من تدبير الشأن المحلي بإقليم الحوز إلى رئاسة الغرفة الأولى للبرلمان، ينتقل السيد أحمد التويزي إلى واحدة من أبرز المسؤوليات الدستورية بالمملكة، حاملاً تجربة سياسية وبرلمانية امتدت لعقود، في مرحلة تضع المؤسسة التشريعية أمام رهانات التشريع ومراقبة العمل الحكومي والاستجابة لانتظارات المواطنين.

انتُخب أحمد التويزي، القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، رئيساً جديداً لمجلس النواب المغربي، عقب حصوله على 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية، فيما بلغ عدد الأصوات الملغاة 90 صوتاً. وجرت عملية الانتخاب خلال جلسة عمومية احتضنها المجلس، وفقاً لمقتضيات الفصل 62 من الدستور والنظام الداخلي للمؤسسة التشريعية.

يخلف التويزي رشيد الطالبي العلمي على رأس الغرفة الأولى للبرلمان، في محطة سياسية تأتي عقب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر الماضي، وفي سياق استكمال هياكل الولاية التشريعية الثانية عشرة الممتدة من 2026 إلى 2031. ويعكس انتخابه اختيار الأغلبية البرلمانية لقيادي راكم تجربة طويلة في تدبير الشأن العام، سواء على المستوى المحلي والجهوي أو داخل المؤسستين التشريعيتين.

أحمد التويزي من مواليد مدينة مراكش، وبدأ مساره المهني في قطاع التربية والتعليم، قبل أن يتجه إلى العمل السياسي وتدبير الشأن المحلي. وقد ارتبط اسمه، على امتداد سنوات، بإقليم الحوز، الذي شكّل القاعدة الأساسية لحضوره الانتخابي والسياسي، انطلاقاً من مدينة آيت أورير، حيث تولى رئاسة مجلسها الجماعي خلال ولايات متعددة.

شكلت الجماعات الترابية إحدى المحطات البارزة في مسيرته، إذ تولى مسؤوليات تدبيرية متعاقبة، مكنته من الاحتكاك المباشر بقضايا التنمية المحلية وانتظارات السكان وتحديات تدبير المرافق والخدمات العمومية. كما وسّع تجربته نحو المستوى الجهوي، عندما انتُخب رئيساً لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2015، وهي مسؤولية أضافت إلى رصيده تجربة في تدبير الملفات التنموية على نطاق ترابي أوسع.

على المستوى السياسي، ارتبط التويزي بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يُعد من قياداته، وبرز ضمن صفوفه باعتباره أحد الوجوه التي جمعت بين العمل الانتخابي والتدبير المحلي والحضور البرلماني. وقد تعزز موقعه داخل الحزب مع توليه رئاسة فريقه النيابي بمجلس النواب ابتداءً من شتنبر 2021، وهي مهمة وضعته في قلب النقاشات التشريعية والسياسية، وفي صلب التفاعلات المرتبطة بعلاقة البرلمان بالحكومة والمعارضة.

مسيرته البرلمانية تكشف عن تجربة ممتدة عبر المؤسستين التشريعيتين؛ فقد شغل عضوية مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 1993-1997، ثم عاد إليه خلال الولاية 2021-2026، كما كان عضواً بمجلس المستشارين لولايات متعاقبة بين 1997 و2021. وتولى أيضاً مسؤوليات داخل المؤسسة البرلمانية، من بينها رئاسة لجنة تقصي الحقائق بشأن ترخيص الحكومة باستيراد النفايات، فضلاً عن مهام أخرى ارتبطت بالعمل المؤسساتي.

وبانتخابه رئيساً لمجلس النواب، ينتقل أحمد التويزي من موقع القيادة الحزبية داخل المؤسسة التشريعية إلى مسؤولية تسيير أعمال المجلس والإشراف على تنظيم جلساته وتمثيله في علاقاته الرسمية مع المؤسسات والهيئات الأخرى، وفق الاختصاصات التي يحددها الدستور والنظام الداخلي.

في أول تصريح له عقب انتخابه، عبّر التويزي عن اعتزازه بالثقة التي حظي بها، مشيراً إلى أن الولاية التشريعية الجديدة تضع المؤسسة البرلمانية أمام مسؤولية مواكبة طموح المغرب إلى تعزيز مكانته الاقتصادية، والمساهمة في تحويل الأوراش الكبرى إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.

تتقدم هذه المسؤولية مجموعة من الملفات التي ينتظر الرأي العام أن تحظى بمكانة مركزية في العمل البرلماني، وفي مقدمتها جودة التشريع، وفعالية مراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، وتعزيز النقاش المؤسساتي حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن الارتقاء بأداء المؤسسة التشريعية وتوطيد الثقة بينها وبين المواطنين.

كما تكتسي العلاقة بين الأغلبية والمعارضة أهمية خاصة في المرحلة المقبلة، باعتبارها أحد المحددات الأساسية لجودة النقاش البرلماني وقدرة المجلس على أداء وظائفه الدستورية. فالرئاسة الجديدة مطالبة بتدبير الاختلاف السياسي بما يضمن احترام قواعد العمل الديمقراطي، وصون حقوق مختلف الفرق والمجموعات النيابية، وتوفير الشروط الملائمة لنقاش جاد ومسؤول حول مشاريع القوانين والقضايا الوطنية.

إنتخاب أحمد التويزي لا يمثل مجرد انتقال في رئاسة مجلس النواب، بل يفتح مرحلة جديدة من المسؤولية المؤسساتية التي ستُقاس نتائجها بمدى قدرة البرلمان على الاضطلاع بأدواره الدستورية، والاستجابة لانتظارات المجتمع، والمساهمة في ترسيخ دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبين تجربة محلية انطلقت من آيت أورير، ومسار جهوي وبرلماني امتد لعقود، يجد الرئيس الجديد نفسه أمام تجربة في طبيعتها وحجمها؛ تجربة لا تحسمهاالأقدمية السياسية وحدها، بل تحددها جودة الأداء، واحترام استقلالية المؤسسة التشريعية، والقدرة على جعل البرلمان فضاءً فعلياً للتشريع والمساءلة والتعبير عن تطلعات المغاربة.