مراكش – يرسخ المغرب موقعه على خريطة الصناعات الجوية والدفاعية العالمية، مستندًا إلى مسار صناعي متدرج انتقل بالقطاع من أنشطة التجميع والمناولة إلى التصنيع ذي القيمة المضافة والهندسة المتقدمة، في تحول يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو توطين التكنولوجيا وتعزيز السيادة الصناعية والدفاعية للمملكة.

وأكد الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الثامنة لمعرض مراكش الدولي للطيران، أن قطاع الطيران بالمغرب شهد، بفضل الرؤية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره ، انتقالًا نوعيًا من التجميع البسيط إلى التصنيع والهندسة المتقدمة، معتبرًا أن الطيران والفضاء وما يرتبط بهما من تكنولوجيات أصبحا رافعة أساسية لتطوير القدرات الصناعية الوطنية.

ويأتي هذا التصريح في سياق يعكس حجم التحول الذي عرفته المنظومة الجوية المغربية خلال السنوات الأخيرة. فالمغرب بات يتوفر على منظومة تضم نحو 160 شركة عاملة في القطاع، ويوفر القطاع عشرات الآلاف من فرص العمل، فيما تقترب صادرات الصناعات الجوية من 3 مليارات دولار سنويًا، مع طموح معلن لرفعها إلى نحو 5 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، مدفوعة باستقطاب استثمارات جديدة والانتقال إلى تصنيع مكونات وأنظمة أكثر تعقيدًا وقيمة مضافة.

ويعكس هذا التطور تحولًا في طبيعة الحضور المغربي داخل سلاسل القيمة العالمية؛ فالمملكة لم تعد تراهن فقط على إنتاج أجزاء منفردة أو خدمات المناولة، بل تتجه بصورة متزايدة نحو الأنظمة الجوية الأكثر تعقيدًا، والهندسة، والصيانة المتقدمة، والإلكترونيات، والرقمنة والبحث والتطوير. وتضم المنظومة المغربية شركات وموردين مرتبطين بكبار المصنعين العالميين، من بينهم إيرباص وبوينغ وسافران، وهو ما يمنح الصناعة الوطنية موقعًا متقدمًا داخل شبكة الإنتاج الدولية.

ويحظى معرض مراكش الدولي للطيران، الذي تتواصل دورته الثامنة من 7 إلى 10 أكتوبر الجاري بقاعدة القوات الملكية الجوية بمراكش، بمكانة خاصة في هذا المسار، إذ يجمع قرابة 200 عارض من 27 دولة، إلى جانب وفود رسمية ومدنية وعسكرية رفيعة المستوى، ويقدم المغرب من خلاله قدراته في مجالات الطيران المدني والعسكري والفضاء والدفاع والتكنولوجيات الحديثة.

وتتجاوز أهمية المعرض الجانب الاستعراضي المرتبط بالعروض الجوية والطائرات المعروضة، ليشكل منصة لعقد شراكات صناعية وتكنولوجية وبحثية، وربط الشركات المغربية بالسلاسل العالمية للإنتاج، واستقطاب مشاريع جديدة ذات قيمة مضافة مرتفعة. كما تركز دورة 2026 على السيادة الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الدفاع المتطورة، والتكنولوجيات الفضائية، وسلاسل الإمداد، وتنمية الكفاءات.

وفي هذا الإطار، أوضح لوديي أن المغرب يعمل على ترسيخ مكانته كقطب استراتيجي في تصنيع وصيانة الطائرات، بالتوازي مع تطوير بنياته التحتية المطارية، بما يخدم النمو الاقتصادي والسياحي والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى التي تستعد المملكة لاحتضانها.

ويستند هذا الطموح إلى موقع جغرافي يمنح المغرب قدرة تنافسية خاصة، باعتباره حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، مع واجهة أطلسية ومؤهلات لوجستيكية وبنية صناعية أصبحت أكثر ارتباطًا بالأسواق العالمية.

كما أن حضور كبريات الشركات الدولية في المنظومة المغربية يعكس الثقة المتزايدة في المنصة الصناعية الوطنية، فيما تتجه استثمارات جديدة إلى أنشطة أكثر تعقيدًا. ويبرز في هذا السياق توسع مجموعة سافران في المغرب، بما يشمل مشاريع مرتبطة بمحركات الطائرات وأنظمة الهبوط والصيانة، وهي استثمارات تندرج ضمن التحول نحو عمليات صناعية ذات قيمة مضافة أكبر.

ولم يعد الرهان مقتصرًا على استقطاب المصانع، بل أصبح مرتبطًا بزيادة نسبة القيمة المضافة المحلية، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتطوير البحث والابتكار، وتمكين الشركات المغربية من الانتقال تدريجيًا من دور المورد إلى موقع أكثر تأثيرًا داخل سلاسل الإنتاج العالمية.

وقد تجسدت هذه الرؤية خلال افتتاح معرض مراكش للطيران من خلال توقيع مجموعة من الاتفاقيات والشراكات في مجالات البحث والتطوير والتصنيع والتكنولوجيات الدفاعية. ومن أبرزها إنشاء مركز للتميز التصنيعي الإفريقي بمشاركة عدد من الفاعلين المؤسساتيين والصناعيين، بهدف دعم البحث والتطوير وتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية في قطاع الطيران.

كما جرى الاتفاق على تعزيز إدماج المنتجات والخدمات المصنعة محليًا ضمن سلسلة توريد الخطوط الملكية المغربية، بما يمنح الصناعة الوطنية فرصة لتوسيع حضورها في الطلب الداخلي والاستفادة من إحدى أهم حلقات المنظومة الجوية الوطنية.

وفي الجانب الصناعي، شملت الاتفاقيات مشروعًا لتطوير قدرات صناعية في مجال أنظمة تزييت محركات الطائرات وتدبير السوائل، إلى جانب شراكات أخرى تستهدف توسيع قاعدة البحث والتطوير والهندسة والتصنيع بالمغرب.

أما البعد الدفاعي، فقد أصبح أحد أبرز ملامح التحول الصناعي المغربي. فقد أكد لوديي أن المملكة عملت على بناء إطار قانوني ومؤسساتي لتطوير الصناعات الدفاعية، وإنشاء مناطق صناعية مخصصة لهذا النوع من الاستثمارات، وتوفير بيئة لوجستيكية وخدماتية ملائمة، إلى جانب اعتماد تدابير تحفيزية ومواكبة للمستثمرين في مشاريع ذات طبيعة استراتيجية.

ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على استيراد القدرات الدفاعية إلى بناء جزء متزايد من هذه القدرات داخل المملكة، مع استقطاب التكنولوجيا والخبرة الدولية وإقامة شراكات مع شركات عالمية، وتعبئة الكفاءات والفاعلين الصناعيين المغاربة.

وقد اكتسب هذا المسار بعدًا أكثر وضوحًا مع دخول تقنيات الطائرات المسيرة والأنظمة المضادة لها ضمن أولويات الصناعة الدفاعية. وخلال معرض مراكش للطيران، وقعت المملكة اتفاقيات لتطوير تكنولوجيات الجيل الجديد لمواجهة الطائرات المسيرة، تشمل البحث والتطوير والهندسة والإنتاج والتكامل والاختبار، إلى جانب اتفاقية لتطوير طائرة مسيرة مغربية، بما يعزز القدرات الوطنية في هذا المجال.

ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع الرؤية الملكية التي أعادت التأكيد، في خطاب الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، على أن إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني من شأنها أن تساهم تدريجيًا في تعزيز السيادة الدفاعية، وخلق فرص التنمية، وترسيخ مكانة المغرب كقوة إقليمية في هذه الصناعات.

وتمنح هذه الرؤية للصناعة الدفاعية وظيفة تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتشمل التنمية الصناعية، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وخلق فرص الاستثمار، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات المغربية.

ويرى لوديي أن الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي تتمتع به المملكة، إلى جانب موقعها الجغرافي، يشكلان عنصرين أساسيين في تعزيز جاذبيتها للاستثمارات الدفاعية، خصوصًا في ظل رغبة الشركات الدولية في بناء سلاسل إنتاج أكثر تنوعًا ومرونة، وتقريب عمليات التصنيع من الأسواق الإفريقية والأوروبية.

وتكشف المؤشرات الحالية أن الصناعة الجوية المغربية دخلت بالفعل مرحلة جديدة. فبعد نحو ربع قرن من بناء منظومتها الصناعية، أصبحت المملكة تضم قاعدة صناعية تضم أكثر من 150 شركة، وتوفر أكثر من 25 ألف فرصة عمل، وتحقق صادرات تقترب من 3 مليارات دولار، مع استمرار التوجه نحو رفع مستوى الاندماج المحلي وزيادة القيمة المضافة.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر مع انتقال الاستثمارات إلى مراحل تصنيع متقدمة، تشمل محركات الطائرات ومعدات الهبوط والصيانة والهندسة والأنظمة الصناعية، بدل الاكتفاء بالمكونات البسيطة.

وفي الوقت نفسه، يفتح تطور قطاع الطيران المجال أمام صناعات مرتبطة به، من المعادن والمواد المركبة والإلكترونيات إلى البرمجيات والذكاء الاصطناعي والصيانة واللوجستيك والتكوين الهندسي، بما يوسع الأثر الاقتصادي للقطاع ويجعله جزءًا من منظومة صناعية متعددة التخصصات.

ويؤكد معرض مراكش للطيران 2026 هذا التحول من خلال برنامجه الذي يجمع بين العروض الجوية والمعرض الثابت واللقاءات المهنية والندوات الاستراتيجية، مع تركيز واضح على مستقبل الصناعات الجوية والدفاعية والفضائية، وسلاسل القيمة، والرقمنة، والأنظمة المعقدة، وتنمية المهارات.

وبذلك، تبدو الرسالة التي حملتها كلمة عبد اللطيف لوديي في افتتاح المعرض واضحة: المغرب لا يريد الاكتفاء بموقعه كمحطة جذابة للصناعات الجوية العالمية، وإنما يسعى إلى بناء قدرات وطنية قادرة على التصميم والتصنيع والهندسة والبحث والتطوير، وربط هذه القدرات بسلاسل الإنتاج الدولية.

أما في المجال الدفاعي، فإن الرهان يتجه نحو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية وطنية قادرة على إنتاج جزء متزايد من الاحتياجات، واستيعاب التكنولوجيا، وتطوير حلول محلية، وخلق شراكات دولية تتيح للمملكة الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج والشريك الصناعي.

إن التحول الذي يشهده قطاع الطيران والدفاع بالمغرب لا يقاس فقط بعدد الشركات أو حجم الاستثمارات، بل بقدرة المملكة على رفع القيمة المضافة المحلية، وتكوين الكفاءات، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير البحث والابتكار، وتحويل الموقع الجغرافي والاستقرار والبنية التحتية إلى قوة صناعية مستدامة.

ومن مراكش، حيث تلتقي كبرى الشركات والمؤسسات والخبرات الدولية، يقدّم المغرب صورة جديدة لصناعته الجوية والدفاعية: بلد يستقطب التكنولوجيا، لكنه يعمل في الوقت نفسه على إنتاجها وتطويرها وتوطينها، ويدفع بصناعته من مرحلة التجميع إلى فضاء التصنيع المتقدم والهندسة والسيادة التكنولوجية.