ليست كل المسارات المهنية قابلة للاختزال في منصب أو لقب، ولا كل لحظة تتويج يمكن فصلها عن السنوات التي صنعتها. هناك أسماء يسبقها المنصب، وأسماء تسبق المنصب إليها سنوات من العمل والتجربة والاحتكاك اليومي بتفاصيل المهنة. والسيد المختار لغزيوي واحد من الأسماء التي ارتبط حضورها، على امتداد سنوات طويلة، بالصحافة المغربية وبالعمل داخل المؤسسة الإعلامية، قبل أن يصل إلى واحدة من أبرز المسؤوليات المرتبطة بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة والنشر بالمملكة.

من مكناس، المدينة التي ظل وفياً لخصوصيتها وذاكرتها، بدأت حكاية رجل اختار الصحافة طريقاً، ثم جعل من التدرج المهني عنواناً لمساره. وفي 21 شتنبر 2026، جاءت محطة جديدة وحاسمة في هذه الرحلة، بانتخابه رئيساً للمجلس الوطني للصحافة، بعد حصوله على 11 صوتاً مقابل 3 أصوات لمنافسه عبد الله البقالي.

لكن قراءة هذا الانتخاب لا تكتمل بمجرد تسجيل نتيجة التصويت؛ فالرئاسة التي آلت إلى السيد لغزيوي تحمل خلفها أكثر من عقدين من الحضور داخل المهنة، وتجربة طويلة في واحدة من المؤسسات الصحافية المغربية المعروفة، جريدة «الأحداث المغربية»، التي التحق بها سنة 2000، وتدرج داخلها في عدد من المسؤوليات إلى أن أصبح مدير نشرها والمشرف العام على موقع «أحداث أنفو».

وُلد السيد المختار لغزيوي سنة 1972 بمدينة مكناس، وترعرع في محيط المدينة العتيقة، قبل أن يشق طريقه في الدراسة والعمل. وتورد مصادر صحافية أنه حاصل على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية، وعلى الإجازة في الأدب العربي من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس. وتكشف هذه الخلفية جانباً من العلاقة التي ربطت الرجل بالكلمة واللغة والكتابة، وهي عناصر ظلت حاضرة في مساره الإعلامي.

غير أن القيمة الحقيقية لأي مسار صحافي لا تقاس بما يحمله صاحبه من شهادات فقط، وإنما بما يضيفه إلى المهنة عبر سنوات الممارسة. وهنا تكمن إحدى أبرز محطات تجربة السيد لغزيوي؛ فقد دخل إلى «الأحداث المغربية» سنة 2000، وعاش داخلها مراحل مختلفة من التحول الصحافي، قبل أن يتولى مسؤولية إدارة النشر، ويصبح اسمه جزءاً من هوية المؤسسة الإعلامية ومسارها المهني. وتؤكد أعداد منشورة من أرشيف الجريدة حمله صفة مدير النشر منذ سنوات، بما يعكس امتداد تجربته داخل المؤسسة.

وعندما احتفلت «الأحداث المغربية» بمرور ربع قرن على تأسيسها سنة 2023، كان السيد لغزيوي يتحدث بصفته مدير نشر الجريدة وموقع «أحداث أنفو» عن تجربة مؤسسة صحافية ولدت سنة 1998 واستمرت في مواجهة التحولات التي عرفها القطاع. وفي شهادته آنذاك، استحضر مسار الجريدة وقدرتها على الانتقال من الصحافة الورقية إلى الفضاء الإلكتروني وإطلاق «أحداث أنفو»، في صورة تختصر جانباً مهماً من التجربة المهنية التي عاشها داخل المؤسسة.

وهنا تحديداً تبرز قيمة المسار؛ فالسيد المختار لغزيوي لم يكن مجرد عابر في مؤسسة إعلامية، بل كان جزءاً من رحلة امتدت من غرفة التحرير إلى الإدارة، ومن الصحيفة الورقية إلى الإعلام الرقمي، ومن ممارسة المهنة إلى تحمل مسؤولياتها المؤسساتية.

إنها رحلة تجعل انتخابه لرئاسة المجلس الوطني للصحافة محطة ذات دلالة خاصة؛ لأن الرجل يصل إلى هذا الموقع محملاً بتجربة من داخل عالم الصحافة، لا من خارجه، وبمعرفة مباشرة بتفاصيل المقاولة الإعلامية وتحدياتها اليومية، وبالعلاقة المعقدة بين الصحافي والناشر وهيئة التحرير والمؤسسة الإعلامية.

ويوم انتخابه، لم يكن اسمه جديداً على المجلس؛ فقد كان ضمن الأعضاء السبعة الذين يمثلون فئة الناشرين في تركيبته الجديدة، إلى جانب بهية العمراني وسعاد المكاوي ومهدي علابوش وعزيز الداكي وإدريس شحتان وخالد الحريري. وبعد استكمال تشكيل المجلس، حُسمت رئاسة المؤسسة لفائدة لغزيوي بـ11 صوتاً.

وفي منصب نائب الرئيس، انتُخبت الصحافية حنان رحاب، في جلسة اكتملت فيها ملامح القيادة الجديدة للمجلس. وبذلك انتقلت المؤسسة إلى مرحلة جديدة في تدبير التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة والنشر، بعد استكمال المسار المرتبط بإعادة تشكيل المجلس وهياكله.

وإذا كان الرقم 11 هو الذي حسم النتيجة انتخابياً، فإن الأهم مهنياً هو ما يحمله هذا الانتقال من مسؤولية. فالمجلس الوطني للصحافة ليس مجرد عنوان مؤسساتي؛ إنه فضاء تتقاطع فيه قضايا أخلاقيات المهنة، والتنظيم الذاتي، والعلاقة بين الصحافي والناشر، والدفاع عن الممارسة المهنية، ومواكبة التحولات التي يعرفها الإعلام المغربي.

ولهذا فإن وصول صحافي وناشر راكم سنوات طويلة من التجربة إلى رئاسة المجلس يمنحه فرصة لتوظيف معرفة ميدانية اكتسبها من قلب المؤسسة الإعلامية، في خدمة مسؤولية مؤسساتية أوسع.

ولعل أجمل ما يميز مسيرة لغزيوي أنها لم تُبنَ على قفزة واحدة، وإنما على تدرج طويل. فالذي بدأ صحافياً داخل «الأحداث المغربية» وجد نفسه، بعد سنوات من العمل، في موقع مدير النشر. ثم انتقل من مسؤولية إدارة مؤسسة إعلامية إلى مسؤولية تمثيل فئة الناشرين داخل المجلس، قبل أن يحظى بثقة أعضاء المجلس لرئاسته.

وهذا النوع من المسارات يمنح صاحبه شيئاً لا تمنحه المناصب وحدها: معرفة التفاصيل.

معرفة غرفة التحرير، ومواعيد الطبع، وضغط الخبر، ومسؤولية العنوان، وتحديات الصحافة الإلكترونية، ومتطلبات إدارة المؤسسة، وعلاقة الصحافي بمصادره، وحساسية الكلمة المنشورة، والمسافة الدقيقة بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية.
وهي معرفة تبدو ذات أهمية خاصة في مرحلة يعرف فيها الإعلام تحولات عميقة، من تغير عادات القراءة إلى صعود المنصات الرقمية، ومن سرعة تداول الأخبار إلى تصاعد الحاجة إلى المهنية والتحقق والمصداقية.

ومن هذه الزاوية، يصبح انتخاب لغزيوي أكثر من انتقال شخصي من منصب إلى آخر؛ إنه انتقال رجل عاش تفاصيل الصحافة إلى موقع يُطلب فيه منه أن يتعامل مع قضايا المهنة بمسافة مؤسساتية أوسع.

وقد حملت الكتابات التي أعقبت انتخابه شهادات شخصية من زملاء عرفوه خلال مساره المهني. ومن أبرزها شهادة الصحافي أحمد الدافري، الذي كتب عن تجربته الشخصية مع لغزيوي، مستحضراً سنوات معرفته به، ومتحدثاً عن تدرجه داخل «الأحداث المغربية» وصولاً إلى منصب مدير النشر، ومشيراً إلى جوانب مهنية وإنسانية في شخصيته كما عرفها عن قرب. وهذه تبقى شهادة شخصية لصاحبها، لكنها تعكس في الوقت نفسه حضوراً إنسانياً للمحتفى به داخل الوسط الصحافي.

كما أن «أحداث أنفو»، المؤسسة التي ظل لغزيوي مرتبطاً بها لسنوات، احتفت بانتخابه واعتبرت وصوله إلى رئاسة المجلس لحظة ذات دلالة خاصة بالنسبة إلى أبناء المؤسسة، مؤكدة أنه تدرج داخل «الأحداث المغربية» منذ سنة 2000 إلى أن أصبح مدير نشرها، قبل أن يحظى بثقة أعضاء المجلس لقيادته.

وفي الجانب المرتبط بمكناس، ظل اسم المدينة حاضراً في الكتابات التي تناولت مسيرته؛ إذ تصفه مصادر صحافية بأنه ابن المدينة ومرتبط بذاكرتها، كما تشير إلى اهتمامه بالنادي المكناسي ووفائه للمدينة التي انطلق منها. وهي تفاصيل تمنح المسار المهني بعداً إنسانياً، إذ يظل وراء المسؤول الإعلامي ابن مدينة يحمل معه شيئاً من ذاكرة المكان إلى مختلف المحطات التي يصل إليها.

وإذا كان لكل مدينة أبناؤها الذين يعتزون بها، فإن مكناس تستطيع اليوم أن ترى واحداً من أبنائها وقد انتقل من فضاء الصحافة اليومية إلى موقع وطني يحمل مسؤولية مرتبطة بمهنة بأكملها.

أما بالنسبة إلى «الأحداث المغربية»، فإن صعود أحد أبنائها إلى رئاسة المجلس الوطني للصحافة يمثل محطة بارزة في مسار المؤسسة، خصوصاً أن لغزيوي قضى فيها أكثر من ربع قرن تقريباً، وعاش مراحلها المختلفة، من الصحافة الورقية إلى التحول الرقمي. وقد وصف هو نفسه تجربة الجريدة، بمناسبة مرور 25 سنة على تأسيسها، بأنها تجربة تستحق الافتخار، معتبراً استمرارها ثمرة مجهودات أجيال من الصحافيين الذين اشتغلوا فيها.
لكن الرجل الذي دخل اليوم إلى رئاسة المجلس لا يدخلها باسم جريدة، ولا باسم مؤسسة بعينها، بل يدخلها باعتباره رئيساً لمؤسسة مهنية وطنية.

وهذه نقطة أساسية في قراءة المرحلة المقبلة.

فإذا كانت «الأحداث المغربية» مدرسة مهنية أسهمت في تكوين تجربته، فإن المجلس الوطني للصحافة يضع أمامه فضاءً أوسع بكثير، تتعدد داخله الرؤى والحساسيات والمهن والمسؤوليات. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من تجربة المؤسسة الواحدة إلى أفق المهنة بأكملها.

المختار لغزيوي، الذي عرفته الصحافة المغربية مديراً للنشر وصحافياً وناشراً، يجد نفسه اليوم في موقع جديد يفرض عليه أن يحمل هموم المهنة بمختلف مكوناتها، وأن ينصت إلى أسئلتها، وأن يواكب تحدياتها، وأن يسهم في ترسيخ مؤسسات التنظيم الذاتي.
إنها مسؤولية كبيرة، لكنها أيضاً لحظة يمكن فيها لمسار طويل أن يتحول إلى رصيد مؤسساتي.

ومن مكناس إلى الدار البيضاء، ومن الصحافي إلى مدير النشر، ومن «الأحداث المغربية» إلى «أحداث أنفو»، ومن تجربة المؤسسة الإعلامية إلى رئاسة المجلس الوطني للصحافة، تتشكل أمامنا قصة مهنية عنوانها الأبرز التدرج.

ليس التدرج بوصفه انتظاراً للمناصب، وإنما بوصفه تراكمًا للخبرة.

وهنا تكمن خصوصية المختار لغزيوي.

فالمناصب قد تُمنح، لكن التجربة لا تُمنح. واللقب قد يُكتب في سطر، لكن سنوات العمل لا يمكن اختصارها في سطر واحد. ولذلك فإن رئاسة المجلس الوطني للصحافة بالنسبة إلى لغزيوي تبدو محطة تضاف إلى مسار طويل أكثر مما تبدو بداية لمسار من الصفر.
لقد حملته الصحافة من صفحات الجريدة إلى موقع القرار المهني، ومن مسؤولية إدارة منبر إعلامي إلى مسؤولية مؤسساتية وطنية.

واليوم، حين يُذكر اسم المختار لغزيوي، لا يُذكر فقط باعتباره مدير نشر «الأحداث المغربية» أو المشرف العام على «أحداث أنفو»، بل باعتباره صحافياً وناشراً اختار أن يبني حضوره عبر سنوات من الممارسة، ثم وجد نفسه أمام مسؤولية جديدة في قيادة المجلس الوطني للصحافة.

وهذه ليست خاتمة لمسيرة، بل فصل جديد منها.

فصلٌ تُقاس قيمته بما سيضيفه إلى المهنة، وبما سيتركه من أثر في مؤسسة يفترض أن تكون فضاءً جامعاً للصحافيين والناشرين، وأن تواكب التحولات الكبرى التي يعيشها الإعلام المغربي.

وفي النهاية، قد تتغير المناصب، وقد تتبدل العناوين، وقد تتسع المسؤوليات، لكن بعض المسارات تظل محتفظة بجوهرها: رجل بدأ من الصحافة، عاش تفاصيلها، صعد درجاتها خطوة خطوة، وحملته تجربته إلى موقع وطني أصبح فيه مسؤولاً عن جزء من مستقبل المهنة.

السيد المختار لغزيوي.. صحافي من مدرسة المهنة، وناشر من قلب المؤسسة، ورئيس للمجلس الوطني للصحافة في محطة جديدة من مسار طويل كُتب بالكلمة والعمل والتجربة.