628 حالة موثقة تكشف اتساع العنف السياسي الرقمي ضد المرشحات بالمغرب.. من التشهير والتحقير إلى التهديد والمحتوى المفبرك
كشفت دراسة رصدية وتحليلية حول العنف السياسي الرقمي الممارس ضد النساء المرشحات برسم انتخابات مجلس النواب 2026 عن معطيات لافتة بشأن طبيعة الاستهداف الذي تعرضت له عدد من المرشحات خلال الحملة الانتخابية، بعدما تمكن فريق الرصد من توثيق 628 حالة تضمنت أشكالاً متعددة من التشهير والتضليل والتحقير بسبب الجنس والمس بالحياة الخاصة والتهديد، فضلاً عن تداول صور وفيديوهات مفبركة ومحتويات تحمل مؤشرات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وجاء الكشف عن هذه النتائج خلال ندوة صحفية نظمت، الأربعاء 7 أكتوبر 2026 بالدار البيضاء، لتقديم خلاصات الدراسة التي أنجزها المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي بشراكة مع جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، وبمشاركة عدد من الجمعيات والراصدين والراصدات والفاعلين والفاعلات في مجال رصد وتحليل العنف الرقمي. وقد شكل اللقاء مناسبة لعرض حصيلة عملية الرصد ومناقشة حدود الحماية القانونية والمؤسساتية للنساء المشاركات في الحياة السياسية، إلى جانب التأكيد على أهمية بناء فضاء رقمي أكثر أماناً يضمن حق النساء في المشاركة السياسية بعيداً عن العنف والاستهداف الشخصي.
وشملت الدراسة 42 امرأة وكيلة للائحة انتخابية محلية، ينتمين إلى أحزاب سياسية ممثلة في مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026، وجرى تتبع المحتويات الرقمية الموجهة ضدهن خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 23 شتنبر 2026، وهي الفترة القانونية للحملة الانتخابية الخاصة بانتخابات مجلس النواب التي جرت في 23 شتنبر. وتولى عملية الرصد 21 راصدة وراصداً على المستوى الوطني، بمشاركة 16 جمعية وشركاء في هذا المجال، مع اعتماد منهجية موحدة واستمارة مشتركة لتوثيق الحالات قبل إخضاع المعطيات للتحليل الكمي والكيفي والقانوني.
وتبرز الأرقام حجم الاستهداف وتنوع أدواته؛ فقد سجلت الدراسة 481 حالة تشهير، بما يمثل 76.6 في المائة من مجموع الحالات الموثقة، فيما رُصد التحقير أو خطاب الكراهية المرتبط بجنس النساء في 436 حالة، أي بنسبة 69.4 في المائة. كما سجل نشر معلومات غير مؤكدة في 405 حالات، بنسبة 64.5 في المائة، بينما بلغت الأخبار الزائفة أو الإشاعات 376 حالة، بنسبة 59.9 في المائة.
وامتد الاستهداف إلى الحياة الخاصة للمرشحات، إذ وثقت الدراسة 271 حالة من هذا النوع، بنسبة 43.2 في المائة، في حين تم تسجيل 64 حالة تهديد أو ترهيب، أي ما يعادل 10.2 في المائة من قاعدة الرصد. كما وثقت الدراسة 25 حالة مرتبطة بصور أو فيديوهات مفبركة، إلى جانب 23 حالة حملت مؤشرات على استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أو تعديل المحتوى المستهدف.
وتكشف المعطيات أيضاً أن العنف الرقمي لا يأتي دائماً في صورة واحدة؛ فالحالة الواحدة يمكن أن تجمع بين التشهير والتحقير بسبب الجنس أو بين المس بالحياة الخاصة والتشهير أو التهديد، وهو ما يجعل الاستهداف في عدد من الحالات مركباً ومتداخلاً. وسجل اجتماع التشهير والتحقير بسبب الجنس في 330 حالة، بنسبة 52.5 في المائة، فيما اجتمع التشهير والمس بالحياة الخاصة في 247 حالة، والمس بالحياة الخاصة والتحقير بسبب الجنس في 205 حالات، بينما تداخل التهديد أو الترهيب مع التحقير القائم على الجنس في 57 حالة.
وتظهر المعطيات المتعلقة بالمنصات الرقمية أن فيسبوك كان المجال الأبرز الذي ظهرت فيه الحالات الموثقة، بنسبة بلغت 91.6 في المائة، بما يعادل 575 حالة، يليه إنستغرام بـ28 حالة، ثم تيك توك ومنصات أخرى. كما أفادت المعطيات المقدمة خلال الندوة بأن التعليقات المسيئة والجارحة شكلت جانباً كبيراً من المحتويات المرصودة، فيما لجأت بعض المرشحات إلى حذف عدد من التعليقات بعد رصدها.
وتؤكد الدراسة أن رقم 628 لا يعني عدد النساء اللواتي تعرضن للعنف ولا عدد الأشخاص الذين يقفون وراء هذه الممارسات، وإنما يمثل عدد الحالات أو الاستمارات التي جرى توثيقها وتحليلها ضمن العينة المحددة. كما أن النسب لا تمثل فئات منفصلة بالضرورة، لأن المحتوى الرقمي الواحد يمكن أن يحمل أكثر من شكل من أشكال الاستهداف.
وبحسب المعطيات المقدمة خلال الندوة، فإن 93 في المائة من حالات الاستهداف كانت ذات طبيعة سياسية وانتخابية، غير أن الاستهداف لم يتوقف عند حدود التنافس السياسي أو نقد البرامج والمواقف، بل امتد في حالات أخرى إلى الحياة الشخصية والأسرية والمهنية للمرشحات، وإلى التشكيك في أهليتهن بسبب جنسهن أو ظروفهن الشخصية، بما في ذلك حالات مرتبطة بالإعاقة.
وقالت بشرى عبدو، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، إن عملية الرصد جاءت في إطار متابعة التحولات التي صاحبت اتساع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في المنافسة الانتخابية، موضحة أن العمل لم يقتصر على تسجيل وجود محتويات مسيئة، بل شمل توثيقها والاحتفاظ بلقطات الشاشة والمضامين والوثائق المرتبطة بها، بما يسمح بإخضاعها للتحليل.
وشددت عبدو على أهمية التمييز بين عملية الرصد والتوثيق من جهة، وبين إثبات المسؤولية القانونية والجنائية من جهة أخرى، مؤكدة أن تحديد المسؤوليات والتكييف القانوني للأفعال يظل من اختصاص الجهات والمؤسسات المختصة، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
وتوضح هذه المعطيات أن المنافسة الانتخابية لم تعد محصورة في الفضاءات التقليدية للحملات، بعدما أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من التواصل مع الناخبين وبناء الصورة السياسية للمرشحين والمرشحات. غير أن هذا التحول أوجد في المقابل أشكالاً جديدة من الاستهداف يصعب أحياناً فصلها عن النقاش السياسي المشروع، خصوصاً عندما ينتقل الخطاب من نقد البرنامج أو الموقف السياسي إلى النيل من الكرامة أو الحياة الخاصة أو الأهلية بسبب الجنس.
وتضع الدراسة مسألة الحماية القانونية في صلب النقاش، معتبرة أن تحديث القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يمثل جزءاً من مواكبة التحولات التي عرفتها العملية الانتخابية، غير أن مواجهة العنف السياسي الرقمي تتطلب، وفق خلاصاتها، معالجة أوسع تشمل قدرة المنظومة القانونية والمؤسساتية على تحديد الأفعال الرقمية وتكييفها وإثباتها، فضلاً عن تطوير آليات الرصد والتبليغ والحماية والوقاية.
وكان القانون التنظيمي رقم 27.11 قد خضع لتعديلات جديدة بموجب القانون التنظيمي رقم 53.25 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.70 في يناير 2026، كما حُدد موعد انتخابات مجلس النواب في 23 شتنبر 2026، فيما امتدت الحملة الانتخابية قانوناً من 10 إلى 22 شتنبر. وتمنح هذه المعطيات الإطار القانوني والزمني الذي جرت داخله عملية الرصد موضوع الدراسة.
وتتقاطع خلاصات الدراسة مع تحذيرات سابقة صدرت خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات، بعدما رصدت جهات مدنية وحقوقية مظاهر من السب والقذف والتشهير والمس بالحياة الخاصة والكرامة ونشر الادعاءات والمضامين المسيئة ضد نساء مرشحات، وهو ما جعل العنف الرقمي أحد الملفات المرتبطة بالنقاش حول شروط المشاركة السياسية للنساء وتكافؤ الفرص في المجال الانتخابي.
ولا تكمن أهمية الدراسة في عدد الحالات الموثقة فقط، وإنما في كشفها عن طبيعة التحول الذي طرأ على أدوات الاستهداف السياسي، حيث يمكن لمحتوى واحد أن يجمع بين التشهير والتضليل والتحقير والنيل من الحياة الخاصة، وقد يتطور في بعض الحالات إلى التهديد أو استخدام مواد مفبركة وتقنيات رقمية حديثة.
ومن هنا، يكتسب النقاش حول حماية النساء المرشحات بعداً يتجاوز فترة الانتخابات نفسها، لأن سلامة المشاركة السياسية لا ترتبط فقط بحق الوصول إلى صناديق الاقتراع أو خوض المنافسة الانتخابية، وإنما تشمل أيضاً الحق في ممارسة النشاط السياسي والتواصل مع المواطنين دون التعرض لحملات تستهدف الكرامة أو الحياة الخاصة أو الأهلية على أساس الجنس.
وقد اختتم اللقاء بالتأكيد على أهمية مواصلة الرصد والتوثيق، وتقوية التنسيق بين الجمعيات والفاعلين والفاعلات والمؤسسات المعنية، وتطوير آليات الوقاية والتبليغ والحماية، بما يساهم في الحد من العنف الرقمي وتعزيز مشاركة سياسية أكثر أماناً واحتراماً للحقوق والحريات.
فالرسالة التي حملتها الندوة واضحة: لا يمكن أن تكون المشاركة السياسية متكافئة إذا تحولت المنصات الرقمية إلى مساحة لاستهداف النساء بسبب جنسهن، كما أن حماية المرشحات من العنف الرقمي أصبحت جزءاً من حماية نزاهة النقاش السياسي نفسه، وضمان حق المواطنين والمواطنات في اختيار ممثليهم بعيداً عن حملات التشهير والتهديد والتضليل
