محمد مهدي بنسعيد.. مسار سياسي وطني من البرلمان إلى الحكومة والقيادة الحزبية.. حضور يُكتب بثقة في واجهة المشهد المغربي
يحضر اسم السيد محمد مهدي بنسعيد اليوم ضمن الأسماء السياسية المغربية التي راكمت تجربة متدرجة عبر البرلمان والحكومة والعمل الحزبي والمجال الجمعوي، قبل أن يجد نفسه مجدداً في واجهة المشهد الانتخابي بعد تصدره نتائج دائرة الرباط–المحيط في الانتخابات التشريعية لشهر شتنبر 2026، وفق المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام وطنية، والتي أكدت أيضاً عودته إلى مجلس النواب عن الدائرة نفسها.
السيد بنسعيد، المزداد بالرباط في 26 أكتوبر 1984، ينتمي إلى جيل سياسي اختار بناء مساره من مواقع متعددة؛ من العمل الشبابي والجمعوي إلى المؤسسة التشريعية، ثم إلى المسؤولية الحكومية والقيادة الحزبية. وتشير السيرة الرسمية المنشورة من طرف وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى أنه تلقى تكويناً في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون بفرنسا، من خلال معهد الدراسات السياسية في تولوز وكلية القانون بجامعة تولوز، كما حصل على تكوين عالٍ في الشؤون الإفريقية بمعهد الدراسات السياسية بباريس، وفي العلاقات الدولية بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس.
لم يكن انتقاله إلى الحياة السياسية مرتبطاً بالبرلمان وحده، إذ بدأ حضوره من بوابة العمل الشبابي، حيث أسس رابطة الشباب الديمقراطيين المغاربة، وهي محطة ارتبطت أيضاً بمبادرة رفع أكبر علم في العالم بمدينة الداخلة، وفق السيرة الرسمية للوزارة. ومن هذه التجربة انتقل إلى المؤسسة التشريعية، فانتُخب عضواً بمجلس النواب عقب انتخابات 2011، قبل أن يتولى بين 2014 و2016 رئاسة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج، وهي مسؤولية أشارت الوزارة إلى أنه كان أصغر نائب برلماني يتولاها آنذاك.
وعلى المستوى البرلماني والدولي، تُظهر المعطيات المنشورة عن مساره مشاركته في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2017، إلى جانب حضوره في العمل المحلي بمدينة الرباط وانتخابه في المجالس المنتخبة. كما تولى، وفق مصادر صحفية وسيرته المنشورة، رئاسة اتحاد الشباب البرلمانيين الأفارقة، وهي تجربة أضافت إلى مساره بعداً قارياً في المجال البرلماني والشبابي.
وفي السابع من أكتوبر 2021، دخل بنسعيد الحكومة وزيراً للشباب والثقافة والتواصل، بعد انتخابه نائباً عن دائرة الرباط–المحيط في استحقاقات 8 شتنبر من السنة نفسها. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط اسمه بقطاعات تجمع بين الشباب والثقافة والتواصل، وهي مجالات ذات امتداد اجتماعي وإعلامي وثقافي واسع.
أما داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فقد دخل السيد بنسعيد مرحلة جديدة مع المؤتمر الوطني الخامس للحزب في فبراير 2024، عندما انتُخب ضمن القيادة الجماعية للأمانة العامة إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري وصلاح الدين أبو الغالي. وقد قدمت هذه الصيغة التنظيمية باعتبارها نموذجاً للقيادة الجماعية وتجديد أساليب العمل الحزبي، بينما أكد بنسعيد في تصريحات آنذاك أن المقاربة الجديدة تقوم على القرار السياسي الجماعي وتجاوز شخصنة القيادة.
ومن موقعه داخل القيادة الجماعية، واصل السيد بنسعيد الظهور في النقاشات المرتبطة بتجديد العمل الحزبي، وتخليق الحياة السياسية، وتعزيز التواصل مع المواطنين. وفي تصريحات رسمية للحزب سنة 2024، تحدث عن أهمية انخراط مختلف المؤسسات والمنتخبين والأطر في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية، وربط العمل الحزبي بالحاجة إلى التواصل المباشر مع المواطنين.
ولا يقتصر مساره على السياسة والمؤسسات المنتخبة، إذ ارتبط اسمه أيضاً بمجال الاستثمار والمقاولة، خصوصاً من خلال مشاركته في تأسيس شركة Neo Motors المتخصصة في صناعة السيارات بالمغرب. وتؤكد وزارة الشباب والثقافة والتواصل مشاركته في تأسيس الشركة، بينما تشير مصادر صحفية إلى أنه كان مساهماً ومؤسساً مشاركاً، مع تأكيده سابقاً أنه لا يشغل مسؤولية إدارية داخل الشركة وأن مساهمته ذات طبيعة مالية.
وتكتسب تجربة Neo Motors أهمية خاصة في مساره المهني لأنها وضعت اسمه إلى جانب مشروع صناعي مغربي في قطاع السيارات، وهو مشروع ظهر إلى الواجهة الوطنية بعد تقديم نموذج للسيارة أمام الملك محمد السادس سنة 2023. وفي المقابل، أثارت ملكيته في الشركة نقاشات إعلامية حول تضارب المصالح، وهي اتهامات نفى السيد بنسعيد صحتها، موضحاً أن المشروع سبق تعيينه وزيراً وأن صفته داخل الشركة لا تتضمن مسؤولية في التسيير.
وفي الرياضة والعمل الجمعوي، ارتبط اسمه كذلك بنادي الاتحاد الرياضي يعقوب المنصور، إلى جانب اهتمامه بالمجال الثقافي والإنتاج الفني، وهي امتدادات تعكس تعدد المجالات التي تحرك فيها قبل وصوله إلى المسؤولية الحكومية. وتورد مصادر صحفية ضمن مساره أيضاً رئاسته للنادي المغربي للدراسات والعلاقات الدولية ومشاركته في تأسيس شركة للإنتاج السينمائي والفني.
وفي محطة الانتخابات التشريعية لسنة 2026، عاد بنسعيد إلى دائرة الرباط–المحيط وكيلاً للائحة حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما أودع ترشيحه رسمياً في 31 غشت 2026. وقد أفادت تغطية صحيفة «الصحيفة» بأن لائحته ضمت عدداً من الأسماء الحزبية والشبابية، في سياق تنافس انتخابي عرف حضوراً لعدد من الأسماء السياسية المعروفة.
وبعد الاقتراع، أظهرت النتائج المنشورة من وسائل إعلام وطنية تصدر بنسعيد دائرة الرباط–المحيط، وهي دائرة خصص لها أربعة مقاعد، مع إعلان احتفاظه بمقعده البرلماني. ووفق قناة «دوزيم»، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الدائرة عبر محمد المهدي بنسعيد، متبوعاً بحزب العدالة والتنمية ثم تحالف اليسار وحزب الاستقلال. كما نشرت «هسبريس» معطيات أولية أظهرت تقدم بنسعيد في الدائرة.
وتضع هذه النتيجة مسار بنسعيد أمام محطة سياسية جديدة تجمع بين موقعه الحكومي، وعضويته في القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعودته إلى المؤسسة التشريعية ممثلاً عن دائرة الرباط–المحيط. أما ما يتعلق بالاستحقاقات الحكومية المقبلة أو الأسماء التي قد تدخل دائرة المشاورات السياسية، فيبقى رهيناً بالمسار الدستوري والقرارات والاختيارات السياسية التي ستتبلور بعد إعلان النتائج وتشكيل الأغلبية.
السيد محمد مهدي بنسعيد ليس اسماً ظهر فجأة على الخريطة السياسية المغربية؛ فمساره يمتد لأكثر من عقد ونصف بين الشباب والعمل الجمعوي والبرلمان والحزب والحكومة والمجال الاستثماري. وبين أول تجربة انتخابية سنة 2011 والعودة إلى البرلمان سنة 2026، مروراً برئاسة لجنة برلمانية، وتولي حقيبة وزارية، ثم الانضمام إلى القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، تتشكل تجربة سياسية متعددة الواجهات، ستظل محط متابعة وطنية خلال المرحلة المقبلة.
وفي قراءة هادئة لمساره، تبدو المحطة الحالية مختلفة عن سابقاتها: بنسعيد يدخلها بخبرة برلمانية متراكمة، وتجربة حكومية مستمرة منذ 2021، ومسؤولية داخل قيادة حزبية جماعية، إلى جانب حضور انتخابي متجدد في العاصمة. وهذه العناصر مجتمعة تجعل اسمه حاضراً بقوة في النقاش العمومي المغربي، ليس باعتبار ما قد يحدث مستقبلاً، وإنما بالنظر إلى المسؤوليات والمواقع التي يشغلها فعلياً وما راكمه من تجربة داخل مؤسسات الدولة والحزب والمجتمع.
السيد محمد مهدي بنسعيد.. من مقاعد البرلمان إلى رحاب الحكومة، ومن العمل الشبابي إلى القيادة الحزبية، مسار سياسي مغربي تتقاطع فيه التجربة البرلمانية والمسؤولية الحكومية والعمل الحزبي والاستثمار، وتفتح نتائج الرباط–المحيط سنة 2026 فصلاً جديداً في مسيرة بدأت قبل خمسة عشر عاماً وما زالت فصولها تُكتب داخل المؤسسات.