هناك نصوص شعرية تُقرأ، ثم تُنسى، وأخرى تترك في الذاكرة أثراً لأنها تلامس إحساساً إنسانياً مشتركاً، وتمنح المشاعر لغة تستطيع أن تقول ما يعجز القلب أحياناً عن قوله.

ومن هذا النوع تأتي تجربة الشاعر خالد فولان، الذي يختار في كتابته أن يقترب من الإنسان قبل أن يقترب من القافية، وأن يجعل من العاطفة مادة أساسية لبناء نصه الشعري. فهو لا يكتب الحب باعتباره صورة مثالية بعيدة، وإنما يقدمه كما يعيشه الإنسان: شغفاً، وانتظاراً، واشتياقاً، وقلقاً، ووفاءً، وخوفاً من الفقد.

وفي قصيدته «سلمتك»، يضع خالد فولان عنواناً يبدو بسيطاً في كلماته، لكنه يحمل مساحة واسعة من الدلالات. فـ«التسليم» الذي يتحدث عنه الشاعر ليس تنازلاً عابراً، وإنما حالة وجدانية كاملة، يضع فيها العاشق روحه وقلبه وعقله ومشاعره في عهدة من أحب.
«سلمتك».. مفتاح القصيدة ومفتاح القلب
منذ البداية، يكرر الشاعر فعل «سلمتك»، وكأنه يطرق باباً عاطفياً مرة بعد أخرى، قبل أن يكشف في كل مرة جزءاً جديداً من عالمه الداخلي.
الروح، العقل، القلب، الرأس، العين، وكل ما يمكن أن يشكل كيان الإنسان، يصبح حاضراً في هذا التسليم.

وهنا تتحول العبارة إلى بناء شعري متكامل: أنا أحبك، ولذلك لم أعد أحتفظ بشيء لنفسي.

إنها صورة لعاشق اختار المكاشفة الكاملة، ولم يعد معنياً بإخفاء مشاعره أو تجميلها. فهو لا يقدم حباً مشروطاً، ولا يترك لنفسه باباً خلفياً للانسحاب، بل يعلن أنه منح كل ما لديه لمن أحب.
حين يتحول الحبيب إلى تفاصيل الحياة

في واحدة من أكثر لحظات القصيدة صدقاً، يصف الشاعر كيف أصبح الحبيب حاضراً في نومه وأحلامه وتفكيره، حتى أصبح النسيان أمراً شبه مستحيل.

وهنا لا يعود الحب مجرد عاطفة، بل يتحول إلى حضور دائم.

فالحبيب يسكن الذاكرة، ويظهر في الأحلام، ويستولي على التفكير، حتى تصبح محاولة الابتعاد عنه أشبه بمحاولة اقتلاع جزء من الذات.

هذه الصورة تجعل القصيدة قريبة من المتلقي، لأنها لا تتحدث عن حب مثالي مصطنع، وإنما عن ذلك النوع من التعلق الذي يعرفه الإنسان عندما يصبح شخص واحد حاضراً في معظم تفاصيل يومه.

بين الاعتراف والصمت
غير أن «سلمتك» لا تحكي قصة حب مكتملة الأركان. ففي خلفية النص يوجد طرف آخر لا يمنح الشاعر الإجابة التي ينتظرها.

الشاعر يكتب، يسأل، يبوح، ويكشف مشاعره، بينما يقابله الطرف الآخر بالصمت أو بالتردد.

ومن هنا يظهر الجانب الأكثر حساسية في التجربة: العاشق لا يخاف فقط من فقدان الحبيب، بل يخاف من أن يكون كل هذا الحب من طرف واحد.

إنها مساحة مؤلمة في القصيدة، لأن الإنسان يستطيع أن يتحمل الحب، لكنه يجد صعوبة أكبر في تحمل الغموض.
خالد فولان.. من الغرام إلى سؤال المصير

لا يكتفي الشاعر بالقول إنه أحب، بل يصل إلى السؤال الذي يختصر كل القصة:

هل سيبقى من أحب، أم سيختار الرحيل؟

هذا السؤال يمنح القصيدة عمقها الدرامي، ويجعل القارئ ينتقل من الاستماع إلى الاعتراف إلى المشاركة في الحيرة.

فبعد أن سلّم الشاعر قلبه وعقله وروحه، لم يعد يطلب الكثير؛ يريد فقط أن يعرف إن كان الشخص الذي منحه كل هذا الحب سيبقى إلى جانبه.
وهنا يصبح الحب اختباراً للوفاء، وليس مجرد حالة وجدانية.

الدارجة المغربية.. حين تصبح البساطة قوة

ومن العناصر التي تمنح تجربة خالد فولان خصوصيتها اعتماده على الدارجة المغربية في التعبير عن إحساسه.

فالدارجة، في هذا النص، ليست عائقاً أمام الشعر، بل وسيلة تمنحه حرارة وقرباً من المتلقي. كلماتها اليومية تتحول إلى رسائل عاطفية مباشرة، وتحتفظ بقدرتها على الوصول إلى القلب دون حواجز لغوية ثقيلة.

وهذه البساطة هي إحدى نقاط قوة النص؛ لأن الشاعر لا يحاول أن يخفي الإحساس خلف مفردات معقدة، بل يترك المشاعر تتقدم إلى الواجهة.
شاعر يراهن على صدق الإحساس
في «سلمتك»، يبدو خالد فولان أقرب إلى الشاعر الذي يرى أن قوة القصيدة لا تأتي دائماً من كثرة الصور والمحسنات، وإنما من قدرة الكلمات على حمل إحساس حقيقي.
ولهذا فإن النص يقوم أساساً على الاعتراف.

اعتراف بالحب، بالاشتياق، بالخوف، وبالعجز عن النسيان، ثم اعتراف أخير بأن العاشق قدم كل ما يستطيع تقديمه.
إنها كتابة تنطلق من القلب، لكنها لا تتوقف عند حدود القلب؛ فهي تطرح سؤالاً إنسانياً أكبر حول معنى أن تمنح شخصاً كل ثقتك، ثم تنتظر منه أن يثبت لك أن اختيارك لم يكن خطأ.
«سلمتك».. قصيدة تضع القلب أمام مرآته

ربما تكمن قوة هذه القصيدة في أن كل قارئ يستطيع أن يجد فيها جزءاً من حكايته.
هناك من أحب ولم يُجب، ومن انتظر ولم يجد جواباً، ومن أعطى أكثر مما كان ينبغي، ومن اكتشف أن أصعب لحظات الحب ليست لحظة البعد، وإنما لحظة عدم معرفة ما إذا كان الآخر يريد البقاء أم الرحيل.

ومن هنا، لا تبدو «سلمتك» مجرد قصيدة غزلية، بل تبدو رسالة وجدانية مفتوحة، كتبها خالد فولان بلغة قريبة من الناس، ووضع فيها صورة عاشق لم يجد وسيلة أخرى للتعبير سوى أن يقول بكل وضوح:
لقد أعطيتك كل شيء... فماذا ستفعل بكل هذا الحب؟

إنها خلاصة تجربة شعرية تقوم على البوح، وتمنح العاطفة مساحة واسعة لتتكلم بصوتها الخاص.

وفي النهاية، يترك خالد فولان قصيدته مفتوحة على الاحتمالات، لأن الحب الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى نهاية مكتوبة؛ أحياناً تكفيه لحظة صدق واحدة، وكلمة واحدة، وموقف واحد يكشف الحقيقة.

خالد فولان... شاعر اختار أن يكتب الحب كما يشعر به، لا كما ينبغي أن يكون.
وشعره، في «سلمتك»، لا يطلب من القارئ أن يبحث عن المعنى بين السطور، لأن المعنى حاضر أمامه، واضحاً، صريحاً، ومحملاً بكل ما يستطيع القلب أن يمنحه عندما يحب بصدق.

القصيدة

سلمتك

سلمتك
روحي
سلمتك
عقلي
سلمتك
راسي
سلمتك
قلبي
حيت عشقتك
ومن قلبي
بغيتك

سلمتك
كل ما نملك
وليت ننعس
نحلم بيك
وتفك
والله ما قديت
ننساك
ولا قادر نعيش
بلا بيك
ضركت حتى عيت
وما مشيت حتى
قلتها ليك

سلمتك
مفتاح القلب
وما كنراوغ ولا كنكذب
وبدموع العطفة والغرام
وليت ندون ليك ونكتب
وانت علي ما كترد وعلى سؤالي ما بغيتي تجاوب
من غرامك انا لله متايب

سلمتك
قلبي تبغيني
بيه
سلمتك عقلي تفكرني
بيه
سلمتك
عيني تشوفني غير
أنا بها
سلمتك
كلشي
واش بغيتي تبقى
ولا غتبعد مني
وتمشي
رآه قلة الحب ترشي
وانا درتك حياتي
وعلى قبلك سمحت في
كلشي

سلمتك
كلشي وما بقى
لي والو
وربي عالم بكل واحد
وإدرى بحالو
واللي مشى ليه شي عزيز
في الدنيا اش بقى لو؟

سلمت
اللي كنملك
وحتى اللي ما كنملك
وهبتو ليك
وساعة الشدة ما
بغيت
نسمح فيك
ونمشي ونخليك
ما بقى ما عني ما
نعطيك
حيت كاع اللي كان عندي
كلوا وهبتو ليك.

شعر... خالد فولان.