من قبة البرلمان بالرباط، رسمت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، الخطوط العريضة لبرنامج حكومي يرفع سقف الانتظارات في ملفات النزاهة والحكامة والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويضع إدماج الشباب وتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة ضمن أولويات المرحلة المقبلة. وبين التعهد بتجريم الإثراء غير المشروع ومحاصرة تضارب المصالح، ورصد آفاق جديدة للتشغيل عبر المشاريع الكبرى ومهن الرقمنة، برز التحدي الأساسي أمام الحكومة في قدرتها على تحويل الالتزامات المعلنة إلى قرارات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة في حياة المغاربة.

وجاء تقديم البرنامج الحكومي خلال جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان، انعقدت بمقر مجلس النواب، وفق مقتضيات الفصل 88 من الدستور والنظامين الداخليين للمجلسين، بعد تعيين أعضاء الحكومة الجديدة يوم الجمعة 16 أكتوبر الجاري. وتشكل هذه المحطة مرحلة دستورية وسياسية أساسية، تسبق مناقشة البرنامج والتصويت على منح الثقة للحكومة بمجلس النواب، بما يضع اختيارات السلطة التنفيذية أمام اختبار النقاش البرلماني والمسؤولية السياسية.

وفي عرضها، أكدت السيدة المنصوري أن برنامج الحكومة يستند إلى ثوابت الأمة والتوجيهات الملكية السامية، وإلى مرجعيات النموذج التنموي الجديد وطموح مغرب 2035، مع الاستفادة من تقييم التجارب الحكومية السابقة وتثبيت المكتسبات المحققة، والعمل على تصحيح الاختلالات التي حالت دون تحويل بعض الاستثمارات والمشاريع إلى فرص شغل وخدمات عمومية ذات أثر مباشر.

سبع أولويات ترسم ملامح المرحلة

حددت رئيسة الحكومة سبع أولويات متكاملة تؤطر عمل الجهاز التنفيذي، تشمل توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية الوطنية وتماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وتعزيز الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي للمملكة، وبناء اقتصاد منتج قادر على تمويل الطموحات التنموية.

وتعكس هذه الأولويات محاولة للجمع بين الإصلاح المؤسساتي والإنصاف الاجتماعي والتحول الاقتصادي، غير أن نجاحها سيظل رهيناً بمدى وضوح التدابير التنفيذية، وتحديد المسؤوليات والآجال والموارد المالية، وإرساء مؤشرات دقيقة تسمح بتقييم الحصيلة ومقارنتها بالالتزامات المعلنة.

كما شددت السيدة المنصوري على أن تقارب مرجعيات أحزاب الأغلبية وبرامجها الانتخابية يشكل قاعدة للعمل الحكومي المشترك، مؤكدة التوجه نحو تنفيذ الالتزامات تدريجياً وفق الواقعية التنفيذية والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

محاربة الفساد.. من التعهد السياسي إلى التفعيل القانوني

احتل تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والريع حيزاً بارزاً في البرنامج الحكومي، بعدما أكدت رئيسة الحكومة أن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات لا يمكن أن تتحقق دون مواجهة فعلية للفساد وتضارب المصالح.

وفي هذا السياق، أعلنت التوجه نحو استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال العمل على تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح في إطار الفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض الحصول على امتيازات.

وتتجاوز أهمية هذه التعهدات بعدها السياسي، بالنظر إلى ارتباطها بحماية المال العام، وتعزيز تكافؤ الفرص، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن الرهان الحقيقي يتمثل في صياغة مقتضيات قانونية واضحة، تحدد الأفعال المخالفة وشروط إثباتها والجهات المكلفة بالمراقبة، مع ضمان التطبيق المتكافئ للقانون واحترام الحقوق والضمانات القضائية.

وفي محور تنظيم الأسواق، كشفت المنصوري عن توجه لإطلاق إصلاح هيكلي لمحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، بتنسيق مع مجلس المنافسة، إلى جانب إحداث آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في حالات التواطؤ المحتملة في طلبات العروض.
كما أعلنت التوجه نحو إلزام الجهات المعنية بتخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة. ويضع هذا الالتزام تدبير الطلب العمومي في صلب السياسة الاقتصادية، بالنظر إلى ما يمكن أن يوفره من فرص للمقاولات الوطنية، شريطة إرساء شروط شفافة للولوج إلى الصفقات، وضمان المنافسة العادلة، وتوفير آليات فعالة للتتبع والمراقبة.

وبذلك، يصبح نجاح هذا الورش مرتبطاً ليس فقط بالإعلان عن النسب والأهداف، بل أيضاً بمدى انعكاسها على المقاولات المستفيدة، وقدرتها على خلق فرص الشغل وتحسين الإنتاجية وتوسيع قاعدة الاقتصاد الوطني.

الشباب في صدارة الرهان.. والمونديال والرقمنة بوابتان للتشغيل

وضعت الحكومة إدماج الشباب ضمن أولوياتها الأساسية، مع التوجه إلى إعداد استراتيجية وطنية مندمجة تستهدف تعزيز المشاركة السياسية والمؤسساتية لهذه الفئة، وتحسين جودة المدرسة العمومية، وتطوير التوجيه والتكوين المهني، وربط التأهيل بمتطلبات سوق الشغل.

ويمتد هذا التوجه إلى تثبيت الفلاحين الشباب في الوسط القروي، وفتح آفاق أوسع أمامهم للاستقرار الاقتصادي، إلى جانب تعزيز حضور الشباب في المشاريع الكبرى والأوراش المرتبطة باستعدادات المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، وتطوير التكوين في المهن الرقمية، وتشجيع عودة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج والحد من هجرة حاملي الشهادات العليا.

وتراهن هذه المقاربة على جعل الاستثمارات الكبرى والتحول الرقمي رافعتين لخلق فرص اقتصادية جديدة، بدل الاقتصار على أثرهما في البنيات التحتية والتجهيزات. كما تطرح ضرورة إرساء جسور فعالة بين التكوين والتشغيل، حتى لا تظل الشهادات بعيدة عن حاجات المقاولات والقطاعات المنتجة.

ومع ذلك، فإن نجاح الاستراتيجية المقترحة سيحتاج إلى أهداف رقمية معلنة بشأن فرص الشغل المنتظر إحداثها، وأعداد المستفيدين من برامج التكوين والإدماج، والميزانيات المرصودة، والآجال المحددة للتنفيذ. فالشباب لا ينتظرون فقط برامج جديدة، بل يتطلعون إلى فرص فعلية للاستقلال الاقتصادي والمشاركة في الحياة العامة وبناء مستقبل مهني مستقر.

القدرة الشرائية والدولة الاجتماعية.. الاختبار الأقرب إلى المواطن

في الجانب الاجتماعي، تبرز القدرة الشرائية للأسر، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، ضمن الملفات التي ستحدد مدى تجاوب البرنامج الحكومي مع الانتظارات اليومية للمواطنين.

وأكدت رئيسة الحكومة التزام فريقها بمواصلة إصلاح القطاعات الاجتماعية، وتثبيت مكتسبات الحماية الاجتماعية، والعمل على تطوير السكن والبنيات الأساسية، وتحسين تدبير الموارد المائية والطاقية والغذائية.

وتكتسي هذه الملفات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتكاليف المعيشة، وجودة الخدمات العمومية، ومدى قدرة السياسات الحكومية على تقليص الفوارق بين الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية. كما أن معالجة هذه التحديات تتطلب تنسيقاً بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن ألا يبقى النمو منفصلاً عن تحسين الدخل وتوسيع فرص الشغل وتيسير الولوج إلى الخدمات.

ومن هذا المنطلق، سيكون تقييم الأداء الحكومي مرتبطاً بما ستقدمه القطاعات المعنية من تدابير عملية، وبمدى انعكاسها على الحياة اليومية للأسر، لا بمجرد إدراجها ضمن محاور البرنامج.

دولة الحق والقانون.. إصلاح العدالة وتعزيز الثقة المؤسساتية

جعلت السيدة المنصوري ترسيخ دولة الحق والقانون والمؤسسات مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة في العمل العمومي والحياة السياسية، مؤكدة أهمية الممارسة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والحريات، وتعزيز التفاعل المؤسساتي مع المقترحات البناءة للمعارضة، وتقوية المشاركة المواطنة.

وفي هذا الإطار، أعلنت التزام الحكومة بتقريب العدالة من المواطنين، عبر برنامج للتحديث يروم تحسين الولوج إلى القضاء وتعزيز الأمن القانوني، إلى جانب مواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المتعلقة بحقوق الإنسان، وإدماج هذا البعد في السياسات العمومية.

كما أكدت أهمية إرساء حكامة مؤسساتية دامجة ومنصفة، تكفل التمتع الفعلي بالحقوق والحريات، وتدعم التفاعل بين الديناميات الوطنية والالتزامات الدولية للمملكة.
وتكتسب هذه التوجهات أهميتها من ضرورة تعزيز ثقة المواطن في المؤسسات، وتوفير شروط الإنصاف وتكافؤ الفرص، وضمان أن تكون القواعد القانونية مرجعاً موحداً في تدبير الشأن العام. ويبقى قياس أثرها رهيناً بمدى تقدم الإصلاحات، وتحسين الخدمات القضائية والإدارية، وترسيخ الممارسة المؤسساتية القائمة على الوضوح والمسؤولية.

تمكين المرأة ومواصلة إصلاح المنظومة الاجتماعية

أكدت رئيسة الحكومة أن النهوض بأوضاع المرأة وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص يظلان ضمن التوجهات الأساسية للبرنامج، مع التركيز على التمكين الاقتصادي عبر الشغل اللائق ودعم المبادرة والاستقلالية المالية.

وتشمل التدابير المعلنة محاربة العنف ضد النساء، وتعزيز الحماية والمواكبة، وتوسيع المشاركة النسائية في مراكز القرار، وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، ولا سيما في الوسط القروي ولدى الفئات الهشة.

وتتطلب ترجمة هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة توفير برامج قابلة للتقييم، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات والقطاعات المعنية، وتوسيع الفرص الاقتصادية أمام النساء، بما يضمن الانتقال من مبدأ المساواة إلى ممارسات فعلية في التشغيل والاستفادة من الخدمات والمشاركة في التنمية.

الجهوية المتقدمة والتنمية الترابية.. رهان تقليص الفوارق

أولت الحكومة أهمية خاصة لتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة، عبر إعادة تنظيم الاختصاصات الجهوية وفق منطق الوضوح والنجاعة، وتحديث آليات تنفيذ المشاريع، وتقوية الموارد المالية للجهات وتعزيز استقلاليتها.

وفي هذا السياق، أعلنت السيدة
المنصوري التوجه نحو رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع مواصلة تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق المجالية.

كما أكدت ضرورة تسريع التنفيذ الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يعزز التكامل بين اختصاصات الدولة والجهات، ويساعد على تسريع اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع على المستوى الترابي.

ويشكل تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة أحد المرتكزات المعلنة للبرنامج الحكومي، في اتجاه جعل السياسات العمومية أكثر ارتباطاً بحاجات السكان وخصوصيات المجالات المحلية. غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي وضوحاً في توزيع الاختصاصات، ونجاعة في صرف الموارد، وربط التمويل بالنتائج، حتى تتحول الاعتمادات المالية إلى مشاريع وخدمات وفرص اقتصادية ملموسة.

الصحراء المغربية وفلسطين.. ثوابت السياسة الخارجية

على مستوى القضايا الوطنية والدولية، أكدت رئيسة الحكومة أن الصحراء المغربية تظل في مقدمة القضايا الوطنية، مشددة على مواصلة الدفاع عن سيادة المملكة ووحدتها الترابية ومصالحها.

وأبرزت أن الحكومة ستواصل حشد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية، وتعزيز دورها بوصفها مجالاً استراتيجياً يربط المملكة بعمقها الإفريقي وامتدادها الأطلسي. كما استحضرت قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 باعتباره محطة مفصلية في المسار المرتبط بالقضية الوطنية.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، جددت السيدة المنصوري تمسك الحكومة بموقف المملكة الداعم للتسوية السلمية القائمة على حل الدولتين، بما يفضي إلى سلام عادل ودائم، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بصفته أمير المؤمنين ورئيس لجنة القدس.

وتندرج هذه المواقف ضمن ثوابت السياسة الخارجية للمملكة، بالتوازي مع الرهان على تعزيز الإشعاع الدولي للمغرب وتطوير أدواره الاقتصادية والاستراتيجية، بما يخدم مصالحه الوطنية ويعزز حضوره الإقليمي والدولي.

السيادة المائية والطاقية والغذائية والاقتصاد الرقمي

وضعت الحكومة تعزيز السيادة الاستراتيجية ضمن توجهاتها الأساسية، مع التركيز على الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتسريع الإقلاع الصناعي، وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتتصل هذه المحاور بتحديات التنمية المستدامة، وقدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية، وتأمين حاجيات البلاد الأساسية، ورفع الإنتاجية وخلق فرص اقتصادية جديدة. كما تبرز أهمية الاستثمار في البنيات الأساسية والابتكار والرأسمال البشري، بما يتيح الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى تطوير استعمالاتها وإنتاج قيمة مضافة محلية.

ويظل التحدي في هذا المجال مرتبطاً بمدى تكامل السياسات القطاعية، وتوفير التمويل والكفاءات، وتحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان استفادة المواطنين من ثمار التنمية.

البرنامج الحكومي تحت مجهر البرلمان والرأي العام

لا تنتهي أهمية الجلسة المشتركة عند عرض التوجهات والأولويات، بل تمتد إلى النقاش البرلماني الذي يتيح للأغلبية والمعارضة مساءلة الحكومة بشأن وسائل التنفيذ، ومصادر التمويل، والجدولة الزمنية، ومؤشرات قياس النتائج.

ويشكل هذا المسار الدستوري فرصة لاختبار مدى تماسك البرنامج ووضوح التزاماته، ومدى قدرته على تقديم أجوبة عملية عن قضايا التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والنزاهة وتقليص الفوارق. كما يضع الحكومة أمام مسؤولية تقديم حصيلة قابلة للتقييم، تتيح للمؤسسات والرأي العام متابعة ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.

وتتجه الأنظار، في المرحلة المقبلة، إلى كيفية تنزيل التعهدات المعلنة، خصوصاً في ما يتعلق بمحاربة الفساد وتضارب المصالح، وإدماج الشباب، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتطوير الاستثمار، وتعزيز التنمية الترابية. فهذه الملفات لا تقاس بقوة الخطاب وحدها، وإنما بمدى ما تحدثه من تغيير فعلي في أداء المؤسسات وفي ظروف عيش المواطنين.

وبين سقف الانتظارات وحجم التحديات، تدخل الحكومة الجديدة مرحلة دقيقة تتطلب وضوحاً في الأولويات، ونجاعة في التنفيذ، وشفافية في التدبير، واستعداداً للمساءلة. وستظل النتائج المحققة، ومدى احترام الالتزامات والآجال، وقدرة السياسات العمومية على تحسين حياة المغاربة، المعيار الأهم للحكم على حصيلة هذه المرحلة.

Image description