من رمال الأطلسي إلى عمق الصحراء، ينبض الجنوب المغربي بعزيمة بناء المستقبل، ليصبح جسراً قارياً ينبض بالحياة والازدهار. هنا، حيث تمتد الأرض في فضاء مفتوح على المحيط الأطلسي، تتشكل ملامح تحول تنموي واسع لا يقتصر على تشييد الطرق والمنشآت، وإنما يرتبط بإعادة بناء وظائف المجال، وتعزيز جاذبيته الاقتصادية، وربطه بمحيطه الوطني والإفريقي والدولي.

في العيون والداخلة وبوجدور والسمارة وكلميم ومختلف أقاليم الجنوب، تتقاطع مشاريع البنية التحتية مع الاستثمار والإنتاج والطاقة والماء واللوجستيك، ضمن رؤية رسمت الأقاليم الجنوبية كجزء أساسي من الدينامية الاقتصادية للمملكة. وقد جعلت الدولة المغربية من التنمية المندمجة إحدى ركائز سياستها تجاه هذه الأقاليم، من خلال النموذج التنموي الجديد الذي أُعلن عنه سنة 2015، والذي رُصد له عند إطلاقه غلاف مالي يتجاوز 77 مليار درهم، بهدف خلق دينامية اقتصادية واجتماعية، وتعزيز فرص الاستثمار والشغل، وتطوير البنيات والتجهيزات الأساسية.

وتحمل العيون اليوم صورة مدينة تتوسع وظائفها الحضرية والاقتصادية، فيما تواصل الداخلة ترسيخ حضورها كواجهة أطلسية ذات إمكانات متعددة، تجمع بين الصيد البحري والسياحة والفلاحة والطاقة واللوجستيك. وفي هذا المشهد، لا تبدو البنية التحتية مجرد إسمنت وحديد وطرق، بل أدوات لإعادة صياغة علاقة الجنوب بالاقتصاد الوطني وبالمجال الإفريقي.

ويأتي الطريق السريع تيزنيت–الداخلة في مقدمة هذه الأوراش الكبرى. فالمشروع يهيكل الطريق الوطنية رقم 1 على مسافة تناهز 1055 كيلومتراً، من خلال إنجاز طريق سريع بين تيزنيت والعيون على امتداد 550 كيلومتراً، وتوسيع الطريق بين العيون والداخلة على مسافة تقارب 500 كيلومتر. ووفق المعطيات الحكومية، ساهمت مرحلة الإنجاز في خلق نحو 2.5 مليون يوم عمل، كما شاركت فيها مقاولات ومكاتب دراسات ومختبرات مغربية.

هذه الطريق ليست مجرد محور للنقل. إنها شريان اقتصادي يختصر المسافات، ويخفض كلفة ومدة نقل السلع، ويدعم حركة الأشخاص والبضائع، ويعزز قابلية الأقاليم الجنوبية لاستقبال استثمارات جديدة. ومع اكتمال حلقات الربط، يصبح الجنوب أكثر اتصالاً بباقي التراب الوطني، وأكثر قدرة على الاضطلاع بدور اقتصادي يتجاوز حدوده الجغرافية.

وفي الأفق الأطلسي، يبرز مشروع ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره أحد المشاريع المهيكلة التي تراهن عليها الرؤية التنموية للمنطقة. فقد سبق أن أكد جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره في خطب ملكية، أهمية الواجهة الأطلسية للأقاليم الجنوبية باعتبارها مجالاً للتكامل الاقتصادي والانفتاح على العمق الإفريقي، وربط ذلك بتطوير الموانئ والاقتصاد البحري والطاقات المتجددة.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للداخلة، التي يمكن أن تشكل نقطة اتصال بين الاقتصاد المغربي والأسواق الإفريقية، خصوصاً مع تطور الرؤية الملكية للواجهة الأطلسية للمملكة والانفتاح على دول القارة.

أما الطاقة، فقد أصبحت واحدة من أبرز مكونات التحول الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية. فالمؤهلات الطبيعية للمنطقة، من الرياح والشمس والمجال المفتوح، تتيح إمكانات مهمة لتطوير الطاقات المتجددة، وهو توجه ارتبط منذ إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية بمشاريع الطاقة الشمسية والريحية وربط المنطقة بالشبكة الكهربائية الوطنية.

وفي هذا السياق، تتجاوز الطاقة وظيفتها التقليدية باعتبارها مصدراً للكهرباء، لتصبح عنصراً في بناء اقتصاد جديد قادر على استقطاب صناعات ومشاريع مرتبطة بالتحول الطاقي، والهيدروجين الأخضر، والتكنولوجيات منخفضة الكربون. وقد برزت خلال سنة 2026 مؤشرات على تنامي الاهتمام الاستثماري بمؤهلات جهة الداخلة–وادي الذهب في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنيات منخفضة الكربون.

وإذا كانت الطاقة تمثل إحدى بوابات المستقبل، فإن الماء يمثل شرطاً أساسياً لاستدامته. ولهذا احتلت مشاريع تحلية مياه البحر مكانة متقدمة في السياسات العمومية المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، بما يخدم السكان والقطاعات الإنتاجية، من الفلاحة إلى السياحة والصناعة. وقد وجه جلالة الملك في خطاب ملكي حديث إلى توسيع محطة تحلية المياه بالداخلة، وربط تطوير قدراتها بالمؤهلات الكبيرة للمنطقة في مجال الطاقات النظيفة.

ومن هنا تتضح صورة التنمية باعتبارها منظومة متكاملة: طريق يربط، وميناء ينفتح على العالم، وطاقة تستثمر في المستقبل، وماء يؤمن الاستقرار الإنتاجي، ومجال رقمي يواكب الاقتصاد الجديد، وموارد بشرية تحتاج إلى التكوين والفرص حتى تتحول المشاريع الكبرى إلى قيمة اجتماعية واقتصادية ملموسة.

ولا تنفصل هذه الدينامية عن البعد الإفريقي الذي أصبح حاضراً بقوة في الرؤية الاستراتيجية للمملكة. فالموقع الجغرافي للأقاليم الجنوبية يمنحها إمكانية الاضطلاع بدور في الربط بين المغرب وعمقه الإفريقي، وهو تصور عبّر عنه الخطاب الملكي من خلال الدعوة إلى جعل الواجهة الأطلسية الجنوبية مجالاً للتكامل الاقتصادي والإشعاع القاري والدولي.

وتتقاطع هذه الرؤية مع مشاريع ذات امتداد قاري، من بينها مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب، الذي شهد خلال يوليوز 2026 توقيع الاتفاق الحكومي الدولي المؤطر لتطويره، بطول يقارب 6800 كيلومتر، في إطار مشروع يستهدف نقل الغاز من نيجيريا نحو المغرب وربطه لاحقاً بشبكة الغاز الأوروبية.

وهكذا، فإن الصحراء المغربية كما تظهر في خريطة المشاريع الكبرى ليست فضاءً معزولاً، وإنما جزء من تصور أوسع لإعادة توزيع الوظائف الاقتصادية وتعزيز الترابط بين شمال المملكة وجنوبها، وبين المغرب والقارة الإفريقية، وبين الاقتصاد الوطني والمجالات الأطلسية.

وفي قلب هذه الأوراش يبقى الإنسان هو الاختبار الحقيقي لأي نموذج تنموي. فنجاح المشاريع لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو طول الطرق أو عدد المنشآت، وإنما بقدرتها على خلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، ودعم المقاولات المحلية، وتطوير التعليم والتكوين، وتعزيز الصحة والثقافة والرياضة، وإتاحة الفرصة أمام الشباب والنساء للمساهمة في الاقتصاد الجديد.
ومن هذه الزاوية، فإن التنمية في الأقاليم الجنوبية تطرح نفسها كمسار طويل الأمد، يحتاج إلى مواصلة الاستثمار، وحسن التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم النتائج على أرض الواقع، حتى تتحول البنيات التحتية والمشاريع الكبرى إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن بأثرها المباشر في حياته اليومية.

لقد انتقلت صورة الجنوب المغربي، على مدى عقود، من فضاء جغرافي واسع إلى مجال تتشكل فيه مراكز حضرية واقتصادية جديدة، وتتعاظم فيه أهمية الموانئ والطرق والطاقة والماء واللوجستيك. وهذا التحول يرتبط، وفق التصور الرسمي المغربي، بمسار استراتيجي جعل من الأقاليم الجنوبية مجالاً للتنمية المندمجة ولتعزيز الاندماج الاقتصادي والوطني والانفتاح الإفريقي.

ومن العيون، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع الحاضر التنموي، إلى الداخلة، حيث يلتقي الصحراء بالمحيط والأفق الإفريقي، تبدو ملامح جنوب جديد تتشكل تدريجياً: مدن تتوسع، طرق تمتد، موانئ تتقدم، طاقات تتجدد، ومشاريع تبحث عن موقع لها في اقتصاد المستقبل.

إنها حكاية أرض اختارت الدولة المغربية أن تجعل من تنميتها رافعة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، ومن موقعها الأطلسي بوابة نحو إفريقيا، ومن مؤهلاتها الطبيعية أساساً للتحول الطاقي، ومن بنياتها التحتية جسوراً نحو الأسواق والمجالات الجديدة.

وفي هذا المشهد، تبقى السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية جزءاً من الموقف الرسمي الثابت للمملكة، فيما تُقدَّم التنمية والاستثمار وتحسين ظروف العيش باعتبارها مسارات موازية لهذا التصور السياسي والوطني. وتؤكد الرباط في هذا الإطار تمسكها بمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة، بينما تواصل على المستوى التنموي تنفيذ المشاريع المهيكلة التي تراها رافعة لمستقبل المنطقة.

من رمال الأطلسي إلى عمق الصحراء، لا تتوقف الحكاية عند مشروع أو طريق أو ميناء؛ إنها مسيرة بناء تتسع خرائطها مع كل ورش جديد، وتبحث عن مكان للجنوب المغربي في الاقتصاد الوطني والقاري والعالمي.

وهنا تكمن صورة المستقبل: جنوب مغربي موصول بالشمال، مفتوح على الأطلسي، متفاعل مع إفريقيا، مستفيد من الطاقات النظيفة، ومسنود ببنية تحتية حديثة، في إطار الرؤية التنموية التي ارتبطت بتوجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.

إنها بوابات نور تُفتح على أفق تنموي جديد، حيث تتحول الجغرافيا إلى فرصة، والموقع إلى قوة اقتصادية، والطاقة إلى استثمار في المستقبل، والتنمية إلى عنوان مستمر لمسار طويل من البناء