الصراخ، والبكاء، ورفض الأوامر، ورمي الأشياء، والضرب أو حتى الانبطاح على الأرض، مشاهد قد يجدها كثير من الآباء والأمهات جزءاً من حياتهم اليومية مع أطفالهم. وغالباً ما يُفسَّر هذا السلوك سريعاً على أنه «عناد» أو محاولة لفرض الإرادة، بينما تشير الإرشادات المتخصصة في طب الأطفال والصحة النفسية للطفل إلى أن نوبات الغضب والانفعال شائعة، ولا سيما خلال السنوات الأولى من العمر، عندما تكون قدرة الطفل على التعبير عن مشاعره وتنظيمها لا تزال في طور النمو.

فالطفل الصغير قد يشعر بالإحباط أو الغضب أو الخوف أو التعب، لكنه لا يمتلك دائماً الكلمات والمهارات التي تمكّنه من التعبير عما يشعر به، فيتحول الانفعال إلى بكاء أو صراخ أو سلوك جسدي. وتزداد احتمالات نوبات الغضب عندما يكون الطفل متعباً أو جائعاً أو محبطاً أو غير قادر على الحصول على ما يريد.

وتوضح الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي للأطفال والمراهقين أن نوبات الغضب شائعة لدى الأطفال الصغار، وقد تظهر في صورة بكاء أو صراخ أو رفض أو سلوك جسدي، وغالباً ما تتراجع مع تقدم الطفل في العمر وتطور قدرته على التواصل وضبط انفعالاته.

لكن وجود نوبة غضب لا يعني أن كل سلوك يصدر عن الطفل مقبول. ومن المهم أن يميز الوالدان بين المشاعر التي يحق للطفل أن يشعر بها، والسلوك الذي يجب أن تكون له حدود واضحة. فمن حق الطفل أن يغضب، لكن ليس من حقه أن يضرب أو يعض أو يؤذي نفسه أو غيره.

ولهذا يمكن للأب أو الأم أن يقولا للطفل بهدوء: «أعرف أنك غاضب، ومن حقك أن تشعر بالغضب، لكن لا يمكنك ضرب الآخرين». بهذه الطريقة يتعلم الطفل أن المشاعر ليست خطأ، وإنما المطلوب هو تعلم طريقة آمنة للتعبير عنها.
ومن أكثر الأخطاء التي قد تزيد حدة الموقف أن يواجه الوالدان غضب الطفل بغضب مماثل، فيرتفع الصوت ويتحول الموقف إلى مواجهة. وتشير الإرشادات التربوية والصحية إلى أهمية أن يبدأ الوالد بتهدئة نفسه، لأن الطفل في ذروة الانفعال قد لا يكون قادراً على الاستجابة لنقاش طويل أو تعليمات كثيرة.

في تلك اللحظة، تكون الكلمات القصيرة والواضحة أكثر فاعلية، مثل: «أنا هنا معك»، أو «أعرف أنك غاضب»، أو «لن أسمح لك بضرب أحد». وبعد أن يهدأ الطفل، يمكن العودة إلى الحديث معه وشرح ما حدث وتعليمه البديل المناسب.

كما أن اللجوء إلى الضرب أو الإهانة أو التخويف ليس وسيلة صحية لتعليم الطفل السيطرة على غضبه. وتوصي الجهات المتخصصة في الصحة النفسية للأطفال باستخدام أساليب تربوية قائمة على القواعد الواضحة، والثبات، والتوجيه، وتعزيز السلوك الإيجابي، بدلاً من العقاب الجسدي.

فالطفل الذي يضرب لأنه غاضب يحتاج إلى أن يتعلم أن الضرب غير مقبول، وليس إلى أن يتلقى ضربة مقابلة. ويمكن للوالد أن يوقف السلوك بحزم وهدوء، وأن يبعد الطفل عن مصدر الخطر عند الضرورة، ثم يتحدث معه بعد استعادة هدوئه.

ومن الأخطاء الأخرى أن يتراجع الوالدان عن قرار سبق اتخاذه فقط لإنهاء نوبة الغضب. فإذا كان الطفل قد اعتاد الحصول على ما يريد بعد الصراخ أو البكاء، فقد يتعلم بصورة غير مباشرة أن هذه الطريقة ناجحة. لذلك من الأفضل أن يكون الوالدان ثابتين في القواعد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الهدوء والاحترام.
ويمكن أن يقول الأب أو الأم مثلاً: «أعرف أنك تريد هذه اللعبة، لكننا لن نشتريها اليوم»، ثم تجنب الدخول في جدال طويل. فالثبات لا يعني القسوة، كما أن الاحتواء لا يعني الاستجابة لكل طلب.

وتبقى الوقاية من نوبات الغضب أفضل من انتظار حدوثها. فالحصول على نوم كافٍ، والانتظام في الوجبات، وتجنب ترك الطفل يصل إلى مرحلة شديدة من الجوع أو الإرهاق، وتنظيم الأنشطة اليومية، كلها أمور قد تساعد على تقليل بعض مسببات الانفعال.

كما يمكن للوالدين أن يهيئا الطفل مسبقاً للانتقال من نشاط يحبه إلى نشاط آخر، بدلاً من إنهائه بشكل مفاجئ. ويمكن أيضاً إعطاؤه خيارات محدودة ومناسبة لعمره، مثل أن يُسأل: «هل تريد ارتداء القميص الأزرق أم الأبيض؟». مثل هذه الخيارات تمنح الطفل شعوراً بالمشاركة والاستقلال من دون التخلي عن الحدود الأساسية.

ومن المهم كذلك ألا يقتصر اهتمام الوالدين على تصحيح السلوك السيئ، بل أن يلاحظا السلوك الجيد ويعزّزاه. فعندما يطلب الطفل شيئاً بهدوء، أو ينتظر دوره، أو يعبر عن غضبه بالكلام بدلاً من الضرب، من المفيد أن يسمع كلمات واضحة مثل: «أعجبني أنك طلبت بهدوء»، أو «أحسنت لأنك أخبرتني أنك غاضب».

وتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC) بمساعدة الأطفال على التعرف إلى مشاعرهم وتسميتها وفهمها، لأن تعلم لغة المشاعر يساعدهم تدريجياً على التعبير عن أنفسهم بصورة أفضل. ويمكن للأب أو الأم أن يقول: «أنت غاضب لأن اللعبة انتهت»، أو «أعتقد أنك حزين لأننا غادرنا المكان»، بما يساعد الطفل على الربط بين ما يشعر به وما يحدث داخله.

أما عندما يتحول الغضب إلى ضرب أو عض أو ركل، فيجب أن تكون الحدود واضحة وفورية. يمكن للوالد أن يقول: «لن أسمح لك بضرب أخيك»، ثم يوقف السلوك ويبعد الطفل عن الشخص الذي يتعرض للأذى إذا كان ذلك ضرورياً. وبعد أن يهدأ، يمكن تعليمه بدائل أكثر أماناً، مثل استخدام الكلمات، أو طلب المساعدة، أو الابتعاد عن الموقف.

ولا ينبغي تجاهل كل نوبة غضب بالطريقة نفسها. فقد يكون من الممكن تجاهل بعض السلوكيات البسيطة التي تهدف إلى جذب الانتباه عندما لا تكون خطرة، لكن لا ينبغي تجاهل السلوك الذي يتضمن إيذاء الطفل لنفسه أو إيذاء الآخرين أو تدمير الممتلكات. في هذه الحالات، تكون الأولوية دائماً لحماية الطفل ومن حوله.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يُنظر إلى كل نوبة غضب على أنها دليل على وجود مشكلة نفسية. فالغضب والانفعال جزء من التطور الطبيعي للطفل، خصوصاً في مراحل عمرية معينة. لكن استشارة طبيب الأطفال أو أخصائي علم النفس أو الطبيب النفسي للأطفال والمراهقين تصبح مهمة عندما تكون النوبات شديدة أو متكررة بصورة غير معتادة، أو تؤثر بشكل واضح في حياة الطفل داخل المنزل أو المدرسة، أو تترافق مع إيذاء النفس أو الآخرين، أو تستمر وتتفاقم رغم اعتماد أساليب تربوية مناسبة وثابتة.

كما ينبغي الانتباه إلى أي تغيرات ملحوظة ومستمرة في سلوك الطفل أو نومه أو أكله أو تواصله أو علاقاته، لأن تقييم الطفل يجب أن ينظر إلى الصورة كاملة، وليس إلى نوبات الغضب وحدها. ولا يمكن تشخيص اضطراب نفسي لدى
الطفل اعتماداً على نوبات الغضب فقط؛ إذ يحتاج الأمر إلى تقييم مهني يأخذ عمر الطفل وتطوره وظروفه الأسرية والاجتماعية وسلوكه العام بعين الاعتبار.

ويؤكد المتخصصون أن التعامل مع غضب الطفل لا ينبغي أن يقتصر على محاولة إسكات النوبة في لحظتها، بل يجب أن يكون جزءاً من عملية تربوية مستمرة تساعد الطفل على فهم مشاعره وتنظيمها والتعبير عنها بطريقة آمنة.

فالطفل لا يولد وهو يعرف كيف يتحكم في غضبه، وإنما يتعلم ذلك تدريجياً من خلال النمو والتجربة والتواصل مع والديه والبيئة المحيطة به. ولذلك فإن أفضل استجابة لنوبة الغضب تقوم على الهدوء مع الحزم، والاحتواء مع وضع الحدود، والاستماع مع تعليم الطفل السلوك المناسب.

وقد تكون الجملة الأبسط هي الأكثر تأثيراً: «أفهم أنك غاضب، وسأساعدك على أن تتعلم كيف تعبّر عن غضبك من دون أن تؤذي نفسك أو الآخرين.»
إن فهم غضب الطفل لا يعني التساهل معه، كما أن وضع الحدود لا يعني القسوة عليه. وبين الأمرين تتشكل التربية المتوازنة التي تساعد الطفل على النمو النفسي والاجتماعي بصورة أكثر أماناً واستقراراً.

المصادر الطبية المرجعية: مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي للأطفال والمراهقين (AACAP)، وهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، في إرشاداتها المتعلقة بنوبات الغضب وتنظيم المشاعر والتربية والتعامل مع السلوكيات العدوانية لدى الأطفال.