حين تتحول العِشرة إلى وجع، والثقة إلى خيبة، يصبح الكلام أحياناً آخر ما يملكه الإنسان قبل أن يختار الصمت والابتعاد. ومن هذا المنطلق تأتي قصيدة «ما كاين لاش وعلاش» للشاعر خالد فولان، حاملةً في تفاصيلها حكاية إنسانية عن الصداقة التي اختُبرت في لحظة الضيق، وعن الثقة التي مُنحت بصدق، قبل أن تصطدم بأفعال لا تشبه الوفاء ولا تحفظ حرمة العِشرة.

منذ مطلع القصيدة، يضع خالد فولان القارئ أمام سؤال موجع ومباشر: ما جدوى الاستمرار في طريق فقدت فيه الثقة معناها؟ فعبارة «ما كاين لاش وعلاش» لا تأتي مجرد لازمة شعرية، وإنما تتحول إلى موقف واضح من علاقة استُنزفت فيها المشاعر، ولم يعد هناك ما يبرر استمرارها.

ويقول الشاعر: «تكمل معاي في الطريق / وما بقى علاش ما زال فيك نتيق»، ليكشف عن لحظة حاسمة يصل فيها الإنسان إلى قناعة بأن الثقة ليست كلمة تُقال، بل موقف يُثبت بالأفعال، خصوصاً عندما تأتي «ساعة الضيق»، وهي اللحظة التي تكشف حقيقة الأشخاص أكثر مما تكشفها سنوات المجاملة واللقاءات.

وتزداد حرارة الاعتراف حين يستحضر الشاعر حجم الثقة التي منحها للطرف الآخر، مؤكداً أنه وضع فيه من النية أكثر مما وضع في بعض المقربين، قبل أن تأتي الخيبة من الجهة التي لم يكن يتوقع منها الأذى. وهنا تتحول القصيدة من مجرد عتاب إلى شهادة شعرية على ألم الخذلان، حين يقول بمعنى واضح إن ما حدث لم يكن موقفاً عابراً، بل جرحاً ترك أثره في النفس.

وفي صور شعرية شعبية قوية، يستعمل خالد فولان لغة قريبة من الحياة اليومية، لكنها محمّلة بدلالات عميقة؛ فيصف انقلاب الآخر عليه بصورة «الحية» التي تلتوي، في إشارة إلى التحول المفاجئ من القرب إلى الخصومة، ومن المودة إلى الأذى، ومن الثقة إلى الحذر.

ولا يتوقف الشاعر عند حدود العتاب، بل يرفض فتح كل الملفات وكشف الأسرار، وكأنه يقول إن بعض العلاقات مهما بلغت مرارتها تستحق أن تُغلق دون فضائح. لذلك يأتي قوله «ما كاين لاش وعلاش / نحلو كاع الدفاتر / نكشفو الأسرار» ليحمل بعداً أخلاقياً أيضاً؛ فالغضب لم يدفعه إلى هتك الأسرار، رغم شعوره بأن الطرف الآخر لم يكن أميناً على العِشرة.

وتتوالى في القصيدة صور قوية عن انعدام الأمان، وعن شخص يُظهر أمام الناس وجهاً ناعماً، بينما يخفي خلفه مواقف جارحة. ويبلغ التعبير ذروته في الصورة الشعرية «وبموس حافي تطعن في الظهر»، وهي صورة تختصر معنى الغدر من دون حاجة إلى شرح طويل؛ فطعنة الظهر تأتي من حيث لا ينتظر الإنسان الأذى، وغالباً ممن منحه ثقته.
لكن قوة القصيدة لا تكمن في الغضب وحده، بل في انتقال الشاعر من مرحلة الانفعال إلى مرحلة الوعي. فبعد أن يستعرض ما يعتبره جحوداً ونكراناً للعِشرة، يصل إلى خلاصة مؤلمة: لقد طال الصبر، وكثرت الهواجس، وتحولت العلاقة إلى عبء نفسي، حتى أصبحت الحياة معها «غم على غم».

وفي هذه النقطة تحديداً، يأخذ النص منحى أكثر نضجاً؛ فالشاعر لا يكتفي بتحميل الآخر مسؤولية ما حدث، بل يعترف أيضاً بأنه كان عليه أن يتوقف في وقت أبكر، وأن يفهم أن استمرار بعض العلاقات ليس دائماً دليلاً على الوفاء، بل قد يكون أحياناً تأجيلاً لقرار أصبح ضرورياً.

وتأتي الخاتمة حاسمة: «راني عقت وفقت صافي خلاص»، وهي ليست مجرد نهاية للقصيدة، بل إعلان عن نهاية مرحلة كاملة من العلاقة. لقد انتهى العتاب، وانتهت محاولات التبرير، وأصبح القرار واضحاً: لا مجال لتكرار الجرح بالطريقة نفسها.

ومن الناحية الأدبية، تستمد «ما كاين لاش وعلاش» قوتها من صدق لغتها وقربها من الوجدان المغربي، إذ يعتمد خالد فولان على الدارجة باعتبارها لغة قادرة على نقل التفاصيل الإنسانية كما تُقال في الحياة اليومية، بما تحمله من تلقائية وحرارة وإيقاع وصور شعبية شديدة الحضور.

إنها قصيدة عن الثقة حين تُمنح بلا حساب، وعن العِشرة حين تُختبر، وعن الخيبة حين تأتي من شخص كان يُفترض أن يكون سنداً. وفي الوقت نفسه، هي قصيدة عن لحظة نادرة يصل فيها الإنسان إلى قناعة بأن بعض الأبواب لا تُغلق كرهاً، وإنما حفاظاً على ما تبقى من الكرامة وراحة البال.

وبهذا المعنى، يقدّم خالد فولان في «ما كاين لاش وعلاش» نصاً شعبياً يحمل وجع التجربة، وقوة الاعتراف، وهيبة القرار الأخير: حين تنكسر الثقة، يصبح الرحيل أحياناً أصدق من ألف محاولة لإصلاح ما لم يعد كما كان.
خالد فولان لا يكتب هنا عن خصومة عابرة، بل يصوغ من وجع العِشرة قصيدة، ومن الخذلان موقفاً، ومن النهاية كلمة واحدة تختصر كل شيء: «صافي خلاص».

القصيدة

ما كاين لاش علاش

ما كاين لاش وعلاش
تكمل معاي في الطريق
و مابقى علاش ما زال
فيك نتيق
كيفاش مازال نعول عليك
ساعة الضيق؟
كنت لي سباب المشاكل
درتي لي في راسي الحريق
جاء الوقت اللي كان خاصني
بك نتيق
درت فيك النية
اكثر من خوتي واللي لي
من بعد اللي درتي لي
ما عمرك تحلى لي
ولا بقيتي تديرها بي
هدا سر اللي في منوالة
يدير النية
واه تلويتي علي كالحية
وتقلبتي علي ببن صباح وعشية

ما كاين لاش و علاش
نحلو كاع الدفاتر
نكشفو الاسرار
وبراسك تعرف شحال
انت خطار
ما فيك امان وفعايلك
ديال الاشرار
وساهل عندك تدير في بنادم
العار
حشمت نقول ليك خاين
وغدار
قدام الناس يخرج من عندك العسل مقطر
وفي تحفر وتغدر
بالكلام تعكر
وبموس حافي تطعن في الظهر
هادشي بزاف وما بقى معاك صبر
ماصنتي طعام
وما راعيتي لعشرة ليام
الرجلة عندك غير كلام
خليتيني غادي ونخمم
زدتيني هم على هم
و حياتي معاك ولات غم على غم
كان خاصني شحال هادي نحبس معاك الهضرة والكلام
وتم تم
كان خاصني نعرف ونفهم
بلي ما انا ليك صالح ولا انت لي خدام
وشحال فعلة من فعلت جابت لي التمام
وصلت معاك للنهاية وتقاضات بيناتنا الهضرة
والكلام
وحيت ما صنتي العشرة
في بلاصتك درت حجرة
انت اللي بايديك طفيتي الجمرة
وسببتي لي المضرة
ما كاين لاش علاش
نقويوا الكلام والهضرة
راني عقت وفقت صافي خلاص
راك ما بقيتي تديرها بي مرة أخرى.

شعر.... خالد فولان.