الأستاذة ابتسام اسماعيني محامية بهيئة الدار البيضاء

تضع مراجعة مدونة الأسرة بالمغرب المنظومة القانونية المنظمة للعلاقات الأسرية أمام اختبار حقيقي، تتداخل فيه الحقوق والواجبات مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وتتصدره قضايا الحضانة والولاية القانونية على الأطفال، والنفقة، وتقاسم المسؤوليات المالية بين الزوجين، وتثمين العمل المنزلي، إلى جانب الإشكالات المرتبطة بالإرث والسكن بعد وفاة أحد الزوجين.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تعديل مواد قانونية، بل بمدى قدرة الإصلاح على معالجة نزاعات يومية تعيشها الأسر داخل المحاكم، وتحقيق التوازن بين حقوق الزوجين، وصيانة المصلحة الفضلى للأطفال، وضمان الأمن القانوني لجميع الأطراف. كما يثير هذا الورش أسئلة دقيقة حول حدود الاجتهاد التشريعي، ومدى وضوح المقتضيات الجديدة، والضمانات التي تحول دون اختلاف تطبيقها من محكمة إلى أخرى.

وفي هذا السياق، يستضيف موقع «لكل الأسرة» الأستاذة ابتسام إسماعيني، المحامية بهيئة الدار البيضاء، في حوار قانوني يناقش أبرز القضايا المطروحة في ورش مراجعة مدونة الأسرة، ويستعرض انعكاساتها المحتملة على الواقع القضائي والاجتماعي، مع التركيز على الحلول العملية التي يمكن أن تجعل الإصلاح أكثر إنصافًا ووضوحًا وقابلية للتطبيق.

أستاذة ابتسام إسماعيني، أثارت مراجعة مدونة الأسرة نقاشًا واسعًا داخل المجتمع المغربي. من وجهة نظرك القانونية، ما جوهر هذا الإصلاح؟ وهل يتعلق الأمر بتغيير مقتضيات متفرقة أم بإعادة تنظيم العلاقة بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة؟

* تكمن أهمية مراجعة مدونة الأسرة في كونها تمس العلاقات القانونية والاجتماعية التي تنظم حياة الأسرة، منذ إبرام عقد الزواج إلى غاية انتهاء العلاقة الزوجية وما يترتب عنها من آثار، فضلًا عن حقوق الأطفال ومصالحهم.
ولا ينبغي اختزال الإصلاح في مجموعة من التعديلات التقنية، بل يتعين تقييمه من خلال قدرته على معالجة الإشكالات التي كشف عنها التطبيق العملي للمدونة الحالية، وتوضيح المقتضيات التي أثارت خلافًا في الفهم أو التطبيق، وتحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات.
كما أن نجاح أي إصلاح يقتضي احترام المرجعيات الدستورية للمملكة ومقاصد الشريعة الإسلامية، مع مراعاة التحولات الاجتماعية والاقتصادية. والأهم أن تكون النصوص واضحة، وألا تترك مجالًا واسعًا للتأويل المتباين، وأن توفر حماية فعلية للمرأة والرجل والطفل، دون أن تتحول الحقوق إلى وسيلة للإضرار بالطرف الآخر.

من بين أكثر الملفات حساسية موضوع الإرث. كيف يمكن تناول هذا الملف في إطار الإصلاح، مع احترام الأحكام الشرعية والمرجعيات القانونية للمملكة؟

* يجب التمييز بين الأحكام الشرعية القطعية وبين الحلول القانونية والاجتماعية التي يمكن تطويرها لمعالجة بعض الإشكالات المرتبطة بالتركة. فالنقاش القانوني الرصين لا يقوم على إطلاق أحكام عامة، بل على تحديد المسائل المطروحة، وطبيعة الحقوق المتعارضة، والضوابط التي تحكم كل حالة.
وتقتضي معالجة أوضاع الأسر بعد وفاة أحد أفرادها الانتباه إلى حماية حقوق الورثة، وتدبير الأموال المشتركة، وتسوية الديون، وضمان حقوق الأطفال القاصرين، فضلًا عن معالجة الحالات التي يكون فيها أحد الزوجين قد ساهم في تكوين ثروة الأسرة بعمله أو ماله.
ومن الضروري أيضًا عدم الخلط بين حق الإرث وبين الحقوق المالية التي قد تثبت لأحد الزوجين بموجب اتفاق أو سند قانوني مستقل. فلكل حق أساسه وشروطه وآثاره، وأي معالجة تشريعية ينبغي أن تكون دقيقة، وألا تؤدي إلى المساس بحقوق ثابتة للغير.

أُثيرت مسألة حماية الأرملة والأبناء من فقدان السكن بعد وفاة الزوج، مع تداول فكرة إخراج بيت الزوجية من التركة. هل يعني ذلك أن المنزل ينبغي ألا يخضع لقواعد الإرث؟

* ينبغي التعامل مع هذه المسألة بحذر، لأن حماية السكن لا تعني بالضرورة إلغاء حقوق الورثة أو استبعاد العقار من التركة بصورة تلقائية.
فبيت الزوجية قد يكون مملوكًا للزوج وحده، أو للزوجة، أو مملوكًا على الشياع بينهما، وقد يكون خاضعًا لحقوق عينية أو التزامات مالية أخرى. لذلك، فإن الحل القانوني يجب أن يراعي طبيعة الملكية، ومساهمة كل طرف، وحقوق الورثة، ووضعية الأطفال القاصرين.
ومن الممكن، من حيث المبدأ، دراسة آليات قانونية تضمن استمرار السكن للأسرة التي تحتاج إليه، وفق شروط واضحة، مع مراعاة حقوق باقي الورثة. لكن يجب التمييز بين حق السكنى وملكية العقار والحق في الإرث؛ فهذه مراكز قانونية مختلفة لا يجوز الخلط بينها.
والهدف ينبغي أن يكون منع التشرد أو الإضرار بالأطفال والأرملة، دون إنشاء وضعية قانونية تمس بحقوق الآخرين أو تؤدي إلى نزاعات جديدة.

لننتقل إلى الحضانة. هل ينبغي أن يؤدي زواج الأم المطلقة تلقائيًا إلى إسقاط حضانتها لأطفالها، أم أن مصلحة الطفل تستوجب إعادة النظر في هذا المعيار؟

* المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون المعيار المركزي في كل قرار يتعلق بالحضانة. فالطفل ليس طرفًا في النزاع بين والديه، ولا ينبغي أن يتحمل وحده آثار انتهاء العلاقة الزوجية.
غير أن المسألة تحتاج إلى تمييز قانوني مهم. فمدونة الأسرة الحالية تتضمن أحكامًا تنظم الحضانة وأسباب سقوطها، ومن بينها مقتضيات مرتبطة بزواج الحاضنة، مع وجود حالات واستثناءات يحددها القانون. لذلك، لا يصح التعامل مع المقترحات المتداولة بشأن استمرار حضانة الأم بعد الزواج باعتبارها قانونًا نافذًا قبل صدور النص التشريعي النهائي.
ومن الناحية الإصلاحية، فإن تقييم الحضانة ينبغي أن يركز على سلامة الطفل واستقراره النفسي والتربوي، وظروف إقامته، وقدرة الحاضن على الرعاية، وطبيعة علاقته بالطرف الآخر. كما ينبغي ألا يكون زواج أحد الوالدين، في حد ذاته، بديلًا عن التقييم الموضوعي لمصلحة المحضون.
والأهم أن تتوفر للقاضي معايير واضحة تساعده على اتخاذ قرار معلل، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو النزاعات الشخصية بين الأبوين.

ترتبط الحضانة بإشكال آخر لا يقل أهمية، وهو الولاية القانونية على الأطفال. كيف يمكن معالجة الحالات التي تتولى فيها الأم الرعاية اليومية، بينما تحتاج بعض الإجراءات الإدارية إلى تدخل النائب الشرعي؟

* يجب أولًا التمييز بين الحضانة والولاية القانونية أو النيابة الشرعية؛ فالحضانة تتعلق برعاية الطفل وحفظه وتربيته، بينما ترتبط النيابة الشرعية بتمثيله قانونيًا وتدبير شؤونه وفق الحدود التي يحددها القانون.
وقد تظهر صعوبات عملية عندما تتولى الأم الحاضنة متابعة الدراسة والعلاج والإقامة والتنقل، لكنها تواجه تعقيدات في بعض الإجراءات التي تتطلب صفة قانونية أو وثائق أو موافقات معينة.
ومن ثم، فإن أي إصلاح في هذا المجال ينبغي أن يوضح صلاحيات كل طرف، ويحدد الحالات التي يمكن فيها للأم الحاضنة مباشرة الإجراءات الضرورية لمصلحة الطفل، والضوابط التي تحكم القرارات ذات الأثر القانوني أو المالي المهم.
وفي المقابل، يجب توفير ضمانات تحول دون استعمال الولاية للإضرار بالطفل أو تعطيل مصالحه، مع احترام حقوق الأب ومسؤولياته القانونية، ما لم يوجد مانع أو حكم قضائي يغير الوضعية.
إن الحل ليس في إحداث تضارب بين سلطات الأبوين، وإنما في وضع قواعد عملية تضمن سرعة اتخاذ القرارات الضرورية، وتمنع التعسف، وتحافظ على حق الطفل في الرعاية والتواصل مع والديه.

النفقة من أكثر الملفات التي تتحول إلى نزاع بعد الانفصال. ما أبرز الإشكالات التي ينبغي أن يعالجها الإصلاح لضمان حصول الأطفال على حقوقهم في الوقت المناسب؟

* النفقة التزام قانوني يهدف إلى ضمان الحاجات الأساسية للمستفيد منها، ويجب أن تخضع لتقدير يراعي عناصر الاستحقاق والقدرة المالية والظروف التي يحددها القانون.
ومن أبرز الإشكالات العملية تأخر تنفيذ الأحكام، وصعوبة إثبات المداخيل الحقيقية في بعض الحالات، والخلاف حول المصاريف الإضافية، مثل العلاج والتعليم والسكن، فضلًا عن النزاعات المرتبطة بتغيير الوضعية المالية لأحد الأطراف.
ويجب التمييز بين استحقاق النفقة، وتحديد مبلغها، وتنفيذ الحكم الصادر بها. فهذه مراحل مختلفة، ولكل منها قواعدها القانونية والإجرائية.
أما القول بوجوب النفقة بمجرد إبرام عقد الزواج، فينبغي ضبطه وفق المقتضيات القانونية النافذة وشروط الاستحقاق، وعدم تقديم أي صيغة مقترحة باعتبارها قاعدة عامة سارية قبل صدور التعديل.
ومن الحلول التي تستحق الدراسة تبسيط إجراءات التنفيذ، وتعزيز وسائل التحقق من الموارد المالية وفق القانون، وتوضيح كيفية احتساب المصاريف الضرورية للأطفال، مع ضمان حق الطرف المعني في المنازعة وفق المساطر القانونية.
فالنفقة ليست وسيلة للانتقام بين الزوجين، بل مسؤولية قانونية يجب أن تظل موجهة إلى حماية المستفيد وضمان حاجاته الأساسية.

من أبرز المقترحات التي حظيت باهتمام كبير الاعتراف بالعمل المنزلي غير المؤدى عنه باعتباره مساهمة في تنمية الثروة الأسرية. هل يمكن أن يصبح هذا العمل أساسًا لاستحقاق مالي عند الطلاق؟

* يطرح هذا الموضوع إشكالًا قانونيًا واجتماعيًا مهمًا، لأن المساهمة في الحياة الزوجية لا تقتصر دائمًا على الدخل المالي المباشر. فقد يتولى أحد الزوجين رعاية الأطفال وتدبير شؤون المنزل، بما يتيح للطرف الآخر التفرغ للعمل أو الاستثمار أو تنمية موارده.
غير أن الاعتراف بقيمة العمل المنزلي لا يعني أن كل طلاق يترتب عنه تلقائيًا اقتسام مناصفة لجميع الأموال التي يملكها الزوجان، كما لا يعني أن مجرد القيام بالأعمال المنزلية ينشئ، وفق القانون الحالي، حقًا ماليًا موحدًا ومضمونًا في كل حالة.
فالمادة 49 من مدونة الأسرة تنظم تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، وتتيح للزوجين الاتفاق على كيفية استثمارها وتوزيعها، مع مراعاة القواعد القانونية ذات الصلة. وفي غياب اتفاق، يرجع إلى القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد منهما وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة.
أما إدماج العمل المنزلي غير المؤدى عنه بصورة أوضح في آليات التقييم والتعويض، فيحتاج إلى نصوص دقيقة تحدد نطاق الاستحقاق، ومعايير تقدير المساهمة، ووسائل إثباتها، وعلاقتها بالأموال المشتركة والأموال الخاصة.
ومن شأن وضع معايير منضبطة أن يساعد على الاعتراف بالمجهود غير المالي، دون الإخلال بالأمن القانوني أو تحويل كل نزاع أسري إلى خلاف مفتوح حول قيمة سنوات الحياة المشتركة.

هل يكفي الاعتراف بالمجهود المنزلي نظريًا، أم أن نجاح هذا التوجه يتطلب وسائل إثبات واضحة حتى لا يبقى الحق رهينًا بتقدير متباين من محكمة إلى أخرى؟

* لا يكفي إقرار مبدأ عام إذا لم تصاحبه قواعد عملية قابلة للتطبيق. فالمنازعات المالية تحتاج إلى وسائل إثبات ومعايير تقدير تساعد المحكمة على الوصول إلى نتيجة منصفة ومعللة.
ويمكن أن يشمل التقييم، بحسب طبيعة النزاع والنصوص المعمول بها، مدة الزواج، وطبيعة المجهود المبذول، والمساهمة في إدارة النشاط الأسري أو المهني، والأموال التي تمت تنميتها، والوثائق المتاحة، وغيرها من العناصر ذات الصلة.
كما ينبغي أن يظل لكل طرف حق تقديم حججه ووسائل إثباته، وأن تكون للمحكمة سلطة تقدير الأدلة وفق القانون.
والأهم أن يصاغ أي مقتضى جديد بصورة تمنع التقدير الاعتباطي، وتوضح العلاقة بين العمل المنزلي والملكية والاشتراك في الأموال والتعويض، لأن هذه المفاهيم ليست مترادفة من الناحية القانونية.

ماذا عن الأموال التي يكتسبها الزوج أو الزوجة أثناء الزواج؟ هل يعني الإصلاح المرتقب أن جميع الممتلكات ستصبح مشتركة تلقائيًا؟

* لا ينبغي استخلاص هذا الاستنتاج من النقاش المتعلق بالعمل المنزلي أو بالمساهمة في تنمية الثروة الأسرية. فالمادة 49 لا تقرر، في صيغتها الحالية، اندماج الذمم المالية للزوجين بصورة تلقائية.
والأصل أن لكل زوج ذمته المالية المستقلة، مع إمكانية الاتفاق على تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج وتحديد كيفية استثمارها وتوزيعها في إطار القانون. وعند النزاع، تصبح طبيعة الملكية ومصدر الأموال والأدلة المقدمة عناصر أساسية في تحديد الحقوق.
لذلك، فإن أي تعديل محتمل ينبغي أن يوضح بدقة ما إذا كان يتعلق بإثبات المساهمة، أو التعويض عنها، أو تحديد حصة في أموال معينة، أو إقرار آلية أخرى. فلكل خيار آثار مختلفة على الملكية والإرث والدائنين والاستقرار التعاقدي.
ومن الضروري أن يكون الرأي العام على بينة من أن الاعتراف بالمساهمة لا يساوي بالضرورة الاقتسام التلقائي لجميع الممتلكات.

تعدد الزوجات من القضايا التي تثير نقاشًا اجتماعيًا وحقوقيًا واسعًا. كيف يمكن تقييم هذا الملف من منظور قانوني، خصوصًا فيما يتعلق بحماية الزوجة والأطفال؟

* تعدد الزوجات موضوع منظم في مدونة الأسرة الحالية بمقتضيات وشروط وإجراءات قضائية محددة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره حقًا مطلقًا أو إجراءً يتم دون رقابة قانونية.
وتقوم المعالجة القضائية على فحص الشروط التي يفرضها القانون، بما فيها المبرر الموضوعي الاستثنائي والموارد الكافية، وفق المقتضيات ذات الصلة، مع مراعاة حقوق الزوجة والأطفال.
ومن منظور الإصلاح، ينبغي أن تركز المناقشة على مدى فعالية الضمانات القائمة، وكيفية التحقق من القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية والأسرية، ومنع التحايل على الإجراءات القانونية، وحماية الأطفال من الآثار السلبية للنزاعات.
كما يجب أن يكون أي تغيير في هذا المجال واضحًا من حيث شروطه وآثاره ومساطره، حتى لا تتحول القواعد القانونية إلى مصدر إضافي للنزاع أو عدم الاستقرار.

يظل زواج القاصرات من الملفات التي تثير قلقًا مجتمعيًا. ما المدخل القانوني الأنجع للحد من هذه الظاهرة، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية؟

* تقتضي معالجة هذه المسألة الجمع بين الحماية القانونية والوقاية الاجتماعية. فالزواج المبكر قد تكون له آثار على التعليم والصحة والاستقلال الاقتصادي، كما قد يضع القاصر أمام مسؤوليات لا تتناسب مع مستوى نضجه أو ظروفه.
وتحدد مدونة الأسرة الحالية سن الزواج في 18 سنة شمسية كاملة، مع تنظيم استثناء الإذن القضائي بزواج من لم يبلغ هذا السن وفق شروط وإجراءات خاصة. ولذلك، ينبغي التمييز بين القاعدة العامة والاستثناء القانوني.
أما الإصلاح، فينبغي أن يهدف إلى الحد من اللجوء إلى الاستثناءات، وتعزيز رقابة القضاء، وتحسين تقييم المصلحة الفضلى للقاصر، مع توفير آليات اجتماعية تحمي الفتيات والفتيان من الهشاشة والانقطاع عن الدراسة والضغوط الأسرية.
ولا يمكن تحقيق نتائج مستدامة بمجرد التشديد القانوني؛ بل يحتاج الأمر إلى التوعية، ودعم الأسر الهشة، وضمان استمرار التمدرس، وتوفير خدمات الحماية والتوجيه.

الطلاق لا ينهي العلاقة بين الأبناء ووالديهم. ما الضمانات التي ينبغي تعزيزها حتى لا يتحول الأطفال إلى ضحايا للنزاع بين الأب والأم؟

* يجب الفصل بين الخلاف الزوجي وبين حقوق الأطفال. فانتهاء العلاقة بين الزوجين لا يلغي مسؤولية أي منهما تجاه أبنائه، ولا يبرر حرمان الطفل من الرعاية أو استعماله وسيلة للضغط أو الانتقام.
ومن الضروري أن تتسم الأحكام المتعلقة بالحضانة والزيارة والنفقة والسكن بالوضوح، وأن تكون قابلة للتنفيذ، مع مراعاة سن الطفل واحتياجاته وظروفه، ودون تعريضه للخطر.
كما ينبغي أن تتوفر آليات فعالة لمعالجة الإخلال بالالتزامات، سواء تعلق الأمر بعدم أداء النفقة أو عرقلة تنفيذ حكم الزيارة أو الإخلال بشروط الحضانة، مع احترام الضمانات القانونية وحق كل طرف في الدفاع عن نفسه.
وأرى أن التوعية بالوساطة الأسرية، متى كانت مناسبة وآمنة، يمكن أن تساعد على حل بعض الخلافات قبل تفاقمها. لكن الوساطة لا ينبغي أن تستخدم لفرض تنازلات غير مشروعة أو لإجبار أي طرف على قبول وضع يضر بسلامته أو بحقوق الطفل.

من الناحية العملية، كيف يمكن ضمان ألا تبقى الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقة والحضانة والسكن مجرد قرارات على الورق؟

* التنفيذ عنصر أساسي في تحقيق العدالة. فالحكم الذي لا ينفذ في الوقت المناسب قد يفقد جزءًا كبيرًا من أثره، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنفقة طفل أو سكنه أو استقراره الدراسي والصحي.
ويقتضي تحسين التنفيذ تبسيط المساطر في حدود القانون، وتوضيح الالتزامات المحكوم بها، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة، وتوفير معلومات دقيقة عن الموارد المالية عند الاقتضاء، مع احترام السرية والضمانات القانونية.
كما ينبغي دراسة أسباب التأخير أو التعثر في التنفيذ، والتمييز بين حالات الامتناع المتعمد والحالات التي تنتج عن صعوبات حقيقية في الأداء، حتى تكون التدابير المتخذة متناسبة وفعالة.
ولا يقل عن ذلك أهمية تمكين المتقاضين من فهم حقوقهم وإجراءات المطالبة بها، لأن تعقيد المساطر أو غموض الأحكام قد يؤدي إلى إطالة النزاعات وزيادة كلفتها الاجتماعية والمالية.

هل يمكن أن ينجح إصلاح مدونة الأسرة دون تكوين القضاة والمحامين والموظفين المكلفين بتطبيقها، وتوحيد فهم المقتضيات الجديدة؟

* من الصعب تحقيق إصلاح فعال دون مواكبة مؤسساتية ومهنية. فالنص القانوني، مهما بلغت دقته، يحتاج إلى فهم سليم وتطبيق منسجم مع مقاصده وحدوده.
ويقتضي ذلك تكوين القضاة والمحامين وموظفي كتابة الضبط والمهنيين المعنيين، وإعداد دلائل عملية وشروح قانونية دقيقة، وتبادل الخبرات بشأن الإشكالات التي تظهر عند التطبيق.
كما أن توحيد الاجتهاد القضائي في حدود اختصاص المؤسسات المعنية يسهم في تعزيز الأمن القانوني، ويقلل من تفاوت النتائج في الحالات المتشابهة، دون المساس باستقلال القضاء أو خصوصية كل ملف.
وينبغي أن ترافق الإصلاحَ حملةٌ للتعريف بمقتضياته بلغة واضحة، حتى لا تنتشر تأويلات غير دقيقة، أو يعتقد المواطن أن مجرد الإعلان عن مقترح يعني دخوله حيز التنفيذ.

ما أبرز الضمانات التي يجب أن يتضمنها أي نص نهائي حتى لا تتحول مراجعة المدونة إلى مصدر جديد للنزاعات الأسرية؟

* أرى أن هناك خمسة عناصر أساسية.
أولًا، وضوح المصطلحات القانونية وتحديد الحقوق والواجبات دون غموض.
ثانيًا، وضع معايير دقيقة للإثبات والتقدير القضائي، خاصة في القضايا المالية والحضانة والولاية.
ثالثًا، ضمان التوازن بين حقوق الأطراف، مع إعطاء الأولوية للمصلحة الفضلى للطفل حيثما كانت محل اعتبار قانوني.
رابعًا، توفير مساطر عملية للتنفيذ، لأن الاعتراف بالحقوق لا يحقق الغاية المرجوة إذا تعذر الوصول إليها.
خامسًا، التنصيص على قواعد انتقالية واضحة تحدد كيفية التعامل مع الملفات والاتفاقات والأحكام السابقة، بما يحفظ الأمن القانوني ويجنب الاضطراب في المراكز القانونية.
والإصلاح الناجح ليس الذي يكتفي بإعلان مبادئ عامة، بل الذي يقدم حلولًا قابلة للتطبيق، ويحترم المرجعيات القانونية للمملكة، ويستجيب للإشكالات الواقعية دون الإضرار بحقوق أي طرف.
التوجيهات الملكية والثوابت الشرعية في مراجعة مدونة الأسرة
وفي سياق مراجعة مدونة الأسرة، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بصفته أميرًا للمؤمنين: «بصفتي أميرًا للمؤمنين، لا يمكنني أن أحل ما حرم الله ولا أن أحرم ما أحل الله». ويحدد هذا التوجيه الإطار المرجعي للإصلاح، القائم على احترام الثوابت الشرعية ومراعاة مجالات الاجتهاد، بما يحقق التوازن بين حقوق المرأة والرجل ويحفظ المصلحة الفضلى للأطفال.

في كلمة أخيرة، ما الرسالة التي توجهينها إلى الأسر المغربية التي تتابع النقاش حول مراجعة مدونة الأسرة، وتنتظر معرفة ما الذي سيتغير فعليًا في حياتها؟

* أوجه رسالة إلى الأسر المغربية مفادها أن الوعي بالحقوق والواجبات، واحترام القانون، والحوار المسؤول، تظل عناصر أساسية لحماية الاستقرار الأسري.
كما أدعو إلى متابعة المستجدات من مصادرها الرسمية، وعدم بناء القرارات المصيرية على معلومات غير مؤكدة أو مقترحات لم تدخل حيز التنفيذ. فلكل وضعية أسرية خصوصيتها، وقد تختلف آثار القواعد القانونية بحسب الوقائع والوثائق والأحكام ذات الصلة.
إن إصلاح مدونة الأسرة ينبغي أن يكون مناسبة لتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة، وحماية الأطفال، وصيانة كرامة الزوجين، وتطوير آليات حل النزاعات. فالغاية ليست الانتصار لطرف على حساب آخر، وإنما بناء إطار قانوني واضح وعادل يضمن الحقوق، ويحدد المسؤوليات، ويسهم في استقرار الأسرة المغربية.

ختام الحوار

يكشف النقاش حول مراجعة مدونة الأسرة أن التحدي لا يقتصر على صياغة مقتضيات جديدة، بل يمتد إلى ضمان وضوحها، وتوازنها، وقابليتها للتطبيق، وفعاليتها في معالجة النزاعات التي تواجه الأسر المغربية. وبين حماية الحقوق المالية، وصيانة مصالح الأطفال، وتطوير آليات الحضانة والولاية والتنفيذ، تظل جودة النص التشريعي ونجاعة تطبيقه معيارين أساسيين لقياس نجاح الإصلاح.

ويؤكد هذا الحوار مع الأستاذة ابتسام إسماعيني، المحامية بهيئة الدار البيضاء، أهمية النقاش القانوني المسؤول الذي يميز بين النص النافذ والمقترح، ويضع مصلحة الأسرة والأمن القانوني في صلب الاهتمام.