«قبل أن تجرحني بالكلام».. خالد فولان يحوّل وجع العتاب إلى قصيدة عن الرحمة والخذلان وحساب الأيام
في نص شعري يحمل الكثير من الصدق الإنساني، يطل الشاعر خالد فولان بقصيدة «قبل ما تجرحني بالكلام»، وهي قصيدة تنتمي إلى ذلك اللون الشعبي القريب من نبض الناس، حيث لا يتكلف الشاعر في انتقاء مفرداته، بل يترك للكلمة أن تخرج من القلب كما هي، محمّلة بالعتاب والألم والحكمة وتجارب الحياة.
منذ المطلع، يضع الشاعر القارئ أمام رسالة واضحة ومباشرة:
«قبل ما تجرحني بالكلام
راعي لي يكفي ما دارت في ليام»
هنا لا يتحدث الشاعر عن جرح عابر تسببه كلمة، وإنما عن إنسان أنهكته الأيام بما يكفي، ولم يعد يحتمل أن تأتيه جراح جديدة من أشخاص كان ينتظر منهم المساندة والرحمة. فالكلام، في تصور الشاعر، ليس مجرد أصوات عابرة؛ قد يكون مواساة وقد يكون سكيناً، وقد يترك أثراً أعمق من الجراح التي تُرى بالعين.
ويواصل الشاعر عتابه قائلاً:
«ما تافق علي انت والزمان
خلي في قلبك شوية محبة وحنان»
في هذا المقطع تتجلى صورة إنسان يشعر بأن الظروف تقف ضده، ثم يجد نفسه أمام قسوة الآخرين أيضاً. لذلك تأتي الدعوة إلى المحبة والحنان باعتبارهما ملاذاً أخيراً في زمن كثرت فيه الضغوط. وكأن الشاعر يقول إن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يحل مشاكله، بل يحتاج أحياناً إلى كلمة طيبة تخفف عنه ثقل الطريق.
أما قوله:
«لا تزيد وتكمل علي
وانت ما عارف اللي بي»
فيكشف عن واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حضوراً في النص: عدم معرفة ما يخفيه الآخرون خلف صمتهم. فالإنسان قد يبدو قوياً ومتماسكاً، بينما يحمل في داخله معارك لا يراها أحد. ومن هنا يتحول العتاب إلى رسالة أخلاقية: لا تحكم على إنسان من ظاهره، ولا تضف إلى ألمه ألماً آخر وأنت لا تعرف قصته.
وفي قوله:
«خلي لسانك علي رطب
ما تقول شي حاجة ما في
وتبقى تكدب»
ينتقل الشاعر إلى الحديث عن مسؤولية الكلمة. فـ«اللسان الرطب» هنا صورة مجازية للكلام الطيب، في مقابل الكذب والافتراء ونقل ما لا حقيقة له. الشاعر لا يطلب المستحيل؛ إنه يطلب فقط أن تكون الكلمة صادقة، وأن لا يتحول الحديث عن الآخرين إلى وسيلة لإيذائهم.
وفي المقطع الثاني تزداد نبرة التحذير وضوحاً:
«وزن شوية ودير لفمك لجام
وما تزيد فيه وخلي بنادم
يكفي ما شفت من هم»
وتبدو عبارة «دير لفمك لجام» من أقوى الصور الشعبية في القصيدة، لأنها تحول الفم إلى شيء يحتاج إلى ضبط وكبح. وهي صورة تختصر حكمة قديمة متجددة: ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، وليس كل ما نسمعه يستحق أن نردده.
ثم يقول:
«ولا تزيدني غم على غم
راني مراعي ليك وكنحشم
داخل سوق راسي وكنخدم»
هنا تظهر شخصية المتكلم باعتبارها شخصية متحملة، منشغلة بشؤونها، وتحاول أن تحفظ للآخر مكانته رغم ما يفعله. وتعبير «داخل سوق راسي وكنخدم» يحمل دلالة شعبية عميقة؛ فهو يعبر عن إنسان يريد أن يعيش بسلام، وأن ينشغل ببناء حياته بدل الدخول في صراعات وكلام لا ينتهي.
لكن المفارقة المؤلمة تأتي في:
«وانت من وراء ظهري تتكلم»
فالصمت الذي اختاره المتكلم لا يقابله الصمت من الطرف الآخر، بل الكلام من خلف الظهر. وهنا يبرز أحد أكثر أشكال الجرح الاجتماعي قسوة: أن تمنح شخصاً الاحترام، بينما يختار هو الحديث عنك في غيابك.
ومع ذلك، لا يذهب الشاعر نحو الانتقام، بل يعود إلى الصبر قائلاً:
«راني مساعف مع الزمان وليام»
وهي عبارة تختصر فلسفة النص كلها تقريباً؛ فالشاعر يضع الإنسان أمام الزمن، ويذكره بأن الأيام لا تبقى على حال واحد. من كان مظلوماً اليوم قد يأتيه الإنصاف غداً، ومن كان قوياً اليوم قد يكتشف أن الزمن لا يمنح أحداً ضماناً دائماً.
وفي المقطع الأخير ترتفع القصيدة من مستوى العتاب الشخصي إلى مستوى الحكمة:
«خمم وزيد وزيد وخمم
قول غير اللي كاين وما تزيد فيه»
إنها دعوة صريحة إلى التفكير قبل الكلام، وإلى الالتزام بالحقيقة دون مبالغة أو تشويه. وهنا يصبح الشعر وسيلة لتربية السلوك، وليس فقط للتعبير عن الألم.
أما قوله:
«وتفكر باللي اليوم دنيا
وغدا اخرة»
فيمنح النص خاتمته الأخلاقية والروحية. فبعد كل الخصومات والعتاب والكلام والجراح، تبقى الحقيقة الكبرى أن الحياة مؤقتة، وأن الإنسان في النهاية محاسب على ما يقول ويفعل. وبذلك ينتقل الشاعر من الحديث عن تجربة شخصية إلى تذكير عام بأن العلاقات الإنسانية تحتاج إلى الرحمة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن الدنيا مهما طالت فإنها ليست النهاية.
قصيدة «قبل ما تجرحني بالكلام» للشاعر خالد فولان تبدو في ظاهرها قصيدة عتاب، لكنها في عمقها نص عن الإنسان حين يتعب من القسوة، وعن القلب حين يطلب شيئاً بسيطاً: أن يُراعى قبل أن يُحكم عليه، وأن يُفهم قبل أن يُدان، وأن يُعامل بالمحبة بدل أن يُثقل بجراح جديدة.
وما يمنح النص قوته هو بساطته؛ فالشاعر لا يختبئ خلف المفردات المعقدة، وإنما يستخدم لغة شعبية مباشرة، قريبة من حديث الناس اليومي، لكنه يحمّلها دلالات واسعة عن الجرح، والستر، والوفاء، والكلمة، والعتاب، والصبر، وتقلب الأيام، وحساب الآخرة.
وتحمل قصيدة خالد فولان رسالة إنسانية عميقة تتجاوز حدود العتاب، لتؤكد أن الإنسان قد يخفي وراء صمته أثقالاً وهموماً لا يدركها الآخرون، وأن الكلمة حين تفتقد الحكمة قد تتحول إلى جرح صامت، يبقى أثره عالقاً في الذاكرة والقلب طويلاً.
القصيدة
قبل ما تجرحني بالكلام
قبل ما تجرحني بالكلام
راعي لي يكفي ما دارت في
ليام
ما تافق علي انت والزمان
خلي في قلبك شوية محبة
و حنان
لا تزيد وتكمل علي
وانت ما عارف اللي بي
خلي لسانك علي رطب
ما تقول شي حاجة ما في
وتبقى تكدب
قبل ما تجرحني بالكلام
وزن شوية ودير لفمك لجام
وما تزيد فيه وخلي بنادم
يكفي ما شفت من هم
ولا تزيدني غم على غم
راني مراعي ليك وكنحشم
داخل سوق راسي وكنخدم
وانت من وراء ظهري تتكلم
راني مساعف مع الزمان وليام
قبل ما تجرحني بالكلام
خمم وزيد وزيد وخمم
قول غير اللي كاين وما تزيد فيه
قول اللي بغيتي وتفكر
لهيه
ورأه وريه وزي وريه
والا عمى سير وخليه
وتفكر باللي اليوم دنيا
وغدا اخرة
شعر ... خالد فولان.