يقدّم الشاعر خالد فولان في قصيدته «وجلسنا» تجربة وجدانية مشحونة بالحزن والفقد، يستعيد من خلالها لحظة لقاء عاطفي قصير تحوّل إلى ذكرى مؤلمة، بعدما فرّق القدر بين قلبين جمعتهما مشاعر صادقة، ولم يمهلهما الوقت لمواصلة الحلم الذي بدأ على عتبة باب الدار.

تنطلق القصيدة من مشهد بسيط في تفاصيله، عميق في دلالاته، حين يجلس الحبيبان معاً بعيداً عن ضجيج العالم، ويتبادلان النظرات في لحظة تختصر الكثير من الكلام. غير أن سعادة اللقاء لا تلبث أن تصطدم بموعد الرحيل، لتتحوّل الدقائق القليلة إلى ذكرى معلّقة في الوجدان، ويصبح الوداع بداية لحكاية أخرى عنوانها الغياب.

ويعبّر خالد فولان عن قسوة الفراق من خلال إحساس داخلي يسبق النهاية، إذ يستحضر صوت القلب الذي يتنبأ بأن ذلك الوداع قد يكون الأخير. وهنا تتجاوز القصيدة حدود الحنين العاطفي لتلامس تجربة إنسانية أوسع، حيث يشعر الإنسان أحياناً بأن لحظات السعادة التي يعيشها تخفي وراءها تحوّلات لا يملك القدرة على تغيير مسارها.

وتبلغ القصيدة ذروتها حين ينتقل الشاعر من ألم الفراق إلى مأساة التضحية، مستحضراً واقعاً يضطر فيه المحب إلى التخلي عمّن يحب، لا بسبب غياب المشاعر، وإنما سعياً إلى إسعاد الطرف الآخر، حتى لو كان الثمن أن يعيش الحبيب مع شخص لا يحمل له القلب المشاعر ذاتها. إنها مفارقة موجعة تجعل الحب، الذي يفترض أن يكون مصدر السعادة، سبباً في الانكسار والصمت.

وتبرز الصورة الشعرية في تشبيه القلب بشمعة تضيء للآخرين، بينما تحترق من أجلهم؛ وهي صورة تختزل معنى التضحية الصامتة، حين يمنح الإنسان السعادة لمن حوله، ويحتفظ لنفسه بنصيبه من الألم. كما تكشف الأبيات الأخيرة عن نظرة حزينة إلى الحياة، باعتبارها ساحة لا ينتصر فيها الإنسان دائماً بإرادته، ولا يستطيع فيها الحب وحده أن يغيّر الأحكام التي تفرضها الظروف.

وتكمن قوة «وجلسنا» في لغتها المباشرة ونبرتها الاعترافية، إذ لا يعتمد الشاعر على الصور المعقدة بقدر ما يستند إلى صدق التجربة وحرارة الإحساس. فالمشهد اليومي البسيط يتحول إلى حكاية عن الفقد، والاختيار الصعب، والوحدة التي تلي رحيل من كان يمنح الحياة معناها.

ويختتم خالد فولان قصيدته بإحساس ثقيل بالوحدة، تاركاً قلبه أمام مصير لا يجد له تفسيراً ولا عزاءً. وبين بداية اللقاء ونهاية الكلام، يرسم الشاعر مسار حبٍّ لم تنقصه العاطفة، بقدر ما حاصرته الظروف، لتبقى «وجلسنا» شهادة شعرية على أن بعض الوداعات لا تنتهي عند لحظة الرحيل، بل تستمر في الذاكرة، وتترك في القلب أسئلة لا تجد جواباً.

خالد فولان.. شاعر يكتب وجع الحب بلغة القلب، ويحوّل مرارة الفراق إلى كلمات تلامس كل من عرف الحب، واختبر قسوة التضحية، أو اضطر إلى إخفاء حزنه خلف صمت طويل.

القصيدة

وجلسنا

وجلسنا
سويا على عتبة باب
دارنا
ونسينا انفسنا
وكاننا لوحدنا
وتحت دفىء اللقاء
تبادلنا النظرات
وبسرعة
مر الوقت سريعا
وحان موعد مغادرتها
وتمنيت لو طال اللقاء
وخوفا من أن ينكشف امرنا
وودعتها
من غير خاطر
وخطر في بالي
ان الوقت لا زال مبكرا
على انصرافها
ودعتها
وكانني لن اراها
مجددا
وكان قلبي اخبرني
وقال
ودعها
فلن تراها بعد اليوم
وكان القدر يخبىء
لنا ما كيدر علينا صفو
الحياة
فالحب صديق في اللقاء
وعدو حينما ينصرف
العشاق من دون لقاء
مجددا
وغاب نور حبيبتي
وبدأت الدنيا تدير لي
ظهرها
فكيف اثق فيها مجددا
وقد سلبتني من احبك
لا املك سوى الخنوع
وسابكي ويحترق قلبي
كشمعة تضيء من اجل الاخرين
ضحيت
لكي اسعد من احب
لكي تعيش مع من لا تحب
تلك هي الحياة
والحياة قاسية في حساباتها
فلن تقارعها
فلو جابهتها سوف تغلبك
كتب عليك يا قلبي
ان تبقى من دون ونيس
وانتهى الكلام.

شعر .... خالد فولان.