الدكتورة لبنى أبقري أخصائية اجتماعية

حين يحل شهر أكتوبر، تتجه حملات التوعية بشكل أساسي إلى سرطان الثدي لدى النساء، باعتباره من أكثر السرطانات التي تستوجب الوقاية والكشف المبكر. غير أن التوعية الصحية تفرض حقيقة أخرى لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام: سرطان الثدي يمكن أن يصيب الرجال أيضاً.

ورغم أن سرطان الثدي لدى الرجال يمثل نحو 1% من مجموع حالات سرطان الثدي، فإن محدودية انتشاره لا تعني محدودية خطورته، خصوصاً أن التشخيص لدى الرجال غالباً ما يتم في مراحل متأخرة، نتيجة ضعف الوعي واعتقاد شائع بأن هذا المرض يخص النساء وحدهن.

وتشير تقديرات الجمعية الأمريكية للسرطان (American Cancer Society) إلى أنه من المتوقع خلال عام 2026 تشخيص نحو 2,670 رجلاً بسرطان الثدي الغازي في الولايات المتحدة، مع تسجيل نحو 530 وفاة مرتبطة بالمرض. كما يوضح مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن نحو حالة واحدة من كل 100 حالة سرطان ثدي مشخصة في الولايات المتحدة تكون لدى رجل.
ويُعد سرطان الأقنية الغازي (Invasive Ductal Carcinoma) النوع الأكثر شيوعاً لدى الرجال، وهو ما يجعل الانتباه إلى العلامات المبكرة أمراً بالغ الأهمية.

* لماذا يتأخر اكتشاف سرطان الثدي لدى الرجال؟

لا يرتبط التأخر في التشخيص بعامل طبي فقط، بل تتداخل معه عوامل اجتماعية ونفسية. فالرجل غالباً لا يضع سرطان الثدي ضمن الاحتمالات التي يمكن أن تهدده، ولذلك قد لا يولي كتلة أو تغيراً في منطقة الصدر الاهتمام الكافي.

كما تمثل الوصمة الاجتماعية أحد أبرز العوائق أمام التشخيص المبكر. فعندما يُنظر إلى سرطان الثدي باعتباره «مرضاً نسائياً»، قد يشعر الرجل بالحرج أو الخجل من الحديث عن الأعراض أو زيارة الطبيب، فيؤجل الفحص لأشهر، وهو ما قد يسمح للمرض بالتقدم.

لذلك، فإن كسر الصورة النمطية حول المرض ليس مسألة توعوية فحسب، بل خطوة ضرورية لحماية حياة المرضى.

* من الرجال الأكثر عرضة للإصابة؟

تزداد احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر، ولا سيما لدى الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و70 عاماً. كما ترتفع الخطورة عند وجود تاريخ عائلي للإصابة بسرطان الثدي أو وجود طفرات جينية معينة، وعلى رأسها BRCA2.

وتشمل عوامل الخطورة أيضاً متلازمة كلاينفلتر، والسمنة، وبعض أمراض الكبد، والتعرض السابق للإشعاع، إضافة إلى بعض حالات اختلال التوازن الهرموني.

ومع ذلك، فإن غياب هذه العوامل لا يعني استحالة الإصابة، ولذلك يبقى الانتباه إلى أي تغير غير طبيعي في الثدي أمراً أساسياً.

* علامات لا ينبغي تجاهلها

قد يبدأ سرطان الثدي لدى الرجل بعلامة بسيطة لا تستدعي، في نظره، القلق، لكن بعض الأعراض تستوجب مراجعة الطبيب دون تأخير، ومن أبرزها:

ظهور كتلة أو تورم في الثدي، وغالباً ما يكون دون ألم.

انكماش الحلمة أو حدوث تغير واضح في شكلها.

خروج إفرازات من الحلمة، وخصوصاً الإفرازات الدموية.

ظهور احمرار أو تقشر في الجلد أو تغير في ملمسه ومظهره.

وجود إحدى هذه العلامات لا يعني بالضرورة الإصابة بالسرطان، لكنه يستدعي تقييماً طبياً لتحديد السبب والتعامل معه في الوقت المناسب.
المرض لا ينتقص من الرجولة.. والدعم النفسي جزء من العلاج

لا تتوقف معاناة الرجل المصاب بسرطان الثدي عند الجانب الجسدي. فالتشخيص قد يفتح أمامه مجموعة من الأسئلة والمخاوف المرتبطة بصورته الذاتية وهويته ورجولته، خصوصاً عندما يكتشف أن المرض الذي طالما ارتبط في الوعي العام بالنساء أصبح جزءاً من تجربته الشخصية.

وقد يشعر بعض المرضى بالعزلة بسبب محدودية البرامج والمبادرات التي تتوجه إليهم بشكل مباشر، مقارنة بحجم الحملات المخصصة للنساء.
ومن هنا تبرز أهمية الدور النفسي والاجتماعي إلى جانب العلاج الطبي، من خلال تصحيح المفاهيم الخاطئة، وتشجيع الرجل على طلب المساعدة الطبية دون خجل، وتوفير الدعم النفسي له ولأسرته، وإشراك الأسرة في رحلة العلاج، وخلق مساحات آمنة للحديث عن المخاوف والتحديات التي يواجهها المريض.

فالسرطان لا يختبر جسد الإنسان فقط، بل قد يختبر أيضاً قدرته النفسية على مواجهة التشخيص والعلاج وتبعاتهما الاجتماعية.

* الوعي بداية المواجهة

يعتمد علاج سرطان الثدي لدى الرجال على طبيعة المرض ومرحلته وحالة المريض، وقد يشمل الجراحة، والعلاج الهرموني، والعلاج الكيميائي، إلى جانب علاجات أخرى يحددها الفريق الطبي وفق كل حالة.

لكن قبل كل هذه المراحل، تبقى هناك خطوة لا يمكن الاستغناء عنها: الوعي.
أن يعرف الرجل أن سرطان الثدي يمكن أن يصيبه، وأن يدرك العلامات التي تستوجب الفحص، وأن يتجاوز الحرج المرتبط بطلب الاستشارة الطبية، كلها خطوات قد تصنع فارقاً حقيقياً في مسار المرض.

سرطان الثدي ليس مرضاً نسائياً حصراً، والرجولة لا تُقاس بنوع المرض الذي يصيب الإنسان، بل بالشجاعة في مواجهته وطلب العلاج.

وفي أكتوبر الوردي، فإن الرسالة الأهم هي أن التوعية يجب أن تشمل الجميع: الكشف المبكر ينقذ الأرواح، رجالاً ونساءً، والوعي قد يكون الخطوة الأولى نحو النجاة.