لم يكن الفوز المغربي على الغابون بهدفين دون رد مجرد ثلاث نقاط في مستهل مشوار تصفيات كأس أمم إفريقيا 2027، بل حمل معه ملامح مرحلة جديدة في مسار المنتخب الوطني، مرحلة يريد من خلالها الناخب الوطني محمد وهبي أن يحافظ على قوة المجموعة، وفي الوقت نفسه يمنح مساحة حقيقية لجيل جديد من اللاعبين الذين بدأوا يطرقون أبواب المنتخب الأول.

وعلى أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، نجح المنتخب المغربي في تسجيل بداية إيجابية في التصفيات، بعدما حسم المواجهة بهدفين حملا توقيع نصير مزراوي في الدقيقة 36 وسفيان رحيمي في الدقيقة 84، ليخرج "أسود الأطلس" بانتصار نظيف وشباك لم تستقبل أي هدف.

لكن ما لفت الانتباه أكثر من النتيجة نفسها هو الطريقة التي تعامل بها محمد وهبي مع المباراة، خصوصاً في ظل غياب عدد من العناصر الأساسية، حيث منح الفرصة لوجوه شابة مثل علي معمر وياسر الزابيري وياسين جسيم، بينما ظهر عبد الله وزان خلال اللقاء، في صورة تعكس توجه الجهاز التقني نحو توسيع قاعدة الاختيارات دون التخلي عن عناصر الخبرة.

وهبي، في حديثه عقب المباراة، لم يخف رضاه عن أداء لاعبيه، مؤكداً أن المنتخب سيطر على مجريات المواجهة وخلق عدداً من فرص التسجيل، لكنه في المقابل شدد على أن هامش التطور لا يزال واسعاً، خصوصاً على مستوى استغلال الفرص واتخاذ القرار المناسب في الثلث الأخير من الملعب.

وهذه الرسالة تبدو واضحة في فلسفة المدرب: الانتصار مهم، لكن طريقة البناء أهم، والنتيجة الإيجابية لا تعني أن ورش العمل قد انتهى. فالمنتخب، بحسب التصريحات المنقولة عن وهبي، مطالب بمواصلة التطور ورفع مستوى الفعالية، وهو ما يمنح المرحلة المقبلة أهمية خاصة في ظل الرغبة في بناء مجموعة قادرة على المنافسة على الاستحقاقات الكبرى.

ومن بين الأسماء التي حظيت باهتمام خاص، يبرز ياسر الزابيري الذي اختاره وهبي ضمن التشكيلة الأساسية، في قرار ربطه المدرب بالمستوى الذي يقدمه اللاعب مع ناديه الإسباني راسينغ سانتاندر. وفي المقابل، أثبت سفيان رحيمي مرة أخرى قيمة حضوره في المنظومة الهجومية، بعدما دخل بديلاً ونجح في تسجيل الهدف الثاني الذي منح المنتخب مزيداً من الأمان في الدقائق الأخيرة.

وهبي لم يتعامل مع الأسماء داخل المجموعة بمنطق التراتبية الجامدة، بل أكد أن جميع اللاعبين مهمون بالنسبة إليه، وأن قيمة اللاعب ترتبط بما يستطيع تقديمه عندما يحصل على فرصته. وهي مقاربة بدت واضحة أمام الغابون، حيث امتزجت خبرة أسماء مثل ياسين بونو ونايف أكرد ونصير مزراوي وسفيان رحيمي بحماس عناصر شابة تبحث عن تثبيت أقدامها داخل المنتخب الأول.

كما أثنى الناخب الوطني على علي معمر وعبد الله وزان، معتبراً أن اللاعبين الشباب أظهروا مؤهلات مهمة، خصوصاً أن وزان دخل في مرحلة لم تكن سهلة من المباراة، ومع ذلك أبان عن شخصية وقدرات جعلت حضوره محط اهتمام.

وفي الخلف، منح ثنائي نايف أكرد وعيسى ديوب المنتخب قدراً من التوازن والصلابة، بينما لعب ياسين بونو دوراً مهماً في الحفاظ على نظافة الشباك، خصوصاً في الفترات التي حاول فيها المنتخب الغابوني العودة إلى المباراة. وأشارت تقارير المباراة إلى تدخلات مهمة للحارس المغربي، ما يؤكد أن الانتصار لم يكن مجرد سيطرة هجومية، وإنما جاء أيضاً نتيجة الانضباط الدفاعي والقدرة على التعامل مع لحظات الضغط.

وتأتي هذه المباراة في سياق مرحلة انتقالية للمنتخب المغربي بعد مشاركته في كأس العالم 2026، إذ اختار وهبي منذ الإعلان عن قائمته توسيع دائرة الخيارات وإدماج أسماء جديدة. وكانت القائمة التي ضمت 29 لاعباً قد حملت حضوراً لعدد من العناصر الشابة، من بينها عبد الله وزان وسفيان الفوزي وياسر الزابيري، في إشارة إلى أن المنتخب يستعد لمرحلة لا تقتصر على المحافظة على مكتسباته، بل تهدف أيضاً إلى تجديد الدماء.
الانتصار على الغابون يفتح الآن الباب أمام اختبار مختلف تماماً، إذ سيكون على المنتخب المغربي السفر إلى جنوب إفريقيا لمواجهة ليسوتو يوم الثلاثاء 29 شتنبر بمدينة بلومفونتين، في الجولة الثانية من التصفيات، قبل أن يختتم هذا التوقف الدولي بمواجهة ودية أمام غانا يوم 4 أكتوبر بالملعب الكبير بمدينة طنجة.

وبذلك، يدخل وهبي المرحلة المقبلة وهو يحمل بين يديه معادلة دقيقة: الحفاظ على قوة المنتخب الذي عرفه الجمهور المغربي في السنوات الأخيرة، وفي الوقت نفسه منح الشباب الوقت والمساحة لاكتساب الخبرة الدولية وبناء شخصية قادرة على تحمل ضغط القميص الوطني.

المؤشرات الأولى تقول إن المدرب لا يريد صناعة منتخب يعيش على أسماء الماضي، ولا فريقاً يغامر بخبرته من أجل التجديد فقط، وإنما مجموعة تجمع بين التجربة والطموح، وبين اللاعبين الذين صنعوا حضورهم والوجوه التي تبحث عن فرصتها في أعلى مستوى.

أما الرسالة الأبرز التي خرجت من ليلة الرباط، فهي أن سقف الطموح داخل المنتخب المغربي لا يتوقف عند الفوز في مباراة أو جمع النقاط في التصفيات. فوهبي تحدث عن مشروع يتجاوز الانتصارات العابرة نحو المنافسة على الألقاب، وهو طموح يضع كل مباراة مقبلة أمام معيار أعلى من مجرد النتيجة.

ومن الرباط إلى بلومفونتين، ستبدأ مرحلة جديدة من الاختبار. هناك سيبحث المنتخب عن انتصار ثانٍ في التصفيات، وعن مزيد من الانسجام بين عناصره، وعن إجابات جديدة حول قدرة الوجوه الشابة على فرض نفسها داخل مجموعة تطمح إلى البقاء في واجهة الكرة الإفريقية.

وبين رحيمي الذي يعرف طريق الشباك، ومزراوي الذي افتتح صفحة الأهداف أمام الغابون، وأكرد وديوب في الخط الخلفي، وبونو خلف الجميع، والوجوه الشابة التي بدأت تطرق الباب بقوة، تبدو ملامح المنتخب المغربي المقبل في طور التشكل.

محمد وهبي بدأ المهمة بانتصار، لكنه يعلن بوضوح أن المشروع أكبر من مباراة، وأن الطموح الحقيقي هو بناء منتخب لا يكتفي بصناعة الانتصارات، بل يبحث عن مكانه بين المتوجين.