالية التنفيذ، وحسن توجيه الموارد، ومدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.
وعلى المستوى السياسي والمؤسساتي، قدمت المنصوري الحكومة باعتبارها ثمرة رؤية مشتركة بين أربعة أحزاب وطنية تتقارب مرجعياتها الديمقراطية، وتؤكد التزامها بالحوار والقرب من المواطنين والإنصات إلى مطالبهم. واعتبرت أن تخليق الحياة العامة والممارسة السياسية يشكلان مدخلاً أساسياً لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، خصوصاً المؤسسات المنتخبة، مشددة على أن النزاهة ليست شعاراً ظرفياً، بل ضرورة لبناء الثقة وترسيخ المسؤولية.
وفي هذا السياق، أكدت اتفاق أحزاب الأغلبية على التصدي لتضارب المصالح في أقرب وقت، في إشارة إلى أولوية تعزيز النزاهة في تدبير الشأن العام. ويضع هذا الالتزام الحكومة أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على تحويل المواقف المعلنة إلى قواعد وإجراءات واضحة، تعزز الشفافية وتحد من استغلال المسؤولية العامة لتحقيق مصالح خاصة.
اقتصادياً واجتماعياً، حضرت القدرة الشرائية بقوة في أجوبة رئيسة الحكومة، التي أقرت بتأثرها بالتحولات الجيوسياسية الدولية، مع التأكيد على أن التدبير الوطني يظل بدوره عاملاً قابلاً للتحسين. وشددت على رفض تحقيق الاغتناء لفائدة فئات على حساب أخرى، في موقف يعكس مركزية العدالة الاقتصادية والاجتماعية ضمن التوجه الحكومي المعلن.
وفي مقابل ذلك، أكدت المنصوري دعم الاستثمار وتشجيع المقاولات وتبسيط المساطر الإدارية، مع التوجه نحو استبدال بعض التراخيص بدفاتر التحملات، بما من شأنه تخفيف التعقيدات أمام الفاعلين الاقتصاديين وتحسين مناخ الأعمال. وتراهن الحكومة على دور المقاولات في خلق فرص الشغل وتحريك عجلة التنمية وتعزيز الاستقرار، غير أن الأثر المنتظر من هذه التدابير سيظل مرتبطاً بمدى انعكاسها على الاستثمار المنتج، وتوسيع قاعدة التشغيل، وتحسين ظروف العمل.
وفي ملف التشغيل، جددت رئيسة الحكومة التأكيد على هدف إحداث مليون منصب شغل، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، ورفع معدل تشغيل النساء إلى 21,2 في المائة في أفق سنة 2031. وتعكس هذه الأهداف حجم الرهان على إنعاش سوق العمل وتوسيع المشاركة الاقتصادية للنساء، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى إحداث فرص شغل مستدامة، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين ملاءمة التكوين مع حاجيات الاقتصاد الوطني.
ويضع هذا التوجه الحكومة أمام مسؤولية الجمع بين تحفيز الاستثمار وتطوير المقاولات وتحسين شروط الولوج إلى سوق الشغل، مع ضرورة تتبع المؤشرات المعلنة وقياس أثرها على الفئات الأكثر تأثراً بالبطالة والهشاشة الاقتصادية.
أما الحوار الاجتماعي، فأكدت المنصوري استمرار التواصل والإنصات إلى النقابات والشركاء الاجتماعيين، والوفاء بالالتزامات المتخذة، معلنة برمجة 50 مليار درهم لهذا الغرض سنة 2027. ويكتسي هذا الالتزام أهمية خاصة في سياق السعي إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز الثقة بين الحكومة والفرقاء الاجتماعيين، على أساس الحوار المنتظم واحترام التعهدات المتفق عليها.
وفي السياق ذاته، شددت رئيسة الحكومة على مواصلة ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره ورشاً ملكياً هيكلياً يتجاوز الزمن السياسي والحكومي، ويندرج ضمن المشاريع الاستراتيجية للبلاد. ويبرز هذا التأكيد استمرار الرهان على توسيع الحماية الاجتماعية وتعزيز دور الدولة في ضمان شروط العيش الكريم، مع ما يفرضه ذلك من تحديات تتعلق بالتمويل والاستدامة وجودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
وفي ما يخص العالم القروي، أكدت المنصوري أن تدبير التنمية المجالية سيقوم على الالتقائية بين مختلف البرامج وإشراك المتدخلين على المستوى الترابي، من ولاة وعمال ورؤساء الجماعات والجهات. وأوضحت أن تحديد الحاجيات ينبغي أن ينطلق من الميدان، على أن تتولى الحكومة وضع التصور السياسي، فيما يتم التنفيذ على المستوى الترابي.
ويعكس هذا التوجه توجهاً نحو ربط السياسات التنموية بالاحتياجات الفعلية للمناطق، بما يتيح توجيه المشاريع والموارد وفقاً للأولويات المحلية، والحد من تشتت التدخلات. وتظل فعالية هذا الاختيار مرتبطة بوضوح المسؤوليات، والتنسيق بين المؤسسات، ومدى قدرة المشاريع على تقليص الفوارق المجالية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وبشأن المغاربة المقيمين بالخارج، وصفتهم رئيسة الحكومة بالشركاء في تنمية الوطن، معلنة عزم الحكومة تفعيل المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج في أقرب وقت، من خلال تقديم النصوص اللازمة لتمكينها من الاضطلاع بدورها كمحاور لهذه الفئة. كما أبرزت أهمية الرقمنة في تقريب الخدمات من مغاربة العالم، بما يشمل الخدمات القنصلية والخدمات التي تقدمها المؤسسات المعنية.
ويضع هذا الالتزام تحسين العلاقة الإدارية والمؤسساتية مع مغاربة الخارج ضمن أولويات المرحلة المقبلة، بالنظر إلى أدوارهم الاقتصادية والاجتماعية، وما يمكن أن يتيحه تسهيل المساطر والولوج الرقمي من تعزيز ارتباطهم بمختلف مؤسسات البلاد.
وعلى مستوى التمويل، كشفت المنصوري عن بلوغ مجموع النفقات المرتبطة بالالتزامات الحكومية 390 مليار درهم، منها 314 مليار درهم من الميزانية العامة للدولة، و76 مليار درهم من مصادر خارج الميزانية العامة. وتوزعت المبالغ المعلنة على 108 مليارات درهم للحماية الاجتماعية، و93 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية، و57 مليار درهم لبرنامج التنمية المجالية المندمجة، و30 مليار درهم لإدماج الشباب، و26 مليار درهم لتطوير البنيات التحتية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي تعتزم الحكومة توجيهها إلى الأوراش الاجتماعية والتنموية، كما تبرز الوزن الذي تحتله الحماية الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية ضمن الأولويات المالية المعلنة. غير أن تقييم هذه الاعتمادات لن يتوقف عند حجمها الإجمالي، بل سيمتد إلى كيفية تعبئتها وصرفها، ومدى وضوح آليات التنفيذ والتتبع، والنتائج التي ستتحقق على مستوى الخدمات وفرص الشغل والعدالة المجالية.
وفي ما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية الكلية، حددت الحكومة أهدافاً تتمثل في تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة، وحصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، والتضخم عند 2 في المائة، مع العمل على ألا تتجاوز المديونية 62 في المائة في أفق سنة 2031. كما تحدثت رئيسة الحكومة عن تعبئة موارد جبائية إضافية تقارب 240 مليار درهم، بالاستناد إلى النمو الاقتصادي والزيادة المرتقبة في المداخيل الضريبية والجمركية.
وتضع هذه الأهداف الحكومة أمام معادلة دقيقة، قوامها تمويل الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية، مع الحفاظ على التوازنات المالية وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة. كما أن بلوغ معدلات النمو المستهدفة سيظل مرتبطاً بتطور الاستثمار والإنتاجية والطلب الداخلي والخارجي، فضلاً عن قدرة السياسات الاقتصادية على مواجهة التقلبات الدولية.
وبين الالتزامات الاجتماعية والطموحات الاقتصادية، ترسم تصريحات المنصوري ملامح برنامج حكومي يضع التمويل والأهداف الرقمية في قلب النقاش السياسي. لكن الرهان الأساسي خلال الفترة الممتدة إلى سنة 2031 سيبقى في تحويل هذه الأرقام إلى تحولات محسوسة في حياة المواطنين، من خلال فرص شغل حقيقية، وقدرة شرائية أفضل، وخدمات اجتماعية أكثر جودة، وتنمية أكثر توازناً بين المجالات الترابية.
فالمعيار الحاسم لنجاح البرنامج لن يكون حجم الوعود أو الاعتمادات المعلنة وحده، وإنما مدى الوفاء بالتعهدات، وشفافية التنفيذ، وقدرة السياسات العمومية على تحقيق نتائج قابلة للقياس والمساءلة.