إدريس شحتان.. من صرامة الكلمة إلى قيادة المشهد الإعلامي المغربي
هناك أسماء تمر في الصحافة المغربية، وأسماء تترك بصمتها في مسارها. وإدريس شحتان ينتمي إلى الصنف الثاني؛ صحافي اختار منذ بداياته أن يجعل من الكلمة مهنة، ومن المؤسسة الإعلامية مشروعاً، ومن الحضور المهني مسؤولية تتجاوز حدود المنبر الذي يديره إلى قضايا أوسع ترتبط بمستقبل الصحافة والنشر في المغرب.
إنها سيرة رجل مغربي ارتبط اسمه لسنوات بالصحافة المكتوبة، ثم بالإعلام الرقمي، قبل أن يتسع حضوره إلى مجال الإنتاج السمعي البصري والسينمائي، وصولاً إلى موقعه في قيادة الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، حيث جدد المهنيون ثقتهم فيه رئيساً لولاية ثانية بالإجماع خلال الجمع العام العادي المنعقد بالدار البيضاء في 18 شتنبر 2025.
إدريس شحتان من مواليد مدينة فاس، المدينة العريقة التي احتضنت بدايات إدريس شحتان، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى عالم الصحافة ويترك بصمته في المشهد الإعلامي المغربي.
وارتبط اسمه في مرحلة مبكرة من مساره بأسبوعية «المشعل»، التي تولى مسؤولية إدارتها ونشرها، قبل أن يصبح أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول جزء من الصحافة المغربية من النموذج الورقي إلى الفضاء الرقمي.
وتؤكد المعطيات المتاحة في المصادر الإعلامية والمهنية أن شحتان راكم تجربة طويلة في إدارة المؤسسات الإعلامية، جعلته ينتقل من تجربة الصحافة المكتوبة إلى تأسيس وإدارة مشروع رقمي واسع الحضور، هو «شوف تيفي»، الذي تأسس سنة 2013 ويقدم نفسه كمنصة إخبارية وتلفزة إلكترونية مغربية. كما ارتبط اسمه بمجموعة من المشاريع الإعلامية والإنتاجية، من بينها العمل في مجال الإنتاج السمعي البصري والسينمائي.
ولم يتوقف المسار عند الصحافة والإعلام الرقمي؛ فقد ظهر اسم إدريس شحتان أيضاً في مجال الإنتاج السينمائي، إذ ارتبط اسمه بصفة منتج بفيلم «قلب 6/9» الصادر سنة 2024، إلى جانب أعمال إنتاجية أخرى موثقة في قواعد بيانات السينما.
أما تجربته مع أسبوعية «المشعل»، فشكّلت محطة بارزة في مساره المهني، وأسهمت في ترسيخ حضوره داخل المشهد الصحفي المغربي. ومن خلال هذه التجربة، واصل إدريس شحتان تطوير مشروعه الإعلامي وتوسيع حضوره، منتقلاً من الصحافة الورقية إلى الإعلام الإلكتروني، ومواكباً التحولات التي عرفها القطاع في أساليب الإنتاج والتوزيع والتفاعل مع الجمهور.
في سنة 2022، تولى إدريس شحتان رئاسة الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، بعد تكليفه بالمنصب إثر استقالة رشيد نيني، قبل أن تتم إعادة انتخابه لاحقاً على رأس الجمعية. وقد أعيد انتخابه سنة 2022 خلال جمع عام بالدار البيضاء، حيث عرض آنذاك رؤيته المتعلقة بتطوير القطاع وتقوية المؤسسات الإعلامية.
وجاء التجديد الثاني للثقة في 18 شتنبر 2025، حين أعيد انتخابه بالإجماع رئيساً للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين لولاية ثانية. وشهد الجمع العام المصادقة بالإجماع على التقريرين الأدبي والمالي، بحضور ممثلين ورؤساء عدد من المؤسسات الإعلامية الوطنية، بما فيها الصحافة المكتوبة والرقمية والجهوية والإذاعات الخاصة.
ولم يكن انتخابه لولاية ثانية مجرد محطة تنظيمية داخل الجمعية، بل جاء في مرحلة تعرف فيها المقاولات الصحفية المغربية نقاشاً واسعاً حول النموذج الاقتصادي للصحافة، والتحول الرقمي، والموارد البشرية، والدعم العمومي، والاستدامة المالية، وشروط ممارسة المهنة.
وفي التصورات التي قدمتها الجمعية خلال تلك المرحلة، برزت ملفات تتعلق بتحسين أوضاع المؤسسات الصحفية، والدفاع عن مصالح المهنيين، وتوسيع الدعم ليشمل مختلف المواقع الإخبارية، إلى جانب مقترحات مرتبطة بالنقل والتنقل وتحسين الأجور داخل مقاولات الصحافة.
ويكشف الخطاب المنشور باسم شحتان على الموقع الرسمي للجمعية الوطنية للإعلام والناشرين عن تركيز واضح على فكرة بناء مقاولات إعلامية قادرة على النمو والاستمرار، مع التأكيد على تطوير المهارات المهنية والأخلاقية والدفاع عن حقوق الصحافيين والإعلاميين ومواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية التي تواجه القطاع.
وبعد تجديد الثقة فيه، تم الإعلان في 26 شتنبر 2025 عن المكتب التنفيذي الجديد للجمعية. وضم إلى جانب شحتان عدداً من الأسماء المهنية المعروفة، من بينها عبد المنعم دلمي، وأحمد الشرعي، وبهية عمراني، وعبد الله الفردوس كرؤساء شرفيين، فيما ضمت لائحة نواب الرئيس عزيز الداكي، وفاطمة الزهراء الورياغلي، وهشام الخليفي، ومحمد السلهامي، وخالد بليزيد، ومحمد الهيتمي، وخالد الحريري. وأسندت مهمة الكاتب العام إلى المختار لغزيوي، فيما تولى محمد الهيتمي مهمة أمين المال.
وهكذا يجد إدريس شحتان نفسه اليوم في موقع يجمع بين تجربتين متكاملتين: تجربة رجل مارس الإعلام من داخل المؤسسة، وتجربة مسؤول مهني أصبح معنياً، إلى جانب باقي أعضاء الجمعية، بالترافع حول قضايا قطاع بأكمله.
وتكمن خصوصية تجربته أيضاً في قدرته على الانتقال بين أشكال إعلامية مختلفة. فمن «المشعل» الورقية إلى «شوف تيفي» الرقمية، ومن الصحافة إلى الإنتاج السمعي البصري والسينمائي، يتضح أن مساره لم يكن محصوراً في قالب واحد، بل ارتبط بالتحولات التي عرفها الإعلام المغربي خلال أكثر من عقدين.
وقد ساهم تأسيس «شوف تيفي» سنة 2013 في وضع شحتان في قلب التحول الرقمي الذي عرفته الصحافة المغربية، خصوصاً مع صعود الفيديو والمحتوى السريع وشبكات التواصل الاجتماعي كمصادر رئيسية لاستهلاك الأخبار لدى شرائح واسعة من الجمهور. وتصف دراسة حول ملكية وسائل الإعلام في المغرب «شوف تيفي» بأنها منصة إخبارية عربية تأسست سنة 2013 من طرف إدريس شحتان، مع حضور واسع على المنصات الرقمية.
وبعيداً عن اختلاف التقييمات حول الخط التحريري أو أسلوب المعالجة الذي تعتمده المنصة، فإن حضور «شوف تيفي» في المشهد الرقمي المغربي أصبح واقعاً إعلامياً لا يمكن تجاهله، وهو ما جعل تجربة مؤسسها مرتبطة بشكل مباشر بالنقاش حول طبيعة الصحافة الرقمية وحدودها ومسؤولياتها وعلاقتها بالجمهور.
أما على المستوى المهني، فإن شحتان لا يقدم نفسه فقط باعتباره صاحب مؤسسة إعلامية، بل باعتباره جزءاً من النقاش حول مستقبل المقاولة الصحفية المغربية. وفي تصريحات سابقة له، شدد على أهمية وجود مؤسسات إعلامية قوية وقادرة على الاستمرار، وعلى ضرورة تحسين وضعية الصحافيين وتعزيز مكانة المؤسسات الإعلامية.
وبذلك، فإن قراءة مسار إدريس شحتان لا تختزل في منصب أو مؤسسة أو مرحلة واحدة. إنها رحلة تمتد من الصحافة الورقية إلى الإعلام الرقمي، ومن إدارة المنبر إلى العمل المهني الجماعي، ومن الأخبار اليومية إلى الإنتاج السمعي البصري.
وراء هذا المسار سنوات من التجربة والاحتكاك المباشر بمهنة الصحافة، بما لها من نجاحات وتحديات واختلافات وانتقادات ومحطات صعبة. وفي المقابل، فإن إعادة انتخابه بالإجماع لولاية ثانية على رأس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين تمثل واقعة مهنية موثقة تعكس قرار أعضاء الجمعية في تلك المرحلة وتجديدهم الثقة في قيادته.
إدريس شحتان، ابن فاس، الذي حمل اسمه من صفحات «المشعل» إلى واجهة الإعلام الرقمي، ثم إلى رئاسة واحدة من أبرز الهيئات المهنية الممثلة للناشرين، يواصل كتابة فصل جديد من مساره داخل مهنة لا تمنح أصحابها كثيراً من المساحات الرمادية؛ إما أن يكون الحضور فيها عابراً، أو أن يتحول صاحبه إلى جزء من ذاكرتها.
وشحتان، بكل ما يحمله مساره من محطات مهنية وإعلامية، أصبح اسماً حاضراً في تاريخ التحول الذي عرفته الصحافة المغربية من الورق إلى الشاشة، ومن الخبر المنشور إلى الخبر المتداول، ومن المؤسسة الإعلامية التقليدية إلى المقاولة الرقمية.
وفي المحصلة، فإن تجربته تقدم صورة عن جيل من الإعلاميين المغاربة الذين عاشوا التحولات الكبرى للمهنة من داخلها، وواجهوا أسئلة الحرية والمسؤولية والاستثمار والاستدامة والتكنولوجيا، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام سؤال أكبر: كيف يمكن بناء إعلام مغربي قادر على البقاء والتطور، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مهنية الصحافي وكرامة المؤسسة الإعلامية ومسؤوليتها تجاه المجتمع؟
ذلك هو الرهان الذي يوجد اليوم في صلب تجربة إدريس شحتان، وهو أيضاً الرهان الذي ينتظر الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين خلال ولايته الثانية.
إدريس شحتان.. اسم ارتبط بالكلمة، ورجل اختار أن يواصل مساره من موقع الفاعل في صناعة الإعلام المغربي، لا من موقع المتفرج على تحولات المهنة