فاطمة الزهراء المنصوري.. سيدة القرار التي صنعت من الحضور مسؤولية ومن الطموح مساراً
هناك نساء يعبرن مواقع المسؤولية، وهناك نساء يتركن في كل موقع بصمة تجعل حضورهن جزءاً من حكاية المكان. وبين الاثنين مسافة لا تُختصر في لقب أو منصب، وإنما تُقاس بسنوات العمل، وثقل القرار، وحجم المسؤوليات التي قبل صاحبها أن يحملها أمام المجتمع والتاريخ.
من هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري؛ امرأة اختارت أن تخوض غمار المسؤولية العامة من بوابات متعددة، وأن تنتقل من مهنة المحاماة إلى تدبير مدينة مراكش، ومن البرلمان إلى الحكومة، ثم إلى موقع قيادي داخل حزب الأصالة والمعاصرة، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه النسائية المغربية التي راكمت تجربة سياسية وتدبيرية ممتدة.
ليست الحكاية مجرد وصول امرأة إلى مواقع القرار، بل قصة مسار مهني وسياسي طويل، تداخلت فيه المعرفة القانونية مع التجربة الانتخابية، والتدبير المحلي مع المسؤولية الحكومية، والعمل المؤسساتي مع القيادة الحزبية.
ولذلك فإن قراءة تجربة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري تقتضي النظر إليها باعتبارها مساراً متكاملاً، لا مجرد سلسلة من المناصب.
ولدت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش سنة 1976، وتكوّنت في مجال القانون، قبل أن تمارس مهنة المحاماة، وهي مهنة منحتها أدوات قانونية سترافقها لاحقاً في تجربتها السياسية والتدبيرية.
وفي 23 يونيو 2009، دخل اسمها تاريخ التدبير المحلي بمدينة مراكش باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة مجلس المدينة، قبل أن تعود إلى رئاسة المجلس سنة 2021. كما راكمت تجربة برلمانية منذ سنة 2011، لتتسع تجربتها تدريجياً من المجال المحلي إلى المؤسسة التشريعية، ثم إلى الحكومة، فالقيادة الحزبية.
وهنا تحديداً تتضح خصوصية هذا المسار؛ فالسيدة فاطمة الزهراء المنصوري لم تحصر تجربتها في مؤسسة واحدة، وإنما تحركت بين مستويات متعددة من المسؤولية، من المدينة التي تحمل اسمها جزءاً من سيرتها السياسية، إلى البرلمان الذي يمثل المواطنين، إلى الحكومة التي تدير ملفات وطنية، ثم إلى موقع قيادي داخل حزب سياسي.
وفي 7 أكتوبر 2021، عُينت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، لتتولى قطاعاً يرتبط مباشرة بحياة ملايين المغاربة، من التخطيط العمراني ووثائق التعمير إلى السكن والتأهيل الحضري ومحاربة السكن غير اللائق.
ومنذ توليها هذه المسؤولية، أصبحت ملفات الدعم المباشر للسكن، ورقمنة المساطر، وتبسيط الإجراءات، ووثائق التعمير، وتأهيل المدن، ومحاربة السكن غير اللائق، من أبرز الملفات المرتبطة بعمل الوزارة.
وفي عرض قدمته الوزارة أمام مجلس النواب في نونبر 2025، جرى تقديم حصيلة وبرنامج عمل لسنة 2026، فيما أفادت معطيات رسمية بأن برنامج الدعم المباشر للسكن استفاد منه 72,185 شخصاً إلى نهاية أكتوبر 2025، من أصل أكثر من 205 آلاف طلب مودع آنذاك.
كما اتجه القطاع إلى توسيع التدبير اللامادي والرقمنة، حيث تحدثت المنصوري في يناير 2026 عن توسيع الخدمات الرقمية وإحداث منصات جديدة مرتبطة بالوكالات الحضرية، في إطار توجه يرمي إلى تقريب الإدارة من المواطن وتخفيف الأعباء المرتبطة بالمساطر.
غير أن صورة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري لا تكتمل من بوابة الحكومة وحدها؛ فمراكش ظلت إحدى أهم المحطات التي صنعت تجربتها في التدبير العمومي.
خلال تجربتها في رئاسة المجلس الجماعي، ارتبط اسمها بحصيلة شملت مشاريع في البنية التحتية والخدمات والرقمنة والبيئة والثقافة والرياضة. وفي حصيلة قدمتها حول عمل المجلس الجماعي خلال ولايته الحالية، أشارت إلى تعبئة أكثر من 15 مليار درهم عبر 423 مشروعاً، مع إنجاز أو تقدم في 286 مشروعاً، ونسبة تقدم مادي إجمالية بلغت 67.6 في المائة، وفق المعطيات التي قدمتها.
وتضمنت الحصيلة مشاريع مرتبطة بالطرق والمحاور المهيكلة، وإعادة تهيئة عدد من الفضاءات، ومواقف السيارات، والمساحات الخضراء، والخدمات الرقمية، والمرافق الثقافية والاجتماعية والرياضية.
كما تحدثت عن إنجاز 56 كيلومتراً من الطرق المهيكلة، وإعادة تهيئة 27 ملتقى طرق، وإنجاز ستة مواقف للسيارات بطاقة إجمالية بلغت 1599 سيارة، إلى جانب تركيب مئات كاميرات المراقبة في عدد من مناطق المدينة.
وفي الجانب البيئي، عرضت معطيات حول استعمال المياه العادمة المعالجة في سقي المساحات الخضراء، وزراعة آلاف الأشجار وتهيئة فضاءات خضراء جديدة، ضمن تصور يربط تدبير المدينة بالحفاظ على مواردها وتعزيز جاذبيتها.
وهذه الأرقام، من منظور مهني، تظل حصيلة أعلنتها رئيسة المجلس والمؤسسة المنتخبة التي ترأسها، ولذلك فإن التناول الصحفي الدقيق يضعها في إطارها الصحيح، مع ترك تقييم النتائج والأثر النهائي للمؤسسات المختصة والرأي العام والساكنة.
وتحضر الرقمنة كذلك كأحد العناوين البارزة في تجربتها التدبيرية، بعدما تحدثت عن رقمنة مجموعة من الخدمات، من وثائق الحالة المدنية ورخص البناء إلى منصة «جماعتي» والبوابة المواطنية وتحديد مواقع المشاريع، إلى جانب أدوات رقمية مرتبطة بتتبع بعض الخدمات المحلية.
وفي قطاع التعمير، ارتبطت تجربتها أيضاً بتوسيع استعمال الحلول الرقمية وتبسيط المساطر، باعتبارهما مدخلاً لتحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفق.
وبحسب المعطيات التي قدمتها المنصوري، أصبحت مدينة مراكش مغطاة بوثائق تعمير مصادق عليها أو ذات أثر قانوني، مع المصادقة على 25 وثيقة تعمير بين أكتوبر 2021 ويونيو 2025.
وعلى المستوى الحزبي، لم يكن حضور السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أقل وضوحاً. فقد تولت منذ المؤتمر الوطني الخامس لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2024 مهمة المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، ضمن صيغة قيادية اعتمدها الحزب في تلك المرحلة.
وهذا الموقع أضاف إلى تجربتها بعداً سياسياً جديداً، إذ أصبحت المسؤولية مرتبطة إلى جانب التدبير المؤسساتي بالتنسيق الحزبي وصناعة المواقف والتواصل السياسي.
وفي يناير 2026، أكدت السيدة المنصوري خلال مؤتمر صحفي تمسك حزبها باستمرار العمل داخل الائتلاف الحكومي وبالتزامات البرنامج الحكومي.
ثم جاءت محطة 23 شتنبر 2026 لتضيف صفحة جديدة إلى مسارها البرلماني، بعدما ترشحت وكيلة للائحة حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة مراكش المدينة–سيدي يوسف بن علي.
وأعلنت السلطات المحلية بمراكش النتائج الأولية الرسمية، التي أظهرت حصول حزب الأصالة والمعاصرة على ثلاثة مقاعد على مستوى عمالة مراكش، كان من بينها مقعد فاطمة الزهراء المنصوري عن دائرة المدينة–سيدي يوسف بن علي. كما أفادت معطيات منشورة بأنها تصدرت دائرتها بـ12,775 صوتاً.
وبذلك تعود السيدة المنصوري إلى مجلس النواب في محطة جديدة، حاملة معها تجربة تمتد من التدبير المحلي إلى المسؤولية الحكومية والقيادة الحزبية.
غير أن القيمة الرمزية في تجربتها لا تختصر في عدد المناصب التي تولتها، بل في كونها خاضت مجالات مسؤولية ظلت لعقود طويلة ذات حضور نسائي محدود، من رئاسة مجلس مدينة كبرى إلى تحمل حقيبة وزارية، ثم ممارسة دور قيادي داخل حزب سياسي والعودة إلى البرلمان.
القوة، في هذا السياق، لا تعني رفع الصوت ولا احتلال الصورة، وإنما القدرة على تحمل المسؤولية عندما يصبح القرار تحت الأضواء، والإنجاز خاضعاً للحساب، والاختيارات موضع نقاش عمومي.
وقد رفضت السيدة المنصوري اختزال النزاهة في كون المسؤول امرأة أو رجلاً، مؤكدة أن النزاهة قيمة شخصية ومؤسساتية، وأن الشفافية وآليات المراقبة والمسؤولية هي الأساس.
وهو تصور يجعل حضور المرأة في مواقع القرار يتجاوز الاحتفاء بكونها امرأة، نحو الاحتفاء بقدرتها على ممارسة المسؤولية باعتبارها مسؤولية كاملة، لها ما لها من فرص الإنجاز، وعليها ما عليها من واجبات المساءلة.
ومع ذلك، فإن أي بورتريه مهني لا يكتمل بالثناء وحده. فالتجربة السياسية، مهما كان حجم صاحبها، تظل مفتوحة للنقاش والتقييم، كما أن المشاريع والأرقام المعلنة تحتاج دائماً إلى وضعها أمام مؤشرات الإنجاز الفعلي، وأثرها على المواطنين، وآليات التتبع والمراقبة.
وهذا ما يجعل الصحافة المهنية مطالبة بأن تمنح الشخصية حقها في عرض مسارها وإنجازاتها، وفي الوقت نفسه تترك للمؤسسات المختصة والمجتمع والرأي العام مساحة الحكم على النتائج.
لكن بعيداً عن المواقف السياسية المؤيدة أو المعارضة، تظل هناك حقيقة واضحة في مسار السيدة فاطمة الزهراء المنصوري: أنها راكمت خلال أكثر من عقد ونصف تجربة انتقلت خلالها من المحاماة إلى رئاسة مجلس مدينة مراكش، ومن البرلمان إلى الحكومة، ومن التدبير المحلي إلى القيادة الحزبية، قبل أن تعود في شتنبر 2026 إلى المؤسسة التشريعية من بوابة مراكش.
وبين مراكش والرباط، وبين قاعة المجلس الجماعي وقبة البرلمان ومقر الحكومة وفضاءات العمل الحزبي، تشكلت ملامح تجربة سياسية نسائية تحمل أكثر من عنوان.
السيدة فاطمة الزهراء المنصوري ليست مجرد اسم في قائمة المسؤولين، ولا صورة انتخابية عابرة، ولا وزيرة سابقة أو رئيسة مجلس جماعي فحسب؛ إنها شخصية راكمت تجربة متعددة المستويات، جعلت حضورها مرتبطاً بمسؤوليات متباينة وبملفات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
لقد اختارت أن تدخل إلى قلب المؤسسات، حيث لا تكفي الصورة لصناعة المكانة، ولا يكفي اللقب لصناعة الاستمرار، وحيث يتحول كل قرار إلى مسؤولية، وكل مشروع إلى اختبار، وكل حصيلة إلى مادة للنقاش.
ومن هنا تأتي خصوصية قصتها كامرأة مغربية في مواقع القرار: لم يكن حضورها قائماً على الاستثناء وحده، وإنما على مسار طويل من التدرج السياسي والمؤسساتي.
قد تختلف القراءات حول بعض قراراتها ومشاريعها ومواقفها، وقد يختلف تقييم نتائج مراحل توليها المسؤولية، لكن مسارها نفسه يظل جديراً بالتوثيق باعتباره نموذجاً لحضور نسائي وصل إلى مستويات متعددة من تدبير الشأن العام.
إنها حكاية امرأة بدأت من مراكش، وحملت معها خلفية قانونية وتجربة انتخابية، ثم وجدت نفسها في قلب ملفات وطنية كبرى، قبل أن تعود إلى المؤسسة التشريعية حاملة رصيداً من التجربة والرهان والمسؤولية.
وفي نهاية المطاف، قد تتغير المواقع وتتبدل المسؤوليات، لكن ما يبقى في ذاكرة المؤسسات هو الأثر الذي تتركه التجربة، وما يبقى في ذاكرة الناس هو ما لمسوه من إنجاز، وما لمسوه من حضور، وما لمسوه من قدرة على تحمل المسؤولية.
السيدة فاطمة الزهراء المنصوري.. امرأة جعلت من الحضور مسؤولية، ومن الطموح مساراً، ومن مواقع القرار اختباراً مفتوحاً أمام الإنجاز والمساءلة.