تسجل المرأة المغربية حضورها في أعلى مستويات القرار التنفيذي من خلال تولي السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة الجديدة، إلى جانب ست نساء يتولين حقائب وزارية ومهام وزارية منتدبة، في محطة سياسية تحمل دلالة مؤسساتية بارزة، وتؤكد اتساع مشاركة الكفاءات النسائية في تدبير الشأن العام. غير أن أهمية هذه المشاركة لا تُقاس بعدد المناصب وحده، بل بما تتيحه من فرص لتطوير السياسات العمومية، وتعزيز الإنصاف الاجتماعي، وتحسين الخدمات، والاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين.

ويأتي هذا الحضور في سياق دستوري يكرس المساواة بين النساء والرجال، ويجعل السعي إلى تحقيق المناصفة التزامًا مؤسساتيًا. كما يفتح نقاشًا مشروعًا حول موقع المرأة في هرم المسؤولية الحكومية، ومدى انتقال مشاركتها من التمثيل السياسي إلى التأثير الفعلي في صناعة القرار وتوجيه الأولويات الوطنية.

وقد اكتمل تشكيل الحكومة الجديدة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، خلال المراسيم التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بالقصر الملكي بالرباط، عقب تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026، وتكليفها بتشكيل الجهاز التنفيذي وفق مقتضيات الفصل 47 من الدستور. وتضم التشكيلة سبع نساء، من بينهن رئيسة الحكومة، وفق اللائحة الرسمية المنشورة على البوابة الوطنية للمملكة.

وتتولى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري قيادة الحكومة باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، وهو تطور يمنح المشاركة النسائية بُعدًا سياسيًا ومؤسساتيًا خاصًا. وتضعها هذه المسؤولية في صدارة تدبير الأولويات الحكومية وتنسيق عمل مكونات الجهاز التنفيذي، في إطار الاختصاصات الدستورية والمؤسساتية، وما تقتضيه من التزام بالبرنامج الحكومي وتحمل مسؤولية النتائج.

وتضم التشكيلة السيدة شرفات أفيلال، وزيرة الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، التي تتولى حقيبة ترتبط بملفات استراتيجية تشمل أمن الطاقة، وتدبير الموارد الطبيعية، والاستدامة البيئية. وتبرز أهمية هذا القطاع في ارتباطه بالتنمية الاقتصادية وحاجيات البلاد من الطاقة، وبضرورة التوفيق بين متطلبات الاستثمار وحماية الموارد وتعزيز الانتقال نحو نماذج تنموية أكثر استدامة.

وفي المجال الاجتماعي، أُسندت إلى السيدة نجوى كوكوس وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، وهي حقيبة تتصل بقضايا الأسرة والتماسك الاجتماعي وحماية الفئات الهشة وتعزيز تكافؤ الفرص. وتضع هذه المسؤولية السياسات الاجتماعية أمام تحديات تتطلب تنسيقًا بين القطاعات المعنية، وتطوير آليات الدعم والإدماج، وربط البرامج العمومية بحاجيات الأسر، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.

أما السيدة قلوب فيطح، فتتولى مهمة الوزيرة المنتدبة لدى رئيسة الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني. وتتمثل أهمية هذا الاختصاص في دعم التواصل المؤسساتي بين الحكومة والبرلمان، وتعزيز الحوار مع جمعيات المجتمع المدني، وتيسير مساهمة الفاعلين المدنيين في النقاش العمومي، بما يساعد على نقل انشغالات المواطنين إلى دوائر إعداد السياسات واتخاذ القرارات.

وفي قطاع التكوين المهني والتأهيل، أُسندت إلى السيدة مديحة خيير مهمة الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل. وترتبط هذه الحقيبة بتطوير منظومة التكوين، وتحسين ملاءمة التخصصات مع حاجيات سوق الشغل، وتأهيل الشباب لاكتساب مهارات مهنية تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مع تعزيز فرص الإدماج المهني.

وتتولى السيدة فاطمة السعدي مهمة الوزيرة المنتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة. وتكتسي هذه المسؤولية أهمية اجتماعية وعمرانية بالنظر إلى ارتباطها بالعرض السكني، وتحسين ظروف العيش، وتطوير المجالات الحضرية، بما يستدعي تنسيقًا فعالًا بين مختلف المتدخلين، وتعزيز قدرة السياسات السكنية على الاستجابة لحاجيات الأسر ومواكبة التحولات العمرانية.

وفي مجال إصلاح الإدارة، أُسندت إلى السيدة عائشة كلاع مهمة الوزيرة المنتدبة لدى وزير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، المكلفة بإصلاح الإدارة. ويضعها هذا الاختصاص أمام ملفات تتصل بتحديث المرافق العمومية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية والنجاعة، بما يقوي ثقة المواطن في المؤسسات ويجعل الإدارة أكثر استجابة لانتظارات المرتفقين.

ويكشف توزيع هذه المسؤوليات عن امتداد الحضور النسائي إلى قطاعات اجتماعية واقتصادية وإدارية متنوعة، من رئاسة الحكومة والطاقة إلى الأسرة والتكوين والسكن والعلاقات مع البرلمان وإصلاح الإدارة. غير أن تعدد المجالات لا يلغي ضرورة التمييز بين حجم التمثيلية وموقع النساء داخل هرم السلطة التنفيذية، أو بين تولي المسؤولية والقدرة على التأثير في القرارات الكبرى
.
وفي هذا السياق، أشار تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 17 أكتوبر 2026 إلى أن عدد النساء في الحكومة الجديدة ظل عند سبع، بما في ذلك رئيسة الحكومة، غير أن حضورهن تراجع على مستوى قيادة القطاعات الوزارية؛ إذ لم تعد سوى وزارة واحدة كاملة، هي وزارة الطاقة، تحت قيادة امرأة، مقابل خمس وزارات في الحكومة السابقة. وتطرح هذه المعطيات مفارقة تستحق النقاش: تحقيق سابقة تاريخية بتولي امرأة رئاسة الحكومة، مقابل محدودية عدد النساء اللواتي يتولين قيادة وزارات كاملة.

وتستند المشاركة السياسية للمرأة المغربية إلى مرجعية دستورية واضحة، ولا سيما الفصل 19 من دستور المملكة لسنة 2011، الذي ينص على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما ينص على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء. ويجعل هذا المقتضى توسيع فرص المشاركة النسائية وتعزيز تكافؤ الفرص مسؤولية مؤسساتية تتجاوز التعيينات الظرفية إلى ترسيخ المساواة في مختلف مستويات تدبير الشأن العام.

وتبقى ترجمة هذه المبادئ إلى نتائج ملموسة رهينة بمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للتحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتطوير الخدمات الأساسية، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين أوضاع الأسرة، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وتحديث الإدارة. كما تقتضي فعالية العمل الحكومي وضوح الأهداف، وتحديد المسؤوليات، وربط البرامج بمؤشرات قابلة للتقييم، بما يتيح قياس أثر القرارات على حياة المواطنين.

إن حضور سبع نساء في الحكومة الجديدة، تتقدمهن رئيسة الحكومة، يشكل محطة بارزة في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية، ويعكس وصول نساء إلى مواقع مسؤولية في مؤسسات الدولة. غير أن القيمة الفعلية لهذه المشاركة ستتحدد بما ستقدمه المسؤولات من حصيلة، وبمدى إسهامهن في معالجة الملفات المسندة إليهن، وتعزيز الإنصاف وتكافؤ الفرص، وتحقيق نتائج قابلة للقياس.

فالمرأة المغربية التي أثبتت حضورها في مجالات متعددة من الحياة الوطنية، تظل مشاركتها في القرار العام جزءًا من بناء مؤسسات أكثر تمثيلية وفعالية. ومن هنا، فإن الرهان لا يقف عند تسجيل عدد النساء في التشكيلة الحكومية، بل يمتد إلى ترسيخ حضورهن في مواقع التأثير، وتكريس مبدأ الاستحقاق، وضمان أن تكون المسؤولية مدخلًا إلى الإنجاز والمحاسبة وخدمة الصالح العام.