الأستاذة ابتسام إسماعيني: حين تتقدم المرأة إلى واجهة القرار.. أولويات حكومية تفتح آفاق الأمل لمغرب أكثر إنصافاً وازدهاراً
بصفتي امرأة مغربية ومحامية تؤمن بدور القانون في حماية الحقوق وترسيخ العدالة، أرى أن تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يشكل مناسبة مهمة لمناقشة الأولويات الوطنية، واستشراف ما يمكن أن تحمله من فرص لتعزيز الإنصاف الاجتماعي، وتمكين المرأة، وإدماج الشباب، ومحاربة الفساد، وترسيخ الثقة في المؤسسات.
إن قيمة أي برنامج حكومي لا تكمن في طموح شعاراته فحسب، بل في قدرته على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالمغرب الذي نتطلع إليه هو مغرب يصون الكرامة الإنسانية، ويضمن تكافؤ الفرص، ويجعل الكفاءة والاستحقاق أساساً لتحمل المسؤولية والاستفادة من فرص التنمية.
* تمكين المرأة.. حق ومطلب تنموي
أعتبر أن تمكين المرأة المغربية ليس امتيازاً تمنحه السياسات العمومية، بل حق أصيل وضرورة تنموية. فقد أثبتت المرأة حضورها وكفاءتها في مجالات القضاء والمحاماة والإدارة والاقتصاد والتعليم والعمل الاجتماعي، وأصبحت شريكاً أساسياً في بناء المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز استقلاليتها الاقتصادية، وتوسيع فرص الشغل أمامها، ودعم المقاولات النسائية، ومحاربة العنف والتمييز، وتقوية حضورها في مراكز القرار، تمثل خطوات ضرورية لترجمة مبدأ المساواة إلى واقع ملموس.
كما أن دعم المرأة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدعم الأسرة المغربية، من خلال تحسين خدمات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وتوفير شروط العيش الكريم والاستقرار.
* الشباب.. من الوعود إلى الفرص الحقيقية
لا يمكن بناء مستقبل مزدهر دون الاستثمار في الشباب، وتأهيلهم لمتطلبات سوق الشغل، وفتح آفاق أوسع أمام المبادرات المقاولاتية والابتكار والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وأرى أن المشاريع الكبرى، بما فيها الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، ينبغي أن تتحول إلى فرص حقيقية للتشغيل والتكوين والاستثمار، مع ضمان استفادة مختلف الفئات والمناطق، وعدم ترك الشباب في مواجهة البطالة أو محدودية الفرص.
فالشباب لا يحتاجون إلى خطاب التفاؤل وحده، بل إلى سياسات واضحة، وآليات تنفيذ فعالة، ومنافسة نزيهة تتيح لهم التقدم على أساس الكفاءة والاجتهاد والاستحقاق.
* محاربة الفساد.. مدخل أساسي لاستعادة الثقة
من منظور قانوني، أعتبر أن محاربة الفساد وتضارب المصالح وحماية المال العام تشكل ركائز أساسية للحكامة الجيدة والعدالة الاجتماعية. فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في ظل غياب الشفافية أو اختلال تكافؤ الفرص.
غير أن مكافحة الفساد ينبغي أن تتم في إطار دولة الحق والقانون، من خلال تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، وضمان استقلال القضاء، واحترام قرينة البراءة والضمانات القانونية.
فالنزاهة ليست مجرد التزام معلن، بل ممارسة مؤسساتية تتجسد في التطبيق العادل للقانون على الجميع دون استثناء.
* العدالة والحقوق.. أساس دولة المؤسسات
إن إصلاح العدالة وتيسير الولوج إلى المحاكم وتحديث الإدارة القضائية وتعزيز الأمن القانوني، كلها أوراش ضرورية لحماية حقوق المواطنين والمقاولات وترسيخ الثقة في المؤسسات.
وبصفتي محامية بهيئة الدار البيضاء، أؤمن بأن قوة الدولة لا تتعارض مع حماية الحقوق والحريات، بل تزداد رسوخاً حين تقوم على قضاء مستقل وفعال، ومؤسسات مسؤولة، ومساواة فعلية أمام القانون، واحترام كرامة الإنسان.
* الصحراء المغربية.. قضية وطنية ووحدة لا تتجزأ
تظل قضية الصحراء المغربية من الثوابت الوطنية التي تحظى بمكانة مركزية في وجدان المغاربة، وتشكل الوحدة الترابية للمملكة أساساً من أسس الإجماع الوطني. ومن هذا المنطلق، فإن مواصلة الدفاع عن مغربية الصحراء، وتعزيز المكتسبات الدبلوماسية، ودعم التنمية بالأقاليم الجنوبية، تقتضي تضافر الجهود السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والإعلامية، في إطار الثوابت الوطنية واحترام الشرعية الدولية.
كما أن التنمية والعدالة المجالية وتعزيز فرص الشغل والاستثمار بالأقاليم الجنوبية تظل عناصر أساسية لترسيخ الاندماج الوطني وتحسين ظروف عيش المواطنين، بما يعكس التزام المغرب بوحدة ترابه وتنمية مختلف جهاته.
* من البرنامج الحكومي إلى النتائج الملموسة
إنني أنظر بتفاؤل مسؤول إلى كل توجه حكومي يضع الإنصاف الاجتماعي وتمكين المرأة وإدماج الشباب ومحاربة الفساد وتطوير الخدمات العمومية ضمن أولوياته. غير أن هذا التفاؤل يظل مرتبطاً بمدى القدرة على تنفيذ الالتزامات، وتحديد آجال واضحة، وتقييم النتائج، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فنجاح السياسات العمومية لا يقاس بعدد الوعود، بل بقدرتها على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
وتظل مسؤولية تحقيق هذه الأهداف مشتركة بين الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية ومختلف المؤسسات، إلى جانب المجتمع المدني والهيئات المهنية والإعلام، كل من موقعه واختصاصه.
إن المغرب الذي نطمح إليه هو مغرب ينصف المرأة، ويمنح الشباب فرصاً حقيقية، ويحمي الأسرة، ويصون الحقوق، ويجعل النزاهة والكفاءة أساساً لتدبير الشأن العام، مع التمسك بثوابته الوطنية وفي مقدمتها الوحدة الترابية للمملكة.
وبصفتي امرأة مغربية ومحامية تؤمن بقيمة القانون ودور المؤسسات، أرى أن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من إعلان الأولويات إلى تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بصدق الالتزام، وعدالة الفرص، وحسن التدبير، والعمل المتواصل من أجل الكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة.