خطاب ملكي سامٍ يرسّخ استقلالية القرار الوطني، ويضع التنمية الترابية والعدالة المجالية والأمن الاقتصادي في صلب المشروع المغربي، ويدعو إلى تحويل الثقة في الوطن إلى مسؤولية وعمل وإنجاز

في خطاب ملكي يجمع بين قوة الموقف السيادي ووضوح الرؤية الاستراتيجية وعمق المسؤولية الوطنية، رسم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، خلال افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، ملامح مرحلة جديدة من مسار المغرب، عنوانها ترسيخ مكانة المملكة بين الأمم، وتعزيز استقلالية قرارها، وتطوير نموذجها التنموي، وجعل المواطن في صلب السياسات العمومية. خطاب حمل رسائل واضحة إلى الداخل والخارج، وأكد أن المغرب، بقيادة جلالته، ماضٍ بثقة في بناء قوته الاقتصادية والمؤسساتية، وتحصين مكتسباته، وتوسيع آفاق شراكاته على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق الضغط والتهديد والابتزاز.

وقد وجّه جلالة الملك خطابه السامي إلى أعضاء البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بالعاصمة الرباط، مرفوقاً بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، في مناسبة دستورية بارزة تؤشر على انطلاق ولاية تشريعية وحكومية جديدة، يُنتظر منها أن تشكل منعطفاً حقيقياً في مواصلة مسيرة التنمية الوطنية، والارتقاء بمكانة المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وشريكاً موثوقاً في محيطه الإقليمي والدولي.

السيادة الوطنية.. ثوابت لا تقبل المساومة

من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب الملكي التأكيد الحازم على أن الشراكات الدولية، مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية، لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للمساس بحرية القرار الوطني أو فرض مواقف على المملكة خارج إطار الاحترام المتبادل.

وفي هذا السياق، أكد جلالة الملك أن المغرب تمكن من ترسيخ مكانته الدولية باعتباره شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه الالتزام بالمبدأ نفسه. وهي رؤية تعكس حرص المملكة على بناء علاقات متوازنة، قوامها الثقة والوضوح والوفاء بالتعهدات، بعيداً عن المعايير المزدوجة أو محاولات توظيف الملفات المشتركة لخدمة حسابات ظرفية.

وجاء الموقف الملكي واضحاً وحاسماً حين شدد جلالته على أن «الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبداً محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز».

وتتجاوز دلالات هذا التأكيد حدود العبارة السياسية المباشرة، لتعبّر عن فلسفة مغربية في تدبير العلاقات الدولية، تقوم على أن الشراكة الحقيقية لا تُبنى بالإملاءات، ولا تستقيم بالتهديد، وإنما تستند إلى الإرادة الحرة للدول، واحترام مصالحها العليا، والالتزام المتبادل بقواعد التعاون المسؤول.

وهو موقف ينسجم مع ما راكمته الدبلوماسية المغربية من حضور فاعل، وما تبذله المملكة من جهود لتعزيز التعاون مع شركائها، مع التشبث بحقها الكامل في تحديد اختياراتها وتدبير أولوياتها الوطنية وفق مصالحها الاستراتيجية.

ملف الهجرة.. مراجعة نموذج التعاون بما يخدم المسؤولية المشتركة

خصص جلالة الملك جانباً مهماً من خطابه لملف الهجرة، باعتباره أحد الملفات التي تتطلب تعاوناً دولياً متوازناً، وآليات عملية تستجيب للتحولات التي تعرفها المنطقة، وتحمي المصالح المشروعة للدول المعنية.

وأوضح جلالته أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، غير أن الأزمات المتكررة تكشف، بحسب ما أكد، أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزاً، ويحتاج إلى مراجعة عميقة تستحضر طبيعة التحديات القائمة.

واستحضر الخطاب، في هذا الإطار، تطور الشراكة المغربية الإسبانية في مجالات متعددة، من بينها محاربة الهجرة غير الشرعية، مشيراً إلى أن هذا التعاون يواجه تحديات مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة والقرارات القضائية التي اعتبر جلالته أنها بعيدة عن الواقع، ولا سيما ما يتعلق بترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، بما قد يتيح، وفق التقييم الوارد في الخطاب، مجالاً أوسع لاستغلال الثغرات من طرف الشبكات الإجرامية.

ومن خلال هذا الطرح، تتجلى دعوة ملكية إلى الانتقال من تدبير الأزمات المتكررة إلى بناء نموذج أكثر فعالية واستدامة، يقوم على وضوح المسؤوليات، وتطوير التنسيق، ومعالجة الاختلالات التي تحد من نجاعة التعاون بين الدول.

كما يعكس الموقف الملكي حرص المملكة على ألا تتحمل وحدها أعباء ملف عابر للحدود، بل أن تتم معالجته في إطار مسؤولية مشتركة، تراعي المصالح الأمنية والإنسانية والقانونية للدول المعنية، وتقطع الطريق أمام استغلال معاناة المهاجرين من قبل الشبكات الإجرامية.

وفي هذا السياق، أعلن جلالة الملك أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

إنها دعوة إلى تجديد أدوات الشراكة وتحديث مضمونها، بما يجعل التعاون الدولي أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات، وأكثر ارتباطاً بالنتائج الملموسة، مع صون السيادة الوطنية واحترام الالتزامات المتبادلة.

مغرب الغد.. قوة اقتصادية صاعدة برؤية ملكية متكاملة

لم يقتصر الخطاب الملكي على تأكيد ثوابت السياسة الخارجية، بل وضع معالم طموح اقتصادي وتنموي يتجاوز منطق تدبير الحاضر إلى الاستعداد لمتطلبات المستقبل.

وفي هذا الصدد، أكد جلالة الملك أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة ينبغي أن تشكل منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

وتحمل هذه الرؤية تأكيداً على أن قوة الاقتصاد الوطني لا تُقاس بحجم المشاريع والاستثمارات وحدها، وإنما أيضاً بمدى انعكاس نتائجها على حياة المواطنين، وقدرتها على تقليص الفوارق، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، وضمان استفادة مختلف المناطق والفئات من ثمار التنمية.

واستحضر جلالة الملك ما يعتز به المغاربة من تاريخ عريق وهوية وطنية غنية، مشيراً إلى أن المملكة أمة من أعرق الأمم في العالم، تزدهر تحت راية ملكية عريقة، ومن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبحضارتهم المتميزة وتعدد روافدها ومكوناتها.
كما أكد جلالته الاعتزاز بالمكاسب السياسية والدبلوماسية، وبالإنجازات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي غيرت وجه المغرب.

غير أن هذا الاعتزاز، وفق التصور الملكي، لا ينبغي أن يتحول إلى اكتفاء بما تحقق أو إلى مجرد تباهٍ بالمكتسبات، بل يجب أن يكون دافعاً لمزيد من الاجتهاد والعمل وتحمل المسؤولية. فالانتماء إلى الوطن، كما أوضح جلالة الملك، يحوّل الاعتزاز إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني.
وهذه رسالة بالغة الدلالة، لأنها تربط بين الوعي بتاريخ المملكة والوفاء لمكتسباتها من جهة، والاستعداد لمواصلة الإصلاح ومواجهة التحديات من جهة أخرى.

من البنيات التحتية إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى

أبرز الخطاب الملكي أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة تسريع المشاريع المبرمجة في مجال البنيات التحتية، بالتوازي مع إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى القادرة على تأمين مقومات القوة الاقتصادية وتعزيز الاستقلالية الوطنية.

وفي مقدمة هذه الأولويات، وضع جلالة الملك الأمن المائي والطاقي والغذائي، إلى جانب الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجالات استراتيجية يتوقف عليها جزء مهم من قدرة المملكة على مواجهة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

وتعكس هذه الأولويات وعياً بأهمية الانتقال إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وابتكاراً، وأقدر على الاستجابة للتحديات المرتبطة بالموارد الطبيعية، وسلاسل التوريد، والتحولات الصناعية، والتطور المتسارع للتكنولوجيا.

فالأمن المائي، في ظل الضغط المتزايد على الموارد، يقتضي تطوير الحلول المستدامة وتحسين تدبير المياه وتعزيز القدرة على مواجهة فترات الإجهاد المائي. أما الأمن الطاقي، فيرتبط بتنويع مصادر الطاقة وتقوية القدرات الوطنية، فيما يظل الأمن الغذائي عنصراً أساسياً في حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني أمام الاضطرابات الخارجية.

وفي موازاة ذلك، يفتح الإقلاع الصناعي آفاقاً لتوسيع الإنتاج الوطني ورفع القيمة المضافة، بينما يوفر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي إمكانات جديدة لتطوير الخدمات وتحسين الإنتاجية واستحداث فرص مهنية واستثمارية.

وجدد جلالة الملك، في هذا السياق، الدعوة إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، بما يعزز قدرة البلاد على مواجهة الأزمات المحتملة ويحد من انعكاساتها على الاقتصاد والمجتمع.
وتكشف هذه التوجهات عن رؤية تجعل الاستعداد للمستقبل جزءاً من التخطيط الوطني، وتربط التنمية المستدامة بتقوية القدرات الذاتية، وتنويع مصادر القوة، وتحسين جاهزية المملكة لمواجهة التحولات الدولية.

القطاع الخاص.. من المبادرة الاقتصادية إلى الشراكة الاستراتيجية

وجّه جلالة الملك دعوة واضحة إلى القطاع الخاص الوطني للارتقاء إلى مستوى فاعل استراتيجي في التحول التنموي الذي تعرفه المملكة، مع التشديد على ضرورة أن يكون أكثر مبادرة وابتكاراً، وأكثر قدرة على الاستثمار والتصدير وخلق فرص الشغل.
وتضع هذه الدعوة مسؤولية التنمية أمام مختلف مكونات الاقتصاد الوطني، فلا يمكن أن يظل القطاع الخاص مجرد مستفيد من الفرص التي تتيحها السياسات العمومية، بل يتعين أن يكون شريكاً أساسياً في صناعة القيمة الاقتصادية، وتحريك الاستثمار المنتج، وتطوير النسيج المقاولاتي، وخلق مناصب شغل مستدامة.

كما أن تعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي يتطلب توسيع قاعدة الإنتاج، وتشجيع الابتكار، ورفع قدرات المقاولات على النفاذ إلى الأسواق، وتطوير الاستثمار في المجالات ذات القيمة المضافة العالية.

ومن هذا المنطلق، يصبح التكامل بين الدولة والقطاع الخاص ضرورة استراتيجية، تقوم على وضوح الرؤية، وتحسين مناخ الأعمال، وتعبئة الموارد، وربط المبادرة الاقتصادية بأهداف التنمية الوطنية.

فالرهان لا يتعلق فقط بجذب الاستثمارات، بل أيضاً بتحويلها إلى مشاريع منتجة، وفرص عمل حقيقية، ومداخيل إضافية، وقدرات تصديرية تدعم حضور المغرب في الأسواق الإقليمية والدولية.

الشباب في صدارة الأولويات.. الثقة طريق الكرامة والإدماج

احتل الشباب مكانة بارزة في الخطاب الملكي، من خلال دعوة صريحة إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، عبر تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وتعكس هذه الدعوة إدراكاً لأهمية الشباب في بناء مستقبل المملكة، باعتبارهم قوة بشرية منتجة، ورافعة للابتكار والتجديد، وعنصراً أساسياً في مواصلة مسيرة التنمية.

غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة يقتضي توفير شروط النجاح، وفي مقدمتها تعليم جيد، وتكوين يتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، وفرص مهنية منصفة،
ومسارات واضحة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

وقد أكد جلالة الملك أن المطلوب هو تعزيز ثقة الشباب في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وتحمل هذه الرسالة أبعاداً تتجاوز التدابير القطاعية، لأنها تجعل الثقة بين الشباب والمؤسسات إحدى ركائز التنمية. فالشاب الذي يجد فرصته في التعلم والتكوين والعمل والمشاركة في الحياة العامة، يصبح أكثر قدرة على الإسهام في الاقتصاد الوطني، وأكثر ارتباطاً بمستقبل بلاده.

ومن هنا، فإن جعل الشباب في صدارة الأولويات يقتضي تنسيقاً بين مختلف السياسات العمومية، حتى لا تبقى المبادرات متفرقة، بل تتحول إلى مسار متكامل يربط التأهيل بالفرص، والتعليم بالإنتاج، والطموح الفردي بإمكانات الارتقاء الاجتماعي.

التنمية الترابية.. حين يصبح العمل الميداني معياراً لنجاعة السياسات العمومية

شكّل العمل الميداني أحد أبرز محاور الخطاب الملكي، إذ أكد جلالة الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في الوقوف على المستوى الترابي على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

ويضع هذا التوجه التنمية المحلية أمام معيار واضح: مدى قدرة السياسات والبرامج على الاستجابة للحاجات الفعلية للمواطنين، بعيداً عن الاكتفاء بالتخطيط النظري أو القرارات التي لا تنعكس نتائجها بالسرعة والفعالية المطلوبتين على أرض الواقع.

وأكد جلالة الملك أن النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.
وفي المقابل، نبّه جلالته إلى أن التأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تنعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من القدرة على التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

وشدد جلالة الملك على أنه لم يعد مقبولاً استمرار التأخير أو التماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه ذلك من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة، لأن نقل الاختصاصات لا يحقق أهدافه ما لم يقترن بنقل الإمكانات اللازمة لممارستها، وبإرساء آليات واضحة للمحاسبة والتنسيق وتقييم النتائج.
فلا يمكن مطالبة المسؤول الترابي بتسريع المشاريع وتحسين الخدمات، دون تمكينه من الصلاحيات والموارد الضرورية، كما لا يمكن تحقيق تنمية متوازنة في مختلف المناطق إذا ظلت القرارات الأساسية رهينة مساطر طويلة أو تداخل غير واضح بين الاختصاصات.

الجهوية المتقدمة.. مؤسسات أقرب إلى المواطن وقرارات أكثر فعالية

في امتداد هذا التصور، أكد جلالة الملك ضرورة وضع حد للعراقيل التي لا تزال تعيق عمل مؤسسات الجهة، ولا سيما من خلال تحديد أكثر وضوحاً للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية.

كما شدد على أهمية تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، بما يمكّن الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وتبرز هذه التوجيهات أن الجهوية المتقدمة ليست مجرد تقسيم إداري أو إطار مؤسساتي، بل هي رافعة للحكامة الترابية، وأداة لتقريب القرار من المواطن، وتحقيق توزيع أكثر توازناً للفرص والاستثمارات والخدمات.

فكل جهة لها مؤهلاتها الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، ولها أيضاً حاجاتها وإكراهاتها الخاصة، الأمر الذي يستدعي تمكين المؤسسات الترابية من أداء دورها في إعداد البرامج التنموية وتنفيذها، وفق رؤية تستجيب لخصوصيات كل مجال.

كما أن وضوح العلاقة بين الدولة والجهات من شأنه الحد من تداخل المسؤوليات، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يجعل التدبير الترابي أكثر انسجاماً مع الأهداف الوطنية للتنمية.

ومن هذا المنظور، فإن التوجيه الملكي نحو التنسيق والتعاقد وتحديد الاختصاصات يضع أسس مرحلة يُفترض أن تكون فيها النتائج الميدانية أكثر حضوراً في تقييم أداء المؤسسات، وأن تصبح حاجات المواطن نقطة الانطلاق في صياغة الأولويات المحلية.

مسؤولية البرلمان.. الثقة الانتخابية تعاقد أخلاقي أمام الوطن والتاريخ

لم يغفل الخطاب الملكي مسؤولية المؤسسة التشريعية في مواكبة المرحلة الجديدة، إذ ذكّر جلالة الملك أعضاء البرلمان بأن الانتداب البرلماني ليس مجرد صفة تمثيلية أو امتياز سياسي، وإنما هو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط المنتخبين بالمواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم.
ودعا جلالته البرلمانيين إلى أن يكونوا في مستوى المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم، أمام الله وأمام المواطنين وأمام التاريخ.

وتحمل هذه الدعوة تأكيداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب عملاً تشريعياً ورقابياً أكثر فعالية، ومساهمة جادة في تقييم السياسات العمومية، ومواكبة الإصلاحات والمشاريع التنموية، بما يضمن انسجام العمل المؤسساتي مع انتظارات المجتمع.
فالمواطن ينتظر من ممثليه أن يجعلوا قضاياه اليومية في صلب النقاش البرلماني، وأن يسهموا في تطوير التشريعات، وتتبع تنفيذ البرامج، والدفاع عن المصلحة العامة، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي قد تعطل الأولويات الوطنية.

كما أن الثقة التي تمنحها الانتخابات تظل مسؤولية متجددة، تقتضي الحضور الفعلي، والإنصات إلى المواطنين، وتقديم المبادرات والحلول، وربط العمل السياسي بنتائجه الملموسة.

ومن هنا، فإن الرسالة الملكية إلى أعضاء البرلمان تتجاوز التذكير بالواجب الدستوري، لتؤكد البعد الأخلاقي للممارسة السياسية، وضرورة استحضار أثر القرارات والمواقف في حاضر الوطن ومستقبله.

اعتزاز بالوطن يتحول إلى واجب ومسؤولية

استحضر جلالة الملك في خطابه ما يميز الهوية المغربية من عمق تاريخي وتعدد حضاري، وما حققته المملكة من مكاسب سياسية ودبلوماسية وإنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية.

غير أن القيمة الأبرز في هذا الاستحضار تتمثل في الربط بين الاعتزاز بالانتماء الوطني والاستعداد لتحمل المسؤولية. فالاعتزاز بالمغرب ليس مناسبة للاكتفاء بما تحقق، بل حافز لمواصلة الإصلاح، وتعزيز الثقة في المؤسسات، والارتقاء بالأداء العام، وصيانة المكتسبات وتطويرها.

وهي رؤية تضع الوطنية في معناها العملي، باعتبارها التزاماً يومياً بخدمة الصالح العام، واحترام المؤسسات، وإتقان العمل، والمساهمة في بناء اقتصاد منتج ومجتمع متماسك.
كما أن استحضار الهوية الدينية والحضارية للمملكة يعكس مكانة الثوابت الوطنية في الحفاظ على تماسك المجتمع، وصون خصوصيته التاريخية، وتعزيز انفتاحه المسؤول على محيطه الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، تتكامل الهوية مع التنمية، والسيادة مع الانفتاح، والاعتزاز بالماضي مع الطموح إلى المستقبل، ضمن رؤية تجعل قوة المغرب مستندة إلى تاريخه ومؤسساته وكفاءاته وقدرته على التجدد.

خطاب يجمع بين السيادة والتنمية والمحاسبة

تكمن أهمية الخطاب الملكي في جمعه بين ملفات قد تبدو مختلفة في ظاهرها، لكنها تتكامل في جوهرها ضمن تصور واحد لمستقبل المملكة.

فالتأكيد على استقلالية القرار الوطني يوازيه العمل على تقوية الاقتصاد، وتحديث البنيات التحتية، وتأمين الموارد الاستراتيجية. والدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة ترتبط بالحرص على شراكات أكثر توازناً وفعالية. كما تتكامل الأولويات الاقتصادية مع إصلاح التدبير الترابي، وتطوير الجهوية المتقدمة، وتمكين الشباب، وتعزيز مسؤولية المؤسسات المنتخبة.

ويضع هذا الترابط أمام الحكومة والبرلمان والإدارات الترابية والقطاع الخاص مسؤولية تحويل التوجيهات إلى برامج محددة، وأهداف قابلة للتقييم، ومشاريع تستجيب للاحتياجات الحقيقية للمواطنين.

فالرؤية الاستراتيجية لا تكتمل إلا بالتنفيذ، والإصلاح لا يحقق غايته إلا حين تظهر نتائجه في جودة الخدمات، وخلق فرص الشغل، وتحسين ظروف العيش، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود والمنافسة.

ومن ثم، فإن نجاح الولاية التشريعية والحكومية الجديدة سيظل مرتبطاً بمدى القدرة على تحقيق الانسجام بين التخطيط والإنجاز، وبين المركز والمجالات الترابية، وبين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الطموحات الوطنية والإمكانات الواقعية لتنزيلها.

المغرب بقيادة جلالة الملك.. ثقة في المستقبل ومسؤولية في الحاضر

إن الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، إلى أعضاء البرلمان، يؤكد أن المغرب يدخل مرحلة تتطلب وضوحاً في الاختيارات، وسرعة في الإنجاز، ونجاعة في التدبير، واستحضاراً دائماً لمصلحة المواطن.

وهو خطاب يعزز صورة المملكة باعتبارها دولة تتمسك بسيادتها، وتؤمن بالشراكات القائمة على الاحترام المتبادل، وتسعى إلى ترسيخ موقعها الاقتصادي والاستراتيجي، من خلال الاستثمار في الإنسان، وتطوير المؤسسات، وتأمين الموارد الأساسية، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحقيق تنمية أكثر توازناً بين الجهات.

كما يوجّه رسالة واضحة إلى مختلف الفاعلين بأن المرحلة المقبلة لا تحتمل الاكتفاء بالشعارات أو تأجيل الإصلاحات، بل تستدعي تعبئة جماعية تجعل من المسؤولية والالتزام والعمل الميداني أساساً لكل تقدم.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من قوة الرؤية إلى قوة التنفيذ، ومن وضوح التوجيهات إلى ملموسية النتائج، حتى ينعكس طموح المغرب في التنمية والتقدم على حياة المواطنين، ويترسخ موقع المملكة بين الدول الصاعدة والموثوقة.

البرلمان..مسؤولية أمام الله قبل المواطنين

الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، إلى أعضاء البرلمان، يؤكد أن المغرب يدخل مرحلة تتطلب وضوحاً في الاختيارات، وسرعة في الإنجاز، ونجاعة في التدبير، واستحضاراً دائماً لمصلحة المواطن.

إنه خطاب يحمل اعتزازاً بما تحقق، وثقة في قدرة المغرب على مواصلة مساره، وإصراراً على أن تبقى السيادة الوطنية فوق كل ضغط، وأن تكون التنمية حقاً لجميع المواطنين، وأن تتحول المسؤولية المؤسساتية إلى خدمة فعلية للوطن.

وبقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره، يظل الرهان على مغرب قوي بمؤسساته، متماسك بثوابته، متجدد بطموحاته، ومنفتح بشراكاته، وقادر على تحويل تحديات المرحلة إلى فرص للتقدم والازدهار.

حفظ الله جلالة الملك محمد السادس، وأدام عليه موفور الصحة والعافية، ووفقه لما فيه خير المملكة المغربية وشعبها الوفي، وأقر عين جلالته بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.