حين تُسند إلى رجل القضاء مسؤولية رئاسة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، فإن الأمر يتجاوز حدود التعيين الإداري أو الانتقال المهني، ليصبح عنوانًا لأمانة قضائية ومؤسساتية من الوزن الثقيل، تتطلب رصيدًا من التجربة، ووضوحًا في الرؤية، ودقة في التدبير، ووعيًا عميقًا بقدسية العدالة وحقوق المتقاضين.

ومن هذه الزاوية، يبرز اسم عبد الهادي زحاف، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، باعتباره أحد الوجوه القضائية التي راكمت تجربة ممتدة في مواقع المسؤولية، وانتقلت عبر محطات مهنية متدرجة من رئاسة المحكمة الابتدائية بالرباط إلى رئاسة محكمة الاستئناف بالقنيطرة، قبل أن يصل سنة 2025 إلى واحدة من أبرز المسؤوليات القضائية بالمملكة، على رأس محكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

وهي مسؤولية تحمل من الدلالات بقدر ما تحمل من الأعباء، بالنظر إلى المكانة المؤسساتية التي تحتلها الدار البيضاء، وإلى الحجم الكبير والمتنوع للقضايا التي تعرض على محاكم دائرتها القضائية، وما يفرضه ذلك من يقظة دائمة في تدبير المرفق القضائي، والحرص على انتظام سيره، وتعزيز جودة أدائه.

وقد جاء تعيين عبد الهادي زحاف على رأس هذه المؤسسة في إطار التعيينات الخاصة بمناصب المسؤولية القضائية، التي حظيت بالموافقة الملكية ضمن دورة يناير 2025، بعدما كان يتولى رئاسة محكمة الاستئناف بالقنيطرة.
وقبل وصوله إلى الدار البيضاء، كانت القنيطرة محطة بارزة في مساره القضائي، حيث تولى رئاسة محكمة الاستئناف بها خلفًا للمصطفى الغزال، وجرى تنصيبه رسميًا في فبراير 2024، في مناسبة حضرها عدد من المسؤولين القضائيين والإداريين والقضاة والمحامين والمنتخبين وشخصيات مدنية وعسكرية.
وكانت هذه المرحلة امتدادًا لمسار مهني سبقتها تجربة في رئاسة المحكمة الابتدائية بالرباط، بما يعكس تدرجًا واضحًا في تحمل المسؤوليات داخل الهرم القضائي، من تدبير
المحكمة الابتدائية إلى قيادة مؤسسة استئنافية، ثم الانتقال إلى واحدة من أكبر المحاكم الاستئنافية بالمملكة.

ولم تكن تجربة استئنافية القنيطرة مجرد محطة زمنية في المسار، فقد ارتبطت بحصيلة قضائية حملت أرقامًا دالة. ففي افتتاح السنة القضائية 2025، استعرض الرئيس الأول آنذاك حصيلة الدائرة القضائية، مشيرًا إلى أن نسبة الملفات المحكومة مقارنة بالملفات المسجلة بلغت 109.4 في المائة، فيما بلغت نسبة الإنجاز الإجمالية لمحكمة الاستئناف بالقنيطرة والمحاكم التابعة لدائرتها 107.1 في المائة، مع الإشارة إلى تصفية 97 في المائة من الملفات المزمنة المسجلة بين سنتي 2018 و2022.

وتمنح هذه المؤشرات صورة عن حجم الرهان الذي وضعته تلك المرحلة على تدبير القضايا والرفع من وتيرة الإنجاز، في سياق أصبحت فيه النجاعة القضائية، واحترام الآجال، وجودة الأداء، من أبرز المقاييس المرتبطة بتطوير المرفق القضائي.

وفي 25 يونيو 2025، انتقل عبد الهادي زحاف إلى محطة جديدة وأكثر اتساعًا، بعدما جرى تنصيبه رسميًا رئيسًا أول لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، خلفًا لعبد العزيز الفتحاوي، الذي تحمل مسؤولية رئاسة المحكمة لنحو تسع سنوات.

وجاء حفل التنصيب بحضور عدد من أبرز المسؤولين القضائيين والإداريين والترابيين والأمنيين والعسكريين، وممثلي مهنة المحاماة والمنتخبين، من بينهم محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهشام بلاوي، رئيس النيابة العامة، وعبد الرحيم مياد، الكاتب العام لوزارة العدل، إلى جانب مسؤولين وفاعلين مؤسساتيين ونقباء هيئات المحامين.

وفي تلك المناسبة، عبّر الرئيس الأول الجديد عن اعتزازه بالثقة الملكية التي حظي بها، بعدما قدم إلى الدار البيضاء قادمًا من استئنافية القنيطرة، حيث قضى نحو ستة عشر شهرًا على رأسها، كما حرص على التنويه بما أنجزه سلفه عبد العزيز الفتحاوي خلال فترة تحمله مسؤولية رئاسة المحكمة.

وتكشف الكلمات التي ارتبطت بمختلف المحطات القضائية التي تحمل فيها زحاف المسؤولية عن تصور يضع عددًا من المبادئ في صدارة العمل القضائي؛ في مقدمتها احترام الآجال المعقولة للبت في القضايا، وضمان شروط المحاكمة العادلة، وتحقيق العدالة بين المتقاضين، والارتقاء بجودة الأحكام، وتحسين أداء المرفق القضائي.

وفي افتتاح السنة القضائية 2026 بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، برزت المحاور نفسها ضمن الاهتمام بالنجاعة القضائية وجودة الأحكام واحترام آجال البت وشروط المحاكمة العادلة، إلى جانب الحكامة وتحسين ظروف استقبال المرتفقين وتطوير آليات العمل القضائي.

وهنا تكتسب تجربة الرئيس الأول في تدبير المحاكم دلالة خاصة، لأن المسؤولية القضائية لا تختزل في تدبير الملفات والأرقام، وإنما تمتد إلى بناء مناخ مؤسساتي يضع المتقاضي في صلب الخدمة القضائية، ويعزز التنسيق والتواصل بين مختلف مكونات أسرة العدالة.

وقد تجسد هذا الجانب أيضًا في التواصل المؤسساتي مع المهن القانونية، ومن ذلك اللقاء الذي جمع عبد الهادي زحاف بالمجلس الجهوي للموثقين بالدار البيضاء في دجنبر 2025، حيث جرى تناول عدد من الإشكالات العملية المرتبطة بظروف العمل وتيسير المساطر وتحسين جودة الخدمات القضائية.

ولا يتوقف حضور القاضي في المشهد المهني عند حدود المناصب التي تقلدها، إذ ارتبط اسمه كذلك بعدد من النقاشات المهنية والقضائية المتعلقة بتطوير العمل القضائي وتدبير بعض الملفات المتخصصة. وخلال فترة تحمله مسؤولية رئاسة المحكمة الابتدائية بالرباط، تناول في تصريحات صحفية قضايا مرتبطة بالمسؤولية الطبية والخبرة القضائية، كما تحدث عن تجربة المحاكمات عن بُعد ونتائجها في مرحلة شهدت تحولًا مهمًا في طرق اشتغال المحاكم.

ومن خلال هذه المحطات المتعاقبة، يتضح مسار مهني يقوم على التدرج في تحمل المسؤولية، من رئاسة محكمة ابتدائية إلى رئاسة محكمة استئناف، ثم إلى قيادة مؤسسة قضائية ذات ثقل مؤسساتي كبير في العاصمة الاقتصادية للمملكة.

غير أن قيمة المسار القضائي لا تُقاس بعدد المناصب وحدها، بل بحجم الأمانة التي يحملها كل منصب، وبما يقتضيه من التزام بالقانون، وتجرد في أداء الوظيفة، واحترام لحقوق المتقاضين، وحرص على أن تظل العدالة فوق كل اعتبار.

ومن هذا المنظور، فإن رئاسة عبد الهادي زحاف لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء تمثل مسؤولية تتقاطع فيها هيبة المؤسسة مع صرامة القانون، والنجاعة مع جودة الأحكام، وسرعة البت مع ضمانات المحاكمة العادلة، والانضباط الإداري مع حسن استقبال المرتفقين.

إنها معادلة دقيقة، لأن قوة القضاء لا تُقاس فقط بقدرته على إصدار الأحكام، وإنما أيضًا بقدرته على ترسيخ الثقة في المؤسسات، وجعل القانون حاضرًا في حياة المواطن، واضحًا في مساطره، متوازنًا في تطبيقه، ومحميًا باستقلال القضاء وضماناته.

وفي هذا السياق، يقف الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء أمام مسؤولية مؤسساتية واسعة، داخل دائرة قضائية ذات وزن استثنائي، وفي مرحلة أصبحت فيها النجاعة وجودة الخدمات واحترام الآجال وتطوير آليات العمل من أبرز رهانات إصلاح منظومة العدالة.

والفخر بمسار رجل العدل لا يحتاج إلى الإفراط في الأوصاف، لأن هيبة القضاء أكبر من أن تُبنى على المديح وحده. فالقيمة الحقيقية تكمن في التجربة، وفي ثقل المسؤولية، وفي ما يفرضه المنصب من التزام دائم بالقانون وبالمؤسسة وبحقوق الناس.

عبد الهادي زحاف، في موقعه الحالي، ليس مجرد اسم يتصدر واجهة محكمة كبرى، وإنما قاضٍ راكم تجربة في مواقع متعددة من المسؤولية القضائية، وانتقل من محطة إلى أخرى في مسار جعل من التدبير القضائي والنجاعة وجودة الأداء محاور حاضرة في تجربته المهنية.

وفي رحاب العدالة، حيث ينبغي أن يظل القانون فوق الأشخاص، تظل هيبة المسؤول القضائي مستمدة من هيبة المؤسسة التي يمثلها، ومن احترامه للقواعد التي تحكمها، ومن قدرته على صيانة التوازن الدقيق بين سلطة القانون وحقوق المتقاضين.
ومن القنيطرة إلى الدار البيضاء، تتواصل اليوم مسيرة عبد الهادي زحاف داخل واحدة من أبرز الواجهات القضائية بالمملكة؛ مسيرة تحمل في محطتها الجديدة حجمًا أكبر من المسؤولية، وتضع أمام صاحبها تحديات مؤسسة قضائية كبرى، بما تتطلبه من تجربة ورصانة وحزم وحسن تدبير.

وهكذا يصبح عنوان المرحلة ليس فقط رئاسة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وإنما ما تحمله هذه الرئاسة من أمانة: أن تظل العدالة قوية في مؤسساتها، واضحة في مساطرها، رصينة في أحكامها، وقريبة من المتقاضي، وأن تظل هيبة القانون هي العنوان الأعلى لكل ممارسة قضائية.

عبد الهادي زحاف... مسار قاضٍ قادته التجربة إلى واجهة العدالة بالدار البيضاء، ومسؤولية تجعل من رئاسة المحكمة عهدًا مؤسساتيًا عنوانه القانون، والنجاعة، والإنصاف، وهيبة العدالة.