يرسم المغرب ملامح مرحلة جديدة في مسار بناء قوته الدفاعية، واضعاً التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي في صلب رؤيته الاستراتيجية لتطوير منظومة عسكرية وطنية أكثر استقلالية وقدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة الصراعات الحديثة. ومن قلب معرض مراكش الدولي للطيران، يبرز مشروع الطائرة المسيّرة «إيريفي» (IRIFI) بوصفه مؤشراً على طموح المملكة إلى الانتقال من اقتناء التكنولوجيا الدفاعية إلى المساهمة في تطويرها وتصنيع مكوناتها، بكفاءات مغربية وشراكات تستهدف ترسيخ السيادة الصناعية والتكنولوجية.

ويحمل الإعلان عن الشروع في تطوير هذه الطائرة المسيّرة دلالات تتجاوز حدود الكشف عن منظومة عسكرية جديدة؛ فهو يعكس توجهاً نحو بناء قدرات دفاعية وطنية قائمة على الابتكار والبحث العلمي وتوطين المعرفة، بما يعزز مكانة المغرب ضمن الدول الساعية إلى امتلاك أدواتها التكنولوجية الاستراتيجية، ويمنح صناعته الدفاعية الناشئة آفاقاً أوسع للتطور والتنافسية.
فالمعادلة التي يسعى المغرب إلى ترسيخها لا تقوم على امتلاك المعدات العسكرية فحسب، بل على امتلاك الخبرة والقدرة على التطوير والإنتاج والتحكم في التقنيات الحيوية. ومن هذا المنطلق، يكتسب مشروع «إيريفي» أهمية خاصة، باعتباره جزءاً من مسار أوسع يروم تعزيز الاستقلالية الدفاعية للمملكة، وتوسيع قاعدة صناعاتها المتقدمة، وتأهيل الكفاءات الوطنية للانخراط في مجالات تكنولوجية ذات قيمة استراتيجية عالية.

وقد أُعلن عن إطلاق هذا المشروع خلال افتتاح معرض مراكش الدولي للطيران، من خلال توقيع خطاب نوايا بين المملكة المغربية وشركة «هارماتان للذكاء الاصطناعي» (Harmattan AI)، بحضور عبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، ومعاذ المغاري، الرئيس التنفيذي للشركة، إلى جانب مسؤولين من إدارة الدفاع الوطني وعدد من كبار الضباط العسكريين.

ويعكس هذا الحضور الرسمي والعسكري الرفيع الأهمية التي يكتسيها تطوير القدرات الدفاعية القائمة على التكنولوجيا المتقدمة، في سياق توجه مغربي يرمي إلى تعزيز الجاهزية، وتطوير أدوات الاستشعار والمراقبة والاستجابة، والانفتاح على حلول مبتكرة تواكب متطلبات الأمن والدفاع الوطنيين.

وتشير المعطيات التي أعلنتها الشركة المطورة إلى أن «إيريفي» صُممت لتنفيذ مهام الضربات بعيدة المدى، بمدى معلن يصل إلى 2000 كيلومتر، وهو رقم يضع المشروع ضمن فئة الأنظمة الجوية المسيّرة ذات الامتداد العملياتي البعيد. غير أن أهمية هذا المعطى لا تنفصل عن طبيعة المنظومة التقنية التي يجري تطويرها، ولا عن الضوابط التي تحكم استخدامها، باعتبار أن القدرات الفعلية لأي نظام عسكري تظل مرتبطة بنتائج الاختبارات والتأهيل والجاهزية التشغيلية.

ووفق الشروحات المقدمة من الشركة، تقوم آلية تشغيل الطائرة على تحديد القادة للأهداف المصرح بها وضبط معايير المهمة قبل اعتمادها وإطلاقها، لتتولى المنظومة تنفيذ المهمة بصورة ذاتية ضمن الحدود التي يحددها المسؤولون عنها. ويبرز هذا التصور الدور المتنامي للأنظمة الذكية في المجال العسكري، حيث تتكامل البرمجيات المتقدمة مع أنظمة الملاحة والتوجيه من أجل تنفيذ المهام وفق معايير محددة سلفاً.

ومن أبرز الخصائص التقنية المعلنة للمشروع اعتماده على نظام ملاحة ذاتي لا يتوقف على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، إلى جانب التوجيه البصري في المرحلة النهائية. وتستهدف هذه المقاربة تعزيز قدرة الطائرة على مواصلة مهمتها في ظروف قد تتعرض فيها وسائل الملاحة التقليدية للتشويش أو التعطيل، مع إتاحة الطيران على ارتفاعات منخفضة وفق التصميم المعلن.

وتكتسب هذه الخصائص أهمية في ضوء التحولات التي تعرفها التقنيات العسكرية، حيث أصبحت القدرة على العمل في بيئات إلكترونية معقدة، وتقليص الاعتماد على بعض الأنظمة الخارجية، وتطوير حلول ملاحة أكثر استقلالية، من العناصر التي تحظى باهتمام متزايد لدى الدول التي تسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية.

ومع ذلك، فإن القيمة العملياتية النهائية لهذه التقنيات ستظل رهينة الاختبارات الفعلية، ومستوى الدقة والموثوقية، ومدى قدرتها على العمل في ظروف ميدانية مختلفة. فالمسافة المعلنة والخصائص التقنية تمثلان مؤشرات أولية على طموح المشروع، بينما تشكل مراحل التطوير والتجريب والتأهيل المحك الأساسي لتحديد قدراته الحقيقية.

ولا تقتصر رهانات «إيريفي» على الأداء الجوي أو الإمكانات التقنية، بل تمتد إلى موقع العنصر البشري في منظومات الدفاع الحديثة. فبحسب الشركة المطورة، يهدف اعتماد التشغيل الذاتي إلى إتاحة المجال أمام الكفاءات العسكرية للتركيز على التخطيط وتقدير المواقف واتخاذ القرارات الاستراتيجية، مع إسناد تنفيذ المهام إلى المنظومة التقنية ضمن الحدود المعتمدة.

ويطرح هذا التوجه أسئلة جوهرية حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة في المجال العسكري، وحول أهمية الحفاظ على الرقابة البشرية الواضحة والمسؤولية في استخدام الأنظمة ذاتية التشغيل. فالتقدم التكنولوجي، مهما بلغت مستوياته، يظل مرتبطاً بوجود أطر دقيقة للحكامة والتحكم، تضمن توافق استخدام المنظومات الدفاعية مع القواعد القانونية والاعتبارات الإنسانية والأمنية.

أما الرهان المغربي الأبرز في هذا المشروع، فيتمثل في البعد الصناعي والتكنولوجي. فقد أعلنت الشركة أن تطوير المكونات الأساسية وإنتاجها سيتم داخل المغرب، بالاعتماد على كفاءات مغربية في معظمها، في خطوة تستهدف نقل المعرفة وتعزيز الخبرة الوطنية وتوسيع قاعدة الإنتاج الدفاعي المحلي.

ويمنح هذا التوجه المشروع قيمة تتجاوز حدود تصنيع طائرة مسيّرة، إذ يفتح المجال أمام بناء منظومة من المهارات والخبرات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المدمجة، والملاحة الذاتية، والبرمجيات المتقدمة، والهندسة الإلكترونية. وهي مجالات يمكن أن تسهم، على المدى البعيد، في تطوير نسيج صناعي وطني أكثر تخصصاً، وتعزيز فرص البحث والتطوير، وخلق مسارات جديدة أمام المهندسين والباحثين المغاربة.

وتبرز أهمية هذا المسار في أن امتلاك التكنولوجيا لا يتحقق بمجرد تجميع المعدات أو استيرادها، بل يتطلب القدرة على فهمها وتطويرها وصيانتها وتحديثها. ومن هنا، فإن توطين المكونات التكنولوجية الأساسية وتكوين الكفاءات الوطنية يمثلان ركيزتين أساسيتين لبناء استقلالية دفاعية مستدامة، قادرة على تقليص التبعية الخارجية في بعض المجالات الحساسة.

ويأتي مشروع «إيريفي» امتداداً للشراكة التي أُعلن عنها في يونيو 2026 بين شركة «هارماتان للذكاء الاصطناعي» وإدارة الدفاع الوطني والقوات المسلحة الملكية، والتي استهدفت دعم بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية مغربية ذات طابع سيادي، إلى جانب إنشاء مركز للبحث والتطوير تابع للشركة في الرباط.

ويعكس هذا الترابط بين تطوير الأنظمة الدفاعية وإحداث بنية للبحث والتطوير توجهاً نحو بناء منظومة متكاملة، لا تقتصر على إنتاج منتج واحد، بل تسعى إلى تأسيس بيئة قادرة على احتضان الابتكار وتطوير الحلول التقنية وتراكم الخبرة. فالمراكز البحثية والكفاءات المتخصصة والشراكات الصناعية تشكل مجتمعة الأساس الذي تقوم عليه الصناعات الدفاعية الحديثة.

وتكتسب هذه الخطوة بعداً إضافياً بالنظر إلى المسار الذي تتجه إليه المملكة في تنويع شراكاتها الصناعية والتكنولوجية، وتعزيز قدراتها الذاتية في القطاعات الاستراتيجية. فالمغرب، بما يمتلكه من موقع جغرافي ومؤهلات بشرية وبنية صناعية متنامية، يسعى إلى ترسيخ حضوره في مجالات تتطلب استثمارات طويلة الأمد، وتخطيطاً دقيقاً، وتكاملاً بين المؤسسات العسكرية والبحث العلمي والقطاع الصناعي.

أما شركة «هارماتان للذكاء الاصطناعي»، التي أسسها المغربي معاذ المغاري سنة 2024 في فرنسا، فتعمل في مجال التكنولوجيا الدفاعية وتطوير الأنظمة الروبوتية ذاتية التشغيل. وتشمل المجالات التي تعلن الشركة اشتغالها عليها الدفاع الجوي، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والأنظمة المخصصة للضربات، والحرب الإلكترونية، والقيادة والسيطرة.

ويمنح ارتباط المشروع بكفاءات ومبادرات ذات صلة بالمغرب بعداً وطنياً مهماً، خصوصاً عندما يتحول الاستثمار في المعرفة إلى فرص فعلية لنقل الخبرة وتطوير القدرات داخل المملكة. فاستقطاب الكفاءات وربطها بمشروعات بحثية وصناعية محلية يمثلان أحد المسارات الممكنة لتحويل الرأسمال البشري المغربي إلى قوة إنتاج وابتكار.

ومع ذلك، فإن الحكم على الأثر الاستراتيجي الكامل لهذا المشروع يظل مرتبطاً بما ستكشف عنه مراحل التطوير المقبلة، ومدى تحقق الأهداف المعلنة بشأن التصنيع المحلي، ونسبة المكونات المطورة وطنياً، والنتائج التقنية للاختبارات، والجدول الزمني لدخول المنظومة مرحلة التشغيل. فالمشروعات الدفاعية المتقدمة تقاس في نهاية المطاف بما تحققه على أرض الواقع، لا بمجرد ما تحمله من وعود أو مواصفات معلنة.

إن «إيريفي» يفتح أمام المغرب نافذة جديدة لتعزيز حضوره في مجال التكنولوجيا الدفاعية، ويجسد طموحاً وطنياً إلى الجمع بين قوة المؤسسة العسكرية، وتقدم الصناعة، وكفاءة العنصر البشري. وهي معادلة تضع المعرفة في قلب القوة، وتجعل من البحث والتطوير رافعة للسيادة، ومن الاستثمار في الكفاءات المغربية أساساً لبناء قدرات أكثر استقلالية واستدامة.

وبين طموح امتلاك التكنولوجيا وتحديات تحويله إلى إنجاز صناعي وتشغيلي مكتمل، تتقدم المملكة في مسار يستهدف ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية ذات قدرات دفاعية متطورة، لا تكتفي بمواكبة التحولات، بل تسعى إلى امتلاك أدوات المشاركة في صناعتها.

ومن مراكش، يحمل مشروع «إيريفي» رسالة واضحة في مضمونها: قوة المغرب لا تقاس بما يمتلكه من معدات فحسب، بل بما يبنيه من معرفة، وما يطوره من تكنولوجيا، وما يرسخه من سيادة وقدرة على صناعة المستقبل.