السيد عبد الله الوردي.. مسار أمني راسخ جعل من الخبرة الميدانية عنواناً لهيبة الدار البيضاء وأمنها
في مدينة بحجم الدار البيضاء، حيث تتقاطع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية، وحيث تتحول المدينة يومياً إلى فضاء مفتوح لملايين السكان والزوار، لا تختزل المسؤولية الأمنية في الحضور الرسمي أو المظاهر المؤسساتية، وإنما تقاس بقدرة رجل الأمن على قراءة الميدان، واستباق المخاطر، وتدبير اللحظة، والحفاظ على التوازن الدقيق بين حماية الأشخاص والممتلكات وضمان النظام العام.
ومن هذه الزاوية، يبرز اسم السيد عبد الله الوردي، والي أمن الدار البيضاء، باعتباره واحداً من المسؤولين الأمنيين الذين راكموا تجربة طويلة داخل مؤسسة الأمن الوطني، وتدرجوا في عدد من المهام والمسؤوليات قبل الوصول إلى قيادة واحدة من أكثر الولايات الأمنية حساسية وأهمية في المملكة.
مسار السيد. الوردي المهني لم يبدأ من مكاتب المسؤولية العليا، وإنما من الميدان. ووفق معطيات منشورة في مجلة الشرطة ومصادر إعلامية، التحق بسلك الأمن الوطني سنة 1987 برتبة عميد شرطة، وبعد فترة التكوين بالمعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، بدأ عمله بالشرطة القضائية، قبل أن يتولى لاحقاً مجموعة من المسؤوليات بعدد من المدن والمناطق الأمنية.
وتشير المعطيات نفسها إلى أنه تحمل مسؤوليات في الشرطة القضائية بكل من ورزازات وبن مسيك وميناء الدار البيضاء، كما اشتغل رئيساً لمفوضية الشرطة بطنجة، ثم تولى مسؤوليات أمنية بمنطقة عين السبع وبن مسيك، قبل أن ينتقل إلى مسؤوليات أخرى داخل ولاية أمن الدار البيضاء. هذا التنوع في المهام منحه احتكاكاً مباشراً بمختلف جوانب العمل الشرطي، من الشرطة القضائية إلى الأمن العمومي والتدبير الإداري والميداني.
وفي سنة 2016، تولى السيد عبد الله الوردي مسؤولية والي أمن الدار البيضاء، في مرحلة كانت العاصمة الاقتصادية تعرف فيها تحديات أمنية متعددة مرتبطة باتساع المجال الحضري، وكثافة السكان، وحركية المدينة الاقتصادية، فضلاً عن الملفات المرتبطة بالجريمة وتنظيم التظاهرات الكبرى.
أما سنة 2018، فقد شكلت محطة إدارية ومهنية مهمة في مساره، بعدما تمت ترقيته رسمياً إلى رتبة والي أمن، مع التمديد له في الخدمة بعد بلوغه سن التقاعد، في قرار عكس استمرار الاعتماد على تجربته داخل المنظومة الأمنية.
ومنذ ذلك المسار، ارتبط اسم السيد الوردي في التغطيات الإعلامية بعدد من الملفات الأمنية الكبرى في الدار البيضاء، خصوصاً تلك المتعلقة بتأمين المباريات الرياضية والتظاهرات ذات الحضور الجماهيري الكبير.
ولعل مباريات كرة القدم التي يحتضنها المركب الرياضي محمد الخامس كانت من أبرز ساحات اختبار التدبير الأمني، بالنظر إلى الحشود الكبيرة التي ترافق مباريات الأندية البيضاوية والمنتخب الوطني. ففي مارس 2022، أعلن السيد الوردي عن تعبئة ما بين 4000 و4500 موظف أمن لتأمين مباراة المنتخب المغربي أمام الكونغو الديمقراطية، مع تسخير وسائل مادية وتقنية إضافية لضمان مرور اللقاء في ظروف آمنة.
وفي ماي من السنة نفسها، أعلن والي أمن الدار البيضاء عن تعبئة حوالي 6000 عنصر من القوات العمومية لتأمين نهائي دوري أبطال إفريقيا بين الوداد الرياضي والأهلي المصري، مع توظيف وسائل وآليات حديثة، في إطار ترتيبات أمنية واسعة النطاق.
هذه المحطات تكشف جانباً أساسياً من طبيعة المهمة التي تقع على عاتق والي أمن الدار البيضاء: الأمن في المدينة الكبرى لا يقوم فقط على رد الفعل بعد وقوع الأحداث، بل يعتمد بدرجة كبيرة على التخطيط المسبق، وتوزيع الموارد، والتنسيق بين مختلف المصالح، والقدرة على التعامل مع الحشود والأحداث الاستثنائية.
وفي حديثه الإعلامي خلال برنامج «بدون لغة خشب» على إذاعة ميد راديو في دجنبر 2025، قدم السيد عبد الله الوردي معطيات حول طريقة تدبير الأمن في العاصمة الاقتصادية، موضحاً أن ولاية أمن الدار البيضاء تضم 13 منطقة أمنية، تخضع للتنسيق والمتابعة، مع عقد اجتماعات دورية لمواكبة الوضع الأمني بمختلف المناطق.
كما تناول خلال الحوار الاستعدادات الأمنية المرتبطة بكأس أمم إفريقيا 2025، موضحاً أن المقاربة الأمنية تقوم على تأمين الجماهير والمنشآت الرياضية مع الحرص على انسيابية الولوج واحترام الجمهور، إلى جانب مراقبة التذاكر والأشخاص وتفعيل الإجراءات القانونية عند رصد مخالفات أو تذاكر مزورة.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل تحول المغرب إلى وجهة لاحتضان التظاهرات الرياضية الدولية الكبرى، حيث أصبحت الخبرة الأمنية في تدبير الحشود جزءاً أساسياً من منظومة التنظيم، خصوصاً مع الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030.
غير أن صورة المسؤول الأمني لا تتوقف عند الملاعب والتظاهرات الرياضية. فالعمل اليومي لولاية أمن الدار البيضاء يرتبط قبل كل شيء بمحاربة الجريمة، والاستجابة لشكايات المواطنين، وتأمين الفضاءات العامة، وتطوير وسائل التدخل، ومواكبة التحولات التي تعرفها الجريمة بمختلف أشكالها.
وفي الذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني، التي احتُفل بها في 16 ماي 2026، قدم عبد الله الوردي حصيلة العمل الأمني بولاية الدار البيضاء خلال الفترة الممتدة من 16 ماي 2025 إلى 16 أبريل 2026. وأوضح أن محاربة الجريمة ظلت في صدارة الأولويات، مع تسجيل معدل زجر تجاوز 89 في المائة من مجموع القضايا المعروضة على المصالح الأمنية، وفق المعطيات التي تم تقديمها خلال المناسبة.
كما سلطت المعطيات المقدمة خلال المناسبة الضوء على مواصلة تحديث وسائل العمل الأمني، من بينها دخول فرق الطائرات المسيرة التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني إلى الخدمة، وتعزيز مصالح الأمن بوحدات متنقلة لشرطة النجدة بهدف تحسين سرعة التدخلات الميدانية.
وتكشف هذه المؤشرات عن تحول متواصل في طبيعة العمل الأمني، من نموذج يعتمد أساساً على الحضور الميداني التقليدي إلى منظومة أكثر اعتماداً على التكنولوجيا، وتحليل المعطيات، وسرعة التدخل، وتوزيع الموارد وفق طبيعة المخاطر.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تجربة ولاية أمن الدار البيضاء عن التطور العام الذي عرفته المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجالات شرطة القرب، وتحديث البنيات، وتطوير وسائل التدخل، وتعزيز التكوين والتجهيز.
كما أن الخطاب الأمني الرسمي أصبح يولي أهمية متزايدة لجانب الخدمة العمومية، وليس فقط للجانب الزجري. وهو ما ظهر أيضاً في كلمة السيد الوردي بمناسبة الذكرى الـ68 لتأسيس الأمن الوطني سنة 2024، عندما تم إبراز مقاربة تجمع بين الحضور الوقائي والمقاربة الزجرية والتفاعل مع شكايات ونداءات المواطنين.
وهنا تبرز قيمة الخبرة المتراكمة في تدبير مدينة لا تشبه غيرها. فالدار البيضاء ليست مجرد مدينة كبرى، وإنما هي القلب الاقتصادي للمملكة، ومركز تجاري ومالي وصناعي، وفضاء يحتضن يومياً حركية بشرية واقتصادية واسعة، وهو ما يجعل تدبير أمنها مسؤولية ذات خصوصية استثنائية.
وفي مسار السيد عبد الله الوردي، تبدو سنوات العمل الميداني والتدرج داخل مختلف المصالح الأمنية جزءاً أساسياً من تكوين رجل وصل إلى قمة المسؤولية الأمنية بالعاصمة الاقتصادية.
كما أن حضوره في مناسبات وطنية وأمنية ورياضية متعددة جعله اسماً حاضراً في المشهد الأمني والإعلامي المرتبط بالدار البيضاء، دون أن يعني ذلك اختزال عمل مؤسسة كاملة في شخص مسؤول واحد؛ فالنتائج الأمنية هي في النهاية حصيلة عمل جماعي تشارك فيه مختلف الوحدات والمصالح والموظفين، تحت إشراف المديرية العامة للأمن الوطني.
وبين الخبرة الميدانية، والتدبير المؤسساتي، والتحديث التقني، والتعامل مع التظاهرات الكبرى، تواصل ولاية أمن الدار البيضاء مواجهة تحديات مدينة متحركة لا تتوقف عن التوسع والتغير.
أما السيد.عبد الله الوردي، فإن مساره الممتد منذ التحاقه بسلك الأمن الوطني سنة 1987، مروراً بمختلف المسؤوليات التي تحملها، وصولاً إلى قيادة ولاية أمن الدار البيضاء، يقدم نموذجاً لمسار مهني طويل داخل مؤسسة وطنية تقوم وظيفتها الأساسية على حماية الأشخاص والممتلكات والحفاظ على النظام العام وتطبيق القانون.
إن هيبة المسؤول الأمني، في نهاية المطاف، لا تصنعها الرتبة وحدها، ولا المكتب، ولا الزي الرسمي، وإنما تصنعها سنوات الميدان، وثقل المسؤولية، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، والعمل داخل منظومة مؤسساتية تتطلب الانضباط والدقة واليقظة.
ومن الدار البيضاء، حيث لا تنام المدينة بسهولة، يستمر رجال الأمن في أداء مهامهم على مدار الساعة، ويبقى السيد عبد الله الوردي، بما راكمه من تجربة طويلة، أحد الوجوه الأمنية التي ارتبط اسمها بتدبير أمن العاصمة الاقتصادية خلال مرحلة شهدت تحولات متسارعة في طبيعة التحديات الأمنية وفي أدوات مواجهتها