هناك مسارات مهنية لا تُقاس بعدد المناصب التي مرّ بها صاحبها، وإنما بحجم الملفات التي تحمّل مسؤوليتها، وبالتحولات التي ارتبط اسمه بها. وفي الحالة المغربية، يبرز اسم فوزي لقجع باعتباره شخصية جمعت، على امتداد سنوات، بين الإدارة المالية العمومية، والتدبير الرياضي، والحضور القاري والدولي، قبل أن تدخل سنة 2026 محطة جديدة مع الانخراط في العمل الحزبي.

ولد السيد فوزي لقجع يوم 23 يوليوز 1970 بمدينة بركان، وتكوّن أكاديمياً كمهندس زراعي بالمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، قبل أن يلتحق بمسار الإدارة والمالية العمومية. وتُظهر سيرته المهنية انتقاله من العمل التقني والمالي إلى مواقع أكثر مركزية داخل وزارة الاقتصاد والمالية، وصولاً إلى توليه مسؤولية مديرية الميزانية، ثم تعيينه سنة 2021 وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية.

ومن داخل دواليب المالية العمومية، تشكل جانب أساسي من تجربة لقجع؛ فمديرية الميزانية ليست مجرد منصب إداري، بل موقع يرتبط بإعداد وتنفيذ السياسات المالية للدولة، وهو ما جعل انتقاله لاحقاً إلى المجال الرياضي مختلفاً عن الصورة التقليدية لمسيري الأندية والجامعات الرياضية.

لكن الاسم الذي ارتبط لاحقاً بكرة القدم المغربية لم يصنع حضوره من داخل المكاتب الحكومية فقط. فقد كان لقجع مرتبطاً منذ سنوات بفريق النهضة الرياضية البركانية، النادي الذي ينتمي إلى مدينته الأصلية، وتولى رئاسته خلال مرحلة ساهمت في انتقال النادي من مستوى الهواة إلى فضاء المنافسة الوطنية والقارية. وتبرز المصادر الرسمية المغربية مساره من داخل النادي قبل وصوله إلى رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

وفي 13 أبريل 2014، انتُخب السيد فوزي لقجع رئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ليبدأ فصل جديد من مساره، سرعان ما تجاوز حدود تدبير المنافسات المحلية نحو إعادة بناء حضور الكرة المغربية على المستوى القاري والدولي. وما تزال الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تضعه، في 2026، على رأس مكتبها المديري ورئيساً للجامعة. كما تؤكد قاعدة بيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم عضويته في مجلس FIFA، إلى جانب رئاسته للجامعة المغربية.

ولعل أبرز محطة رياضية ارتبط بها المغرب خلال فترة رئاسة لقجع كانت المشاركة التاريخية في كأس العالم قطر 2022، حين بلغ المنتخب الوطني المغربي الدور نصف النهائي، بعد إقصاء إسبانيا في ثمن النهائي والبرتغال في ربع النهائي، ليصبح المغرب أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. وهو إنجاز موثق في السجل الرسمي للمشاركة المغربية في المونديال.

غير أن قراءة تجربة السيد لقجع في كرة القدم لا تختزل في نتيجة مونديال واحد. فخلال السنوات الماضية ارتبط اسمه أيضاً بمشاريع البنية التحتية والتكوين والتطوير المؤسساتي، ومن أبرزها مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي أصبح أحد المراكز الرئيسية في منظومة إعداد المنتخبات الوطنية. كما أن خارطة الطريق التي تطرحها الجامعة في 2026 تحت عنوان «المغرب 2030» تركز على مواصلة تطوير الأداء الرياضي وتعزيز مكانة كرة القدم الوطنية.

وعلى المستوى الإفريقي، اتسع حضور لقجع بشكل لافت. ففي أبريل 2025 أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تعيينه نائباً أول لرئيس CAF، وهو منصب يضع مسؤولاً مغربياً في موقع متقدم داخل أعلى هيئة كروية قارية. كما تشير المعطيات الرسمية للاتحاد الإفريقي إلى وجوده ضمن المكتب التنفيذي، فيما تؤكد FIFA عضويته في مجلسها منذ 2021.

وهكذا أصبح المسار المغربي في كرة القدم مرتبطاً بشبكة من المسؤوليات تتجاوز الحدود الوطنية: الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مجلس FIFA، المكتب التنفيذي لـCAF، إلى جانب مسؤوليات مرتبطة بالمالية والمسابقات داخل الاتحاد الإفريقي. وهذه المواقع تعكس اتساع دائرة حضوره داخل المؤسسات الكروية الدولية.

أما كأس العالم 2030، فهو الملف الذي يضيف بعداً استراتيجياً جديداً إلى مساره. فالمغرب يستعد لتنظيم البطولة إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وتؤكد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن الاستعدادات لهذا الحدث تشمل تعبئة واسعة وتنسيقاً متواصلاً، باعتباره ورشاً استراتيجياً للمملكة. وفي يوليوز 2026، شدد لقجع، خلال اجتماع المكتب المديري للجامعة، على ضرورة الاستعداد المبكر والعمل المشترك لإنجاح هذه المحطة العالمية.

ولا يقتصر دور السيد لقجع في هذا السياق على الجانب الرياضي، إذ ارتبط اسمه أيضاً بالجانب المالي والمؤسساتي للتحضير لكأس العالم. فقد قدم، بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، مشروع قانون إحداث «مؤسسة المغرب 2030»، في إطار الاستعدادات المرتبطة بتنظيم البطولة. كما تحدث رسمياً عن انطلاق المشاريع المرتبطة بالمونديال في مجالات متعددة.

وفي وزارة الاقتصاد والمالية، اكتسب لقجع موقعاً سياسياً وإدارياً مهماً منذ تعيينه في 7 أكتوبر 2021 وزيراً منتدباً لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلفاً بالميزانية. ومن الملفات التي ظهر فيها خلال 2026 تدبير قضايا مرتبطة بالمالية العمومية والدعم والاستثمار والبنيات التحتية. ففي شتنبر 2026، وقع باسم الحكومة اتفاقيتي تمويل مع البنك الإفريقي للتنمية بقيمة إجمالية بلغت 405 ملايين يورو، موجهة إلى مجالات تشمل الرأسمال البشري والبنيات التحتية السككية.

كما ظهر اسمه في ملفات مرتبطة بتدبير آثار الكوارث الطبيعية والدعم الاجتماعي؛ إذ أعلنت الحكومة، في مارس 2026، استفادة 15 ألف أسرة متضررة من الفيضانات من مساعدات مالية مباشرة، مع إجراءات إضافية لدعم إصلاح المنازل والمحلات المتضررة.

هذه الخلفية تفسر جانباً من خصوصية شخصية السيد لقجع: فهو ليس مسؤولاً رياضياً انتقل إلى الحكومة فحسب، ولا موظفاً مالياً دخل مجال الرياضة، بل شخصية تشكل مسارها عند نقطة تقاطع ثلاثة مجالات شديدة الحساسية: المال العام، الرياضة، والتدبير المؤسساتي.

وفي سنة 2026، دخل هذا المسار مرحلة سياسية جديدة. فقد انضم لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة في يوليوز، وأصبح عضواً في مكتبه السياسي، وفق تقارير صحفية تناولت انتقاله من موقع المسؤول الإداري والرياضي إلى العمل الحزبي المباشر. وقد أثار هذا القرار اهتماماً واسعاً في الإعلام المغربي والدولي، خصوصاً بسبب الجمع بين مسؤولياته الحكومية والرياضية والحضور السياسي الجديد.
وجاء هذا التحول في سياق انتخابي بالغ الأهمية، حيث جرت الانتخابات التشريعية المغربية يوم 23 شتنبر 2026. وأعلنت وزارة الداخلية في اليوم الموالي النتائج المؤقتة، التي تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً. وتظل هذه النتائج، وفق الصيغة الرسمية المعلنة، نتائج مؤقتة في انتظار استكمال المساطر القانونية.

وفي أعقاب هذه النتائج، برز اسم فوزي لقجع في عدد من التحليلات والتغطيات الإعلامية باعتباره واحداً من الشخصيات التي يُثار حولها النقاش بشأن المرحلة الحكومية المقبلة. غير أن هذا النقاش يبقى في نطاق التحليل والتكهن الإعلامي، ولا يعني وجود قرار رسمي بشأن رئاسة الحكومة. وقد تناولت وسائل إعلام دولية بالفعل احتمال ارتباط مستقبله السياسي بالاستحقاقات التي أعقبت انتخابات 2026، مع الإشارة إلى أسماء سياسية أخرى في النقاش نفسه.

وبعيداً عن التكهنات، فإن الثابت في مساره هو أن الرجل راكم خلال أكثر من عقدين تجربة متعددة المستويات: من المالية العمومية إلى رئاسة نادٍ رياضي، ومن قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى عضوية مجلس FIFA، ومن المسؤولية داخل CAF إلى تدبير الميزانية في الحكومة، ثم إلى الانخراط المباشر في العمل الحزبي.

إن قراءة مسار السيد فوزي لقجع تكشف عن نموذج لمسؤول مغربي صعد عبر مسارات متقاطعة، ولم يظل محصوراً في مجال واحد. فقد حمل معه من عالم المالية لغة الأرقام والانضباط المؤسساتي، ومن الرياضة منطق المنافسة وبناء المشاريع طويلة المدى، ومن المسؤولية الحكومية تجربة تدبير الملفات ذات الصلة بالسياسات العمومية، فيما أضاف دخوله الحزبي سنة 2026 بعداً جديداً إلى مساره.

وفي الوقت الذي يستعد فيه المغرب لاستحقاقات كبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، تصبح أسماء المسؤولين المرتبطين بهذه الأوراش حاضرة بقوة في النقاش العمومي. و السيد فوزي لقجع واحد من أبرز هذه الأسماء بحكم تداخل مسؤولياته الرياضية والمالية والمؤسساتية، وبحكم موقعه المتقدم داخل كرة القدم الإفريقية والدولية.

إن قصة السيد فوزي لقجع، في نهاية المطاف، ليست قصة انتقال بسيط من وزارة إلى جامعة رياضية أو من كرة القدم إلى السياسة؛ إنها مسيرة متدرجة صنعت حضوراً في أكثر من واجهة، وجعلت اسم الرجل مرتبطاً بعدد من الملفات الكبرى التي يعيشها المغرب اليوم، من تدبير الميزانية إلى تطوير الرياضة، ومن الحضور المغربي داخل المؤسسات الكروية الدولية إلى التحضير لمونديال 2030، وصولاً إلى محطة سياسية جديدة بدأت مع سنة انتخابية مفصلية.

ويبقى الفصل السياسي المقبل مفتوحاً على تطورات المؤسسات والقرارات الرسمية، فيما يظل الثابت أن فوزي لقجع أصبح، بحكم تعدد مسؤولياته وطول تجربته، واحداً من الأسماء المغربية الأكثر حضوراً في المشهد العام، وأن مساره انتقل خلال السنوات الأخيرة من الإدارة والرياضة إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه المسؤولية العمومية، الرياضة، الاقتصاد والسياسة.