درسنا نحن معشر الصحافيين والإعلاميين أن الحياد أساس المهنة، وأن على الإعلامي أن يترك مسافة بينه وبين القضايا التي يتناولها، وأن يتجنب تحويل المنبر الإعلامي إلى مساحة لتصفية المواقف الشخصية. لكن الحياد لا يعني بالضرورة الصمت، كما أن ممارسة الحق في إبداء الرأي لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإلغاء صاحبه.

من هنا جاءت قضية الإعلامية والصحافية سلوى مفتوح، التي وجدت نفسها في قلب نقاش واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب نشرها مقطع فيديو تحدثت فيه عن صلاة الجمعة التي تقام في بعض الشوارع والأزقة، منتقدة ما اعتبرته عرقلة لحركة المرور، ومستندة إلى تجربة شخصية قالت إنها عاشتها بعدما وجدت الطريق المؤدية إلى منزلها مغلقة بسبب تجمع المصلين.

تصريح فتح باباً واسعاً للنقاش، بين من رأى أن ملاحظتها مشروعة وتمس إشكالاً تنظيمياً قائماً، ومن اعتبر أن الحديث عن صلاة الجمعة يتطلب حساسية أكبر تجاه البعد الديني والاجتماعي للموضوع. وبين الموقفين، برزت أصوات ذهبت أبعد من نقد الفكرة إلى مهاجمة صاحبتها، وهو ما نقل النقاش من مضمون التصريح إلى شخص الإعلامية نفسها.

وقد يتفق معها البعض أو يختلف معها آخرون، وقد يرى فريق أن ظاهرة اكتظاظ المصلين في بعض الفضاءات العمومية تحتاج إلى حلول تنظيمية وميدانية تضمن أداء الشعائر دون التأثير في حركة السير ومصالح المواطنين، فيما يؤكد فريق آخر حق الناس في أداء شعائرهم الدينية وضرورة التعامل مع الأمر بما يراعي خصوصية المجتمع المغربي.

وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش هادئاً ومسؤولاً، لأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية.

وقبل إصدار الأحكام على سلوى مفتوح بسبب مقطع واحد، من الإنصاف التذكير بأن صاحبة هذا التصريح ليست اسماً طارئاً على المشهد الإعلامي، ولا إعلامية صنعت حضورها من خلال الجدل الأخير. فقد راكمت تجربة مهنية في مجال الإعلام، واشتغلت في الإذاعة قبل انتقالها إلى التلفزيون، حيث ارتبط اسمها بشكل خاص ببرنامج «منطقة محظورة» على قناة تيلي ماروك، وهو برنامج تناول قضايا اجتماعية وأسرية وحقوقية حساسة، وفتح ملفات أثارت نقاشاً داخل المجتمع.

كما أعدت وقدمت برنامج «السلطة الرابعة»، إلى جانب برنامج «المغرب الأخضر» الذي توج بجائزة لأفضل برنامج فلاحي، في تجربة تعكس تنوعاً في مجالات اشتغالها الإعلامي.

ولم يقتصر حضورها على البرامج الحوارية والملفات الاجتماعية، بل أطلت أيضاً على المشاهدين من خلال تقديم نشرات الأخبار الوطنية والدولية، ما أتاح لها خوض تجارب مهنية مختلفة داخل المشهد الإعلامي.
ومسار سلوى مفتوح لم يكن دائماً هادئاً أو بعيداً عن الضغوط والجدل، فقد سبق أن ارتبط اسمها بمواقف مهنية أثارت النقاش، وهو أمر ليس غريباً على إعلامية اختارت، في مراحل مختلفة من مسيرتها، الاقتراب من الملفات الحساسة وطرح الأسئلة التي قد لا تحظى دائماً بالإجماع.

لذلك، يمكن الاختلاف مع سلوى مفتوح في مضمون حديثها عن صلاة الجمعة، ويمكن مساءلة بعض ما ورد في تصريحها، ومناقشة مدى دقته وملاءمته للسياق الاجتماعي والديني، لكن ذلك يظل شيئاً مختلفاً تماماً عن تحويلها إلى هدف للتنمر أو التشهير أو إطلاق أحكام قاسية عليها.

الإعلام الحقيقي لا يقوم على قاعدة «إما أن تكون معي أو ضدي»، وإنما على الاعتراف بحق الاختلاف، وعلى قدرة الإعلامي على تحمل النقد، وقدرة الجمهور في المقابل على مناقشة الفكرة دون إلغاء صاحبها.

وسلوى مفتوح، سواء اتفقنا معها في هذا الخروج الإعلامي أم اختلفنا، تظل إعلامية لها تجربة ومسار وبرامج وأعمال مهنية لا يمكن اختزالها في مقطع فيديو واحد انتشر بسرعة وأشعل نقاشاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

والسؤال الأهم اليوم ليس فقط: هل نتفق مع سلوى مفتوح أم نختلف معها؟
بل: هل أصبحنا نحاكم الأشخاص من خلال مقطع واحد، وننسى سنوات من العمل والتجربة؟ وهل تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى محكمة مفتوحة، ينصّب فيها البعض أنفسهم قضاة ويصدرون أحكاماً لا رجعة فيها؟
النقد حق، والاختلاف حق، وحتى رفض مضمون تصريح إعلامي حق مشروع. لكن الإنصاف أيضاً حق وواجب.

فلا ينبغي أن تتحول لحظة جدل عابرة إلى محاكمة لمسار مهني كامل، ولا أن نستبدل النقاش المسؤول بالتشهير، أو نمارس مهنة القضاء خلف شاشات الهواتف، فنطلق أحكاماً ثقيلة قد يصعب محو آثارها بعد أن تنتشر.

سلوى مفتوح قد تكون أخطأت في التعبير، وقد تكون أصابت في طرح إشكال يستحق النقاش؛ لكن الحكم على الفكرة شيء، والحكم على الإنسان ومساره المهني شيء آخر.

وهنا تكمن قيمة الإعلام الحقيقي: أن نختلف دون أن نلغي، وأن ننتقد دون أن نشهّر، وأن نحاكم الفكرة قبل صاحبها.