من أولاد تايمة بإقليم تارودانت، انطلق المسار السياسي والمهني لعبد الصمد قيوح، الذي راكم على امتداد عقود تجربة جمعت بين النشاط الاقتصادي، والعمل الانتخابي، والمسؤولية الترابية، والحضور داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، قبل أن يعود في انتخابات شتنبر 2026 إلى الواجهة البرلمانية ممثلاً لدائرة تارودانت الجنوبية عن حزب الاستقلال.

ولد عبد الصمد قيوح سنة 1966 بمدينة أولاد تايمة، وينحدر من عائلة ارتبط اسمها تاريخياً بالعمل السياسي والحزبي في منطقة سوس. حصل على دبلوم في التجارة الدولية، وتابع تكوينات مرتبطة بتدبير المقاولات والقطاع الفلاحي، قبل أن يخوض تجربة مهنية في مجال الإنتاج والتصدير الفلاحي.

ومنذ بداية مساره المهني، ارتبط قيوح بالقطاع الفلاحي، حيث تولى مسؤوليات إدارية في شركة تنشط في إنتاج وتصدير الحوامض وعنب المائدة. وقد شكل هذا المسار الاقتصادي أحد مكونات تجربته قبل الانتقال إلى العمل السياسي، خصوصاً أن النشاط الفلاحي يحتل موقعاً محورياً في اقتصاد منطقة سوس ومحيط تارودانت.

ومع دخوله الحياة السياسية سنة 1997، بدأ قيوح في بناء مسار مؤسساتي امتد من المستوى المحلي إلى الإقليمي والجهوي ثم الوطني. وانتُخب عضواً بمجلس النواب عن دائرة تارودانت الجنوبية في ولايات تشريعية سابقة، ليصبح اسمه مرتبطاً بالتمثيلية البرلمانية للمنطقة وبالعمل السياسي داخل حزب الاستقلال.
وعلى المستوى الترابي، تولى رئاسة المجلس الإقليمي لتارودانت، كما شغل مسؤوليات على صعيد جهة سوس ماسة، إلى جانب حضوره في تدبير الشأن المحلي بأولاد تايمة. وقد منحته هذه التجربة احتكاكاً مباشراً بمختلف مستويات الإدارة المنتخبة، وبالملفات المرتبطة بالتنمية المحلية والاقتصاد والمجال.

وكانت سنة 2012 محطة بارزة في مساره، بعدما عُيّن وزيراً للصناعة التقليدية في حكومة عبد الإله بنكيران. وخلال هذه المرحلة انتقل من فضاء التمثيلية الانتخابية والتدبير الترابي إلى تحمل مسؤولية حكومية مرتبطة بقطاع اقتصادي واجتماعي له امتداد واسع في مختلف جهات المملكة.

غادر قيوح الحكومة سنة 2013، لكنه حافظ على حضوره داخل حزب الاستقلال، قبل أن يعود إلى واجهة القيادة الحزبية من خلال عضويته في اللجنة التنفيذية التي صادق عليها المجلس الوطني للحزب في أكتوبر 2024. وضمت اللجنة الجديدة أسماء وازنة من قيادات الحزب، وكان عبد الصمد قيوح من بين أعضائها.

هذا الحضور داخل الجهاز التنفيذي لحزب الاستقلال تزامن مع عودة قيوح إلى الحكومة من بوابة قطاع النقل واللوجيستيك، وهي حقيبة ترتبط مباشرة بحركة الاقتصاد الوطني وبالنقل الطرقي وسلاسل الإمداد والبنيات اللوجيستيكية وتنافسية المقاولات.

وخلال تحمله مسؤولية قطاع النقل واللوجيستيك، انخرط قيوح في عدد من الملفات المرتبطة بالمهنيين وبالنقل الطرقي واللوجيستيك، كما شارك في لقاءات ومناسبات مهنية تناولت تطوير البنيات اللوجيستيكية وتعزيز الربط الاقتصادي والتجاري للمغرب.

وقد منحته هذه المسؤولية الحكومية موقعاً على تماس مباشر مع ملفات ذات امتدادات اقتصادية واجتماعية واسعة، من تنظيم النقل الطرقي إلى تطوير منظومة اللوجيستيك ومواكبة حاجيات المهنيين وتعزيز تنافسية سلاسل التوريد.

وفي سنة 2026، ظل قيوح حاضراً في المشهد الحكومي بصفته وزيراً للنقل واللوجيستيك، قبل أن يدخل الاستحقاق التشريعي ليترشح مجدداً بدائرة تارودانت الجنوبية باسم حزب الاستقلال.

وجاءت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 لتعيده إلى مجلس النواب عن الدائرة نفسها. ووفق النتائج النهائية المؤقتة المعلنة، تصدر عبد الصمد قيوح نتائج تارودانت الجنوبية بحصوله على 25 ألفاً و392 صوتاً، ليحصل حزب الاستقلال على المقعد الأول بالدائرة، التي خصص لها أربعة مقاعد.

وأفرزت الدائرة إلى جانب قيوح كلاً من عبد الغني ليمون عن حزب العدالة والتنمية بـ23 ألفاً و810 أصوات، وحنان الماسي عن حزب الأصالة والمعاصرة بـ21 ألفاً و588 صوتاً، ونادية بوهدود بودلال عن حزب التجمع الوطني للأحرار بـ14 ألفاً و835 صوتاً، وفق النتائج النهائية المؤقتة المنشورة عقب الاقتراع.

وتحمل عودة قيوح إلى البرلمان دلالة خاصة على مستوى مساره السياسي، باعتبار أن الدائرة التي يمثلها اليوم ليست فضاءً انتخابياً جديداً بالنسبة إليه، وإنما منطقة ارتبط بها انتخابياً ومؤسساتياً على امتداد سنوات.

وبذلك يلتقي في تجربته الحالية أكثر من مسار في وقت واحد: تجربة رجل اشتغل في القطاع الفلاحي والتصدير، ومنتخب راكم خبرة في التدبير الترابي، وبرلماني عرف المؤسسة التشريعية، ووزير تحمل حقيبتين حكوميتين في مرحلتين مختلفتين، وقيادي داخل اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال.

كما أن موقعه داخل الحزب يضعه ضمن الوجوه التي تجمع بين الحضور التنظيمي والامتداد الانتخابي، وهو ما ظهر أيضاً عقب انتخابات شتنبر، عندما شارك في لقاء تنظيمي بأكادير خصص لتقييم نتائج حزب الاستقلال بدائرة تارودانت الجنوبية، بحضور عدد من قيادات الحزب والمنتخبين بالمنطقة.

مسار عبد الصمد قيوح يعكس، في محصلته، انتقالاً متدرجاً بين الاقتصاد والسياسة والمؤسسات. فقد بدأت التجربة من أولاد تايمة ومن محيط فلاحي يرتبط بقوة باقتصاد سوس، ثم انتقلت إلى المجالس المنتخبة، فالبرلمان، فالحكومة، قبل أن تستعيد حضورها البرلماني في استحقاق 2026.

ولا تختصر تجربة قيوح في المناصب التي شغلها، بل في تعدد فضاءات المسؤولية التي مر منها؛ من تدبير الشأن المحلي إلى العمل التشريعي، ومن الصناعة التقليدية إلى النقل واللوجيستيك، ومن النشاط الاقتصادي إلى القيادة الحزبية.

واليوم، تبدأ مرحلة جديدة من مساره السياسي من مقعد برلماني عن تارودانت الجنوبية، في سياق وطني تفرض فيه المرحلة المقبلة ملفات اقتصادية وتنموية ومجالية متعددة، فيما تظل قيمة التمثيلية السياسية مرتبطة بما يمكن أن يتحول من برامج والتزامات إلى عمل مؤسساتي ونتائج ملموسة على أرض الواقع.

ومن أولاد تايمة إلى البرلمان والحكومة وقيادة حزب الاستقلال، يظل اسم عبد الصمد قيوح حاضراً في المشهد السياسي المغربي باعتباره نتاج مسار طويل تداخلت فيه التجربة الاقتصادية بالعمل الانتخابي والمسؤولية الحكومية والحضور الحزبي، بينما تفتح انتخابات 2026 صفحة جديدة في علاقته بالمؤسسة التشريعية وبالدائرة التي عاد لتمثيلها من جديد.