باريس – شهدت فرنسا، السبت 17 أكتوبر 2026، احتجاجات واسعة على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور ظروف التعليم، تحولت في عدد من المدن إلى مواجهات عنيفة وأعمال نهب وإحراق طالت متاجر ومرافق عامة ومبانٍ تاريخية. وبينما شارك مئات الآلاف في التعبئة، أعلنت الحكومة توقيف نحو 1200 شخص وإصابة 150 عنصراً من الشرطة والدرك، وفق الحصيلة التي قدمها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، في تطورات وضعت السلطات أمام تحديات أمنية واجتماعية متزامنة، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة سنة 2027.

من أزمة التعليم إلى احتجاجات غلاء المعيشة

انطلقت موجة الاحتجاجات من تحركات طلابية بدأت خلال شهر شتنبر الماضي، احتجاجاً على نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول الدراسية، وتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية وضعف الموارد المخصصة لها.

وسرعان ما اتسعت المطالب لتشمل ارتفاع أسعار الوقود والمواد الأساسية والسكن، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة مواكبة الأجور لتكاليف المعيشة. وانضمت إلى التعبئة نقابات عمالية وناشطون اجتماعيون ومشاركون من حركة «السترات الصفراء»، إلى جانب فئات شبابية ومدنية.

وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألفاً، مقابل 800 ألف بحسب المنظمين، في احتجاجات شملت باريس ومرسيليا وليون وليل وبوردو وتولوز ومدناً أخرى.

Image description

حرائق ونهب واقتحام مبانٍ عامة

شهدت باريس مواجهات في محيط ساحة الجمهورية وعدد من الشوارع التجارية، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات دخلت في صدامات مع قوات الأمن. كما تعرضت متاجر لأعمال تخريب ونهب، وأُحرقت سيارات وحاويات للنفايات، فيما منعت الشرطة مسيرة غير مرخصة من التقدم نحو محيط قصر الإليزيه.

وفي مدينة ليموج، اندلع حريق كبير في مبنى البلدية التاريخي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وأدى إلى أضرار جسيمة وانهيار أجزاء من المبنى، وفق تقارير إعلامية فرنسية.

أما في مرسيليا، فاقتحم محتجون بهو البلدية لفترة وجيزة بعد تحطيم الباب، قبل تدخل الشرطة، كما تعرضت متاجر للنهب والتخريب. وشهدت ليل اقتحاماً لمقر البلدية، فيما اندلع حريق في مكتب السياحة بمدينة ليون، وتعرضت ممتلكات ومرافق أخرى لأضرار في بوردو ومدن فرنسية مختلفة.

ورافقت هذه الأحداث صعوبات واجهتها فرق الإطفاء في بعض المواقع بسبب استمرار المواجهات، ما زاد من حجم الأضرار التي لحقت بالمباني والممتلكات العامة والخاصة.

Image description

اعتقالات وإصابات تثير الجدل

أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف نحو 1200 شخص وإصابة 150 عنصراً من الشرطة والدرك خلال الاحتجاجات، وفق الحصيلة التي قدمها مساء السبت، بعد أرقام أولية أقل صدرت خلال اليوم.

كما أثارت إصابة متظاهر في سانت إتيان، فقد إحدى يديه إثر انفجار قنبلة صوتية، جدلاً بشأن ظروف استخدام وسائل تفريق التجمعات. وأعادت الواقعة إلى الواجهة الانتقادات المتعلقة بتعامل الشرطة مع الاحتجاجات الطلابية، في ظل تقارير عن إصابات خطيرة سابقة وشكاوى تخضع للتحقيق.

وتؤكد هذه التطورات ضرورة التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال التخريب، مع ضمان محاسبة المتورطين في الاعتداءات وفق القانون، والتحقيق في أي تجاوزات أمنية محتملة.

Image description

الحكومة تتوعد بالمحاسبة والنقابات تتمسك بالمطالب الاجتماعية

تعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بملاحقة المتورطين في تخريب المؤسسات والشركات والاعتداء على الممتلكات، فيما أكد لوكورنو أن الحكومة لن ترضخ للعنف أو تسمح بفرض الأجندات السياسية بالقوة، محملاً مجموعات وصفها باليسار المتطرف وأشخاصاً متورطين في أعمال إجرامية مسؤولية جانب من الاضطرابات.

في المقابل، طالبت الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية «CGT» بتحسين الأوضاع الاجتماعية ووقف ما وصفته بقمع الاحتجاجات، مؤكدة اتساع المشاركة الشعبية. وركز المحتجون على ارتفاع تكاليف الحياة وضعف القدرة الشرائية، إلى جانب مطالب تحسين التعليم والخدمات العامة.

وتواجه الحكومة، في هذا السياق، معادلة صعبة بين ضبط المالية العامة والاستجابة للمطالب الاجتماعية، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بالدين العام والإنفاق العمومي.
الانتخابات الرئاسية تزيد حدة التجاذب السياسي

تأتي الاحتجاجات قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة سنة 2027، وسط انقسام سياسي بشأن أسباب الأزمة وطرق التعامل معها.

وأعلن جان لوك ميلونشون وحركة «فرنسا الأبية» دعمهما للمطالب الاجتماعية، منتقدين التركيز على مشاهد العنف على حساب المسيرات السلمية. في المقابل، شدد حزب «التجمع الوطني» على دعم قوات الأمن، محذراً من استغلال الاحتجاجات سياسياً.

ويضع هذا الاستقطاب الأحزاب أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تقديم حلول عملية لأزمات القدرة الشرائية والتعليم والخدمات العامة، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات.

الخلاصة.. تحدي الأمن والإصلاح الاجتماعي

تكشف الاحتجاجات عن تصاعد الغضب المرتبط بالأوضاع المعيشية والتعليمية، فيما أظهرت أعمال النهب والحرائق حجم التحديات التي تواجه السلطات في حماية المواطنين والممتلكات والمرافق التاريخية.

ولا يمكن معالجة الأزمة بالإجراءات الأمنية وحدها، كما لا تبرر المطالب الاجتماعية الاعتداء على الممتلكات. وتبقى الأولوية لاستعادة النظام العام، وضمان الحق في التظاهر السلمي، ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف، بالتوازي مع اتخاذ تدابير ملموسة لتحسين التعليم وحماية القدرة الشرائية.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، سيكون التحدي أمام الحكومة والقوى السياسية هو تحويل الاحتقان إلى فرصة لإصلاح السياسات العامة واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.