خطوة نوعية تعزز مسار تحديث القوات الجوية الملكية المغربية، وتترجم طموح المملكة إلى امتلاك قدرات دفاعية أكثر تطوراً، تجمع بين التفوق التكنولوجي والجاهزية العملياتية والاستثمار في الخبرات الصناعية الوطنية. فقد أعلنت شركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية نجاح الرحلة الجوية الأولى لأول مقاتلة من طراز F-16 Block 72 مخصصة للمغرب، في محطة بارزة تضع برنامج اقتناء هذا الجيل المتقدم من المقاتلات أمام مرحلة جديدة من الاختبارات تمهيداً للتسليم.

يمثل التحليق الأول للمقاتلة المغربية الجديدة أكثر من مجرد اختبار تقني لطائرة حربية حديثة؛ فهو تطور ملموس في مسار تحديث القوة الجوية للمملكة، وخطوة إضافية نحو تعزيز قدراتها على حماية أجوائها وصون سيادتها، في إطار رؤية دفاعية تستند إلى تحديث المعدات، وتطوير الكفاءات، وتوسيع الشراكات الاستراتيجية في المجالات العسكرية والتكنولوجية.

ففي السادس من أكتوبر 2026، أعلنت «لوكهيد مارتن» نجاح أول رحلة جوية للمقاتلة المخصصة للقوات الجوية الملكية المغربية، انطلاقاً من منشآت الشركة في مدينة غرينفيل بولاية كارولاينا الجنوبية الأمريكية. ويأتي هذا الإنجاز ضمن برنامج الاختبارات الذي يسبق تسليم الطائرة، بما يجعل الرحلة الأولى محطة أساسية في انتقال المشروع من مرحلة التصنيع إلى مراحل التحقق من الأداء والاستعداد للتسليم.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تتعلق بطراز F-16 Block 72، الذي ينتمي إلى أحدث نسخ عائلة «فايتينغ فالكون» (Fighting Falcon)، وهي مقاتلات متعددة المهام راكمت حضوراً واسعاً في القوات الجوية لعدد من الدول. وتستند النسخة الجديدة إلى تحديثات متقدمة في إلكترونيات الطيران، ومعالجة المعلومات، والاستشعار، وإدارة المهام، بما يعزز قدرة الطيار على التعامل مع المعطيات العملياتية واتخاذ القرار في بيئات جوية معقدة.

ولا يعني نجاح الرحلة الأولى أن المقاتلة أصبحت جاهزة للتسليم الفوري؛ إذ تظل الاختبارات الجوية والإجراءات التقنية اللاحقة جزءاً أساسياً من المسار الذي ينبغي استكماله قبل دخول الطائرة الخدمة الفعلية. غير أن هذا التطور يؤكد إحراز تقدم عملي في تنفيذ البرنامج المغربي، ويمنح مسار التحديث الجوي للمملكة دفعة جديدة.

وتبرز القيمة التقنية لهذه المقاتلة في منظومة الرادار من طراز AN/APG-83 AESA، التي تعتمد تقنية المسح الإلكتروني النشط، وتوفر قدرات متقدمة في رصد الأهداف وتتبعها وتكوين صورة أكثر دقة عن المجال الجوي. كما يتيح نظام الربط التكتيكي Link 16 تبادل المعلومات بين المنصات المتوافقة، بما يدعم التنسيق العملياتي ورفع مستوى الوعي بالموقف الميداني.

وتشمل تجهيزات البرنامج، وفق الإخطار الأمريكي الصادر سنة 2019 بشأن صفقة البيع العسكرية المحتملة، حواسيب متخصصة لإدارة المهام، وأنظمة ملاحة واتصالات، وتجهيزات للاستهداف والتدريب، فضلاً عن أسلحة جوية موجهة. وتكتسب هذه المنظومة المتكاملة أهميتها من قدرتها على الجمع بين الاستشعار ومعالجة البيانات وتنسيق العمليات، وهي عناصر أصبحت أساسية في بناء قوة جوية حديثة.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت، في مارس 2019، موافقتها على صفقة عسكرية محتملة طلب المغرب بموجبها اقتناء 25 مقاتلة من طرازي F-16C/D Block 72، بقيمة تقديرية بلغت 3.787 مليارات دولار، تشمل الطائرات ومحركاتها وأنظمة الرادار والتجهيزات والأسلحة والتدريب والدعم اللوجستي. ومن المهم التمييز بين هذه القيمة التقديرية للصفقة المحتملة وبين التكلفة النهائية التي قد تتأثر بتفاصيل التنفيذ والتعاقد.

ويكتسي البرنامج أهمية إضافية بالنظر إلى أن المغرب يشغّل بالفعل مقاتلات F-16 من النسخ السابقة، بعدما تسلّم الدفعة الأولى من الطائرات التي اقتناها في إطار برنامج بدأ سنة 2009. وبذلك، فإن إدخال مقاتلات Block 72 الجديدة، بالتوازي مع تحديث الأسطول الموجود، يندرج ضمن توجه يرمي إلى تعزيز التجانس التقني بين الطائرات، وتطوير قدرات الصيانة والتدريب، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الأطقم الجوية والتقنية المغربية.

ولا تنحصر دلالات هذا التطور في اقتناء طائرات أكثر حداثة، بل تمتد إلى طبيعة الرؤية التي تحكم تحديث القوات الجوية الملكية المغربية. فالقوة الجوية الفاعلة لا تُقاس بعدد المقاتلات وحده، وإنما بمدى تكاملها مع الرادارات وأنظمة القيادة والاتصالات والتسليح، وبكفاءة الطيارين والمهندسين، والقدرة على المحافظة على الجاهزية العملياتية عبر الصيانة المنتظمة والتدريب المتخصص.

ومن هذا المنطلق، يمثل تحديث مقاتلات F-16 جزءاً من مسار أوسع لتطوير القدرات الدفاعية للمملكة، يقوم على رفع مستوى الاستعداد، وتحسين القدرة على الاستجابة لمختلف التحديات، وتعزيز حماية المجال الجوي الوطني. وهي أهداف ترتبط بمفهوم الردع الدفاعي، الذي يستند إلى امتلاك قدرات موثوقة وجاهزة، بما يدعم أمن المملكة واستقرارها ويحفظ مصالحها الاستراتيجية.

وفي تصريح يعكس أهمية هذه المرحلة، أكد مايك شوماكر، نائب الرئيس والمدير العام لمجموعة المقاتلات المتكاملة في «لوكهيد مارتن»، أن الرحلة الأولى تجسد تقدماً ملموساً في برنامج F-16 Block 72 المغربي، وتشكل خطوة مهمة لتعزيز القدرات الجوية المستقبلية للمملكة. كما عبّر عن اعتزاز الشركة بمواصلة دعم المغرب، مشيراً إلى الدور الذي تؤديه هذه المقاتلات في منظومات الدفاع الجوي والمساهمة في الاستقرار الإقليمي.

ويستند التعاون المغربي الأمريكي في مجال الطيران العسكري إلى شراكة تمتد لأكثر من خمسة عقود، بدأت بتسليم المغرب طائرات النقل العسكري C-130H Hercules سنة 1974، قبل أن تتوسع لتشمل مقاتلات F-16 وأنظمة رادارية ومروحيات Black Hawk، إلى جانب مشاريع صناعية وتقنية تهدف إلى تطوير قدرات الدعم والصيانة. كما يرتقب أن يستفيد المغرب من منظومات HIMARS، التي تتيح تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى، في إطار برامج التعاون الدفاعي المعلنة.

وفي موازاة تحديث المعدات العسكرية، يتجه الاهتمام نحو بناء قاعدة صناعية وطنية أكثر قدرة على مواكبة هذه المنظومات المتقدمة. ويبرز في هذا السياق مشروع مركز الصيانة والإصلاح والعمرة الجوية MRO بمدينة بنسليمان، الذي يجري تطويره بشراكة تجمع «Maintenance Aéro Maroc» و«Sabena Engineering» و«MEDZ»، بدعم من التعاون الصناعي مع «لوكهيد مارتن».

ويضم المشروع منشأة تمتد على أكثر من 8 آلاف متر مربع، صُممت في مرحلتها الأولى لتوفير خدمات الصيانة الثقيلة والتحديث لطائرات C-130 Hercules، مع إمكانية توسيع نطاق خدماتها مستقبلاً ليشمل منصات جوية أخرى، من بينها مقاتلات F-16. ويمنح هذا التوجه للمغرب فرصة لتعزيز الخبرات المحلية، وتطوير الكفاءات التقنية المتخصصة، وتقليص الاعتماد على إرسال بعض المعدات إلى الخارج لإجراء أعمال الصيانة الثقيلة، بحسب طبيعة الأشغال والتجهيزات المطلوبة.

وتتجاوز أهمية هذا المشروع حدود توفير منشأة للصيانة؛ إذ يفتح المجال أمام نقل المعرفة التقنية، وتكوين موارد بشرية مؤهلة، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة، وتطوير منظومة صناعية مرتبطة بالطيران العسكري والمدني. كما يعزز طموح المملكة إلى ترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً لخدمات الصيانة والإصلاح والعمرة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشراكاتها الدولية وتطور بنيتها الصناعية.

وبين تحليق أول مقاتلة F-16 Block 72 مغربية، ومشاريع تطوير الصيانة الجوية ببنسليمان، تتضح ملامح مسار يجمع بين تحديث القدرات الدفاعية وبناء الخبرة التقنية الوطنية. فالمقاتلة الجديدة تمثل جانباً من المعادلة، فيما يشكل التدريب والصيانة وتكامل الأنظمة والقدرات البشرية جوانب لا تقل أهمية في ضمان الاستفادة الفعلية من التكنولوجيا المتقدمة.

إن نجاح الرحلة الجوية الأولى يضع البرنامج المغربي أمام محطة جديدة، لكنه لا يمثل نهاية الطريق؛ إذ يبقى استكمال الاختبارات وإجراءات التسليم والتأهيل ضرورياً قبل دخول الطائرات الخدمة. ومع ذلك، فإن هذا الإنجاز يمنح مسار تحديث القوات الجوية الملكية زخماً إضافياً، ويؤكد أن تطوير القوة الدفاعية لا يقوم على اقتناء المعدات وحدها، بل على بناء منظومة متكاملة قادرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها.

المغرب، وهو يواصل تحديث قدراته الجوية، يرسخ خياراً استراتيجياً قوامه حماية السيادة الوطنية، وتعزيز الجاهزية الدفاعية، والاستثمار في التكنولوجيا والكفاءات. ومن السماء إلى ورشات الصيانة والصناعة، تتقدم المملكة بخطوات محسوبة نحو قوة جوية أكثر تطوراً واستقلالية، في إطار رؤية تجعل أمن الوطن واستقراره أولوية ثابتة، وتجعل من المعرفة والخبرة والتحديث دعائم أساسية لصون مصالحه الاستراتيجية.