هناك نساء يمررن في المشهد الإعلامي مروراً عابراً، وهناك نساء يتركن خلفهن أثراً لا تصنعه الأضواء وحدها، وإنما تصنعه المواقف، والجرأة، والقدرة على تحويل المهنة إلى رسالة. وغزلان أنور تنتمي إلى الصنف الثاني؛ امرأة مغربية اختارت أن تحمل الكاميرا إلى الأماكن التي لا تحظى دائماً بالاهتمام، وأن تقترب من القضايا الحساسة التي يفضل كثيرون الابتعاد عنها، وأن تجعل من التحقيق الصحفي مساحة لطرح الأسئلة التي قد تكون مؤلمة، محرجة أو صعبة.

اسم غزلان أنور ارتبط بشكل خاص ببرنامج التحقيقات «طابو» على قناة تيلي ماروك، وهو البرنامج الذي قدمته وأعدته، وخصصته لمعالجة ظواهر وقضايا اجتماعية مثيرة للجدل، من خلال الاقتراب من الواقع والاستماع إلى الشهادات واستحضار آراء المختصين والنزول إلى الميدان. وتوثق القناة نفسها حلقات عديدة من البرنامج منذ سنة 2017، تناولت ملفات متنوعة، من بينها مشاكل طب الأسنان، والسيدا، والشعوذة، والإدمان، والأخطاء الطبية، والأدوية المهربة، والإجهاض السري، والمخدرات، وزنا المحارم وغيرها من القضايا الاجتماعية الحساسة.

ومن هنا بالضبط تبدأ قصة إعلامية مختلفة؛ قصة صحافية لم تجعل من حضورها التلفزيوني غاية، بل جعلت من الحضور في قلب القضية وسيلة لفهمها وإيصالها إلى الجمهور.

نشأت غزلان أنور في الدار البيضاء، في كنف أسرة أسهمت في صقل شخصيتها وبناء ملامح امرأة مستقلة، قوية الحضور، واثقة الخطى، قادرة على مواجهة التحديات بشجاعة وإصرار. ومن هذه البيئة تشكلت لديها شخصية تجمع بين الحس الإنساني والفضول المعرفي وروح المبادرة، وهي مقومات ستجد لاحقاً امتدادها الطبيعي في مسيرتها الصحفية والإعلامية.

درست القانون قبل أن تشدها الصحافة بصورة أكبر، ثم التحقت بالتكوين المتخصص في الصحافة والإعلام وحصلت على إجازة مهنية في المجال. كما تحدثت عن بدايات اهتمامها بالإعلام منذ الطفولة، وعن ميلها المبكر إلى طرح الأسئلة ومراقبة التفاصيل ومحاولة فهم ما يدور حولها.

ولعل هذه الخلفية تفسر جانباً من شخصيتها المهنية؛ فغزلان لم تتعامل مع التحقيق الصحفي باعتباره مجرد كاميرا وميكروفون، وإنما قدمت في تصريحات صحفية تصوراً يقوم على البحث، وإعداد الملف، وجمع المعطيات والوثائق، ومقارنة الآراء، ثم الانتقال إلى الميدان من أجل الاقتراب من القضية من مصادرها وشخوصها.

وهنا تكمن إحدى أهم ملامح تجربتها: الصحافية التي لا تنتظر القصة حتى تصل إليها، بل تذهب إليها.

برنامج «طابو» لم يكن مجرد عنوان تلفزيوني؛ فقد تحول إلى مساحة لفتح ملفات كانت حاضرة في المجتمع، لكنها غالباً ما كانت تدور في النقاشات الخاصة أكثر مما تحضر في الإعلام. وقد سجل أرشيف تيلي ماروك حلقات حول قضايا شديدة الحساسية، من بينها الحلقة المتعلقة بالسيدا سنة 2017، والتي جمعت بين شهادات حية وآراء مختصين ومحاولة تقديم الموضوع من أكثر من زاوية.

وفي واحدة من أكثر المحطات خطورة في مسيرتها، كشفت غزلان أنور في تصريحات صحفية أنها تعرضت أثناء إعداد حلقة حول السيدا لمحاولة اعتداء بواسطة إبرة طبية مستعملة. وبحسب روايتها المنشورة آنذاك، وقع الحادث أثناء التصوير، لكنها تمكنت من النجاة ومواصلة العمل على الحلقة.

هذه الواقعة، بعيداً عن عنصرها المثير، تكشف طبيعة الميدان الذي اختارته الصحافية المغربية: الاقتراب من قضايا شديدة الحساسية لا يتم دائماً في ظروف مريحة أو آمنة، وهو ما جعل تجربة «طابو» مختلفة عن العمل التلفزيوني التقليدي.

ولم تكن تلك الحلقة وحدها التي صنعت حضورها. فقد وثقت قناة تيلي ماروك عدداً كبيراً من التحقيقات والمواضيع التي حملت توقيع البرنامج، من التحقيق في بعض ممارسات طب الأسنان، إلى الإدمان، والأخطاء الطبية، والأدوية المهربة، والإجهاض السري، والمخدرات، والشعوذة، وغيرها من الملفات الاجتماعية.

وقد لفت هذا الأسلوب انتباه عدد من المنابر الصحفية المغربية والعربية التي تناولت تجربة غزلان أنور باعتبارها تجربة نسائية في صحافة التحقيق. ووصفتها تغطيات صحفية آنذاك بالصحافية الجريئة التي اختارت الاقتراب من الملفات المسكوت عنها، فيما ركزت تغطيات أخرى على المخاطر التي واجهتها أثناء التصوير.
أما هي، فلم تقدم نفسها باعتبارها امرأة خارقة للمخاطر، بل تحدثت عن صحافة التحقيق باعتبارها مهنة شاقة تتطلب الإصرار والمعرفة والقدرة على مواجهة الواقع. وفي حوار مطول معها، كشفت أيضاً عن طموحها في أن تصبح مرجعاً في صحافة التحقيق على المستوى العربي والدولي، وعن حلمها بإنشاء أكاديمية متخصصة في تدريس هذا النوع الصحفي.

ومن الجوانب اللافتة في مسيرتها كذلك أنها لم تتوقف عند حدود العمل التلفزيوني؛ فقد تحدثت عن مواصلة دراسة القانون، وعن اهتمامها بالموسيقى والمسرح والرياضة، وعن رؤيتها الخاصة للعلاقة بين الصحافي والمعرفة القانونية. وهي رؤية تحمل دلالة مهمة، لأن الصحافي الذي يقترب من الملفات الحساسة يحتاج، إلى جانب أدوات المهنة، إلى فهم القواعد القانونية التي تحكم الوقائع والحقوق والمسؤوليات.

وفي سنة 2018، برز اسم غزلان أنور ضمن المتوجين في مونديال القاهرة للإنتاجات الفنية والإعلامية، حيث تم تكريم مقدمة برنامج «طابو» ضمن قائمة المتوجين المغاربة. وتؤكد تغطيات الحفل المنشورة آنذاك إدراج اسمها ضمن المكرمين إلى جانب أسماء فنية وإعلامية مغربية معروفة.

ذلك التكريم لم يكن مجرد لحظة احتفالية في مسارها؛ فقد تحدثت غزلان نفسها عن إحساسها بأن التكريم يرفع سقف المسؤولية، وأنه ليس تشريفاً فقط، وإنما تكليف بمواصلة العمل وتقديم الأفضل.

واللافت في تجربتها أن المرأة فيها ليست مجرد صورة أمام الكاميرا، وإنما صحافية تنزل إلى الشارع، تبحث، تسأل، تستمع، تواجه، وتعود إلى الجمهور بمادة تحاول أن تضع القضية أمامه بكل تعقيداتها.

وهذه الصورة تحديداً تستحق الاحتفاء.
فالمرأة المغربية أثبتت، عبر عقود من الحضور في مختلف المجالات، أنها قادرة على الوصول إلى مواقع المسؤولية والإبداع والقيادة، وأن حضورها في الإعلام لم يعد محصوراً في التقديم أو الظهور، بل امتد إلى التحقيق والإنتاج وصناعة المحتوى والبحث والاشتغال الميداني.

وغزلان أنور تمثل واحدة من هذه الصور المهنية التي اختارت أن تجعل من حضور المرأة في الإعلام حضوراً فاعلاً، يقوم على المبادرة والمواجهة والعمل الميداني.

قوة تجربتها لا تكمن فقط في الموضوعات التي اختارتها، وإنما في استعدادها لدفع ثمن الاقتراب منها. فالتحقيق الصحفي الحقيقي لا يُقاس بعدد الكاميرات ولا بارتفاع نبرة الصوت، وإنما بقدرة الصحافي على طرح السؤال الصحيح، والوصول إلى المعطيات، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتحمل مسؤولية ما يقدمه للجمهور.

وهذا ما جعل اسم «غزلان أنور» مرتبطاً في الذاكرة الإعلامية المغربية بمرحلة أعادت فيها برامج التحقيق الاجتماعي فتح ملفات حساسة أمام الجمهور.

لقد دخلت إلى عالم الإعلام من بوابة الحلم، وواصلت طريقها بالتكوين والتجربة، ثم وجدت في «طابو» المساحة التي سمحت لها بأن تترجم شغفها بصحافة التحقيق إلى عمل تلفزيوني جماهيري. ومن خلال هذا المسار، صنعت لنفسها هوية مهنية واضحة: صحافية ميدانية، امرأة مغربية، وصوت اختار أن يسأل حيث يصمت الآخرون.

وليس من الضروري أن يتفق الجميع مع كل معالجة صحفية أو كل طريقة في تناول قضية ما؛ فالصحافة بطبيعتها مساحة للنقاش والاختلاف.
لكن الثابت في تجربة غزلان أنور هو أنها اختارت جنساً صحفياً يحتاج إلى الجرأة والصبر والاحتكاك المباشر بالواقع، واستمرت في بناء اسمها داخله.
ومن حق امرأة اختارت هذا الطريق أن تُحتفى بها بعيداً عن المبالغة التي تفرغ الإنجاز من معناه؛ لأن أجمل تكريم للصحافي ليس أن يُقال عنه إنه مشهور، وإنما أن يُذكر ما تركه من أثر في مهنته، وما الملفات التي فتحها، والأسئلة التي طرحها، والمساحات التي منحها لأصوات كانت تبحث عن من يسمعها.

غزلان أنور ليست فقط مقدمة برنامج «طابو».
إنها تجربة امرأة مغربية اختارت أن تجعل من الميكروفون أداة للسؤال، ومن الكاميرا نافذة على الواقع، ومن الميدان مدرسة، ومن الصحافة مسؤولية.

وفي مشهد إعلامي يحتاج دائماً إلى أسماء تؤمن بأن المهنة أكبر من الشهرة، تبقى تجربتها واحدة من التجارب النسائية التي تستحق التوقف عندها، لا لأنها امرأة فحسب، ولا لأنها صحافية فحسب، بل لأنها اختارت لنفسها موقعاً صعباً في قلب صحافة التحقيق، ودفعت من وقتها وجهدها وشجاعتها ثمن الوصول إلى الحقيقة كما تراها وتبحث عنها.
غزلان أنور... امرأة مغربية دخلت الميدان لا بحثاً عن الضوء، بل بحثاً عما يوجد خلفه.

وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة، وهنا أيضاً يستحق اسمها أن يُكتب بحروف تليق بامرأة جعلت من الصحافة مهنة، ومن الجرأة موقفاً، ومن السؤال بداية الطريق.