درع الأطلس وعين العالم: كيف أصبح الأمن المغربي ركيزة صلبة في منظومة الاستقرار الدولي؟
مكافحة الإرهاب، تفكيك الجريمة العابرة للحدود، التعاون مع أجهزة كبرى، واستضافة قادة شرطة العالم.. وراء الصورة الأمنية المغربية قصة سنوات من بناء الخبرة والثقة الدولية
تحقيق خاص – لكل الأسرة
لم تعد التهديدات الأمنية رهينة الحدود أو محصورة في أشكالها التقليدية؛ فالإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة، والاتجار الدولي بالمخدرات والبشر، والجرائم الإلكترونية، فرضت معادلات جديدة جعلت من تبادل المعلومات وسرعة الاستجابة والاستباق عناصر حاسمة في قياس جاهزية الأجهزة الأمنية وقدرتها على حماية المجتمعات ومواجهة المخاطر قبل وصولها إلى الميدان.
وفي هذه المعادلة، برز المغرب خلال السنوات الأخيرة كأحد الشركاء الأمنيين الذين يحظون بحضور متزايد في شبكات التعاون الدولي.
لكن السؤال الذي يستحق البحث ليس: هل الأمن المغربي قوي؟ بل: كيف بُنيت هذه السمعة الدولية؟ وما الذي يجعل أجهزة أمنية في دول كبرى تبحث عن التعاون مع نظيرتها المغربية؟
الإجابة تقود إلى مسار طويل يجمع بين العمل الاستخباراتي، والتنسيق الشرطي والقضائي، والتعاون الدولي، والاستثمار في التكوين والتكنولوجيا، فضلاً عن تجربة متراكمة في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.
بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها الدار البيضاء في 16 ماي 2003، دخلت المنظومة الأمنية المغربية مرحلة جديدة من إعادة بناء القدرات وآليات العمل الاستباقي.
وتشير معطيات رسمية نقلتها وسائل إعلام مغربية إلى أن المغرب أعلن إحباط مئات المشاريع الإرهابية وتفكيك أكثر من 200 خلية منذ بداية الألفية، فيما ظل المكتب المركزي للأبحاث القضائية أحد أبرز الأذرع المتخصصة في مواجهة التهديدات الإرهابية.
كما أشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية حول مكافحة الإرهاب إلى أن المغرب يعتمد استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الإجراءات الأمنية، والتعاون الإقليمي والدولي، ومواجهة التطرف، وأن واشنطن تعتبر الرباط شريكاً مهماً في مجال مكافحة الإرهاب.
والأهم أن التعاون المغربي لم يعد محصوراً في المجال الثنائي، بل أصبح جزءاً من منظومات أمنية دولية متعددة الأطراف.
العلاقة الأمنية بين المغرب والولايات المتحدة ليست وليدة السنوات الأخيرة. فبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، يعود التعاون الأمني بين البلدين إلى خمسينيات القرن الماضي، وتطورت الشراكة لاحقاً لتشمل مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي والتدريب والتعاون العسكري والأمني.
وتصف الخارجية الأمريكية المغرب بأنه شريك مهم في مجموعة واسعة من قضايا الأمن الإقليمي، وتشير إلى مشاركة المملكة منذ سنوات في مبادرات مكافحة الإرهاب، فضلاً عن كونها عضواً مؤسساً في المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وانضمامها إلى التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش" سنة 2014.
هذه المعطيات لا تعني أن المغرب يعمل بمعزل عن شركائه، بل تكشف أن النموذج الأمني المغربي أصبح مرتبطاً بشبكة واسعة من التعاون الدولي.
وفي الضفة الأخرى من المتوسط، اكتسب التعاون المغربي مع إسبانيا وفرنسا أهمية خاصة.
وفي أبريل 2025، عقد المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي لقاءً مع مسؤول الاستخبارات بالحرس المدني الإسباني، حيث تناولت المباحثات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب التحضير الأمني المشترك للاستحقاقات الكبرى، ومنها كأس العالم 2030.
وفي يناير 2025، عقد حموشي في مدريد اجتماعاً مع المدير العام للشرطة الإسبانية ورئيس الشرطة الفيدرالية الألمانية، وركز اللقاء على تعزيز التعاون الأمني الدولي، بما في ذلك الاستعدادات الأمنية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 في المغرب وإسبانيا والبرتغال.
أما مع فرنسا، فقد تم في يونيو 2025 توقيع خطة عمل مشتركة بين الشرطة الوطنية المغربية ونظيرتها الفرنسية، بهدف تعزيز التعاون في مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتطوير آليات المساعدة المتبادلة.
وفي سبتمبر من العام نفسه، نقلت منصة المغرب الرسمية عن الجانب الفرنسي إشادته بمساهمة المصالح الأمنية المغربية في تأمين دورة الألعاب الأولمبية بباريس 2024، مع بحث تعزيز التعاون استعداداً لكأس إفريقيا وكأس العالم 2030.
وهنا تظهر إحدى أهم مفاتيح القوة: الثقة التشغيلية.
فالدول لا تتبادل المعلومات الحساسة ولا تنسق في الملفات الأمنية الكبرى على أساس المجاملات الدبلوماسية فقط، وإنما على أساس المصالح المشتركة، والقدرة المهنية، وسرعة الاستجابة، وفعالية قنوات الاتصال.
وربما كان أبرز مشهد دولي كشف حجم الحضور المغربي هو احتضان مدينة مراكش للدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول في الفترة من 24 إلى 27 نوفمبر 2025.
الإنتربول نفسه أعلن أن الاجتماع جمع أكثر من 800 مندوب من 179 دولة، بينهم 82 رئيس جهاز شرطة، وأن الجمعية العامة تمثل الهيئة العليا لصنع القرار داخل المنظمة الدولية للشرطة الجنائية.
والمغزى هنا يتجاوز مجرد استضافة مؤتمر دولي.
فعندما يجتمع هذا العدد من القيادات الأمنية العالمية في بلد واحد لمناقشة مستقبل مكافحة الجريمة المنظمة، والجرائم الإلكترونية، وتبادل المعلومات، وقدرات الشرطة الدولية، فإن استضافة الحدث تصبح في حد ذاتها مؤشراً على مستوى اندماج البلد المضيف في منظومة التعاون الأمني الدولي.
وقد أكد الإنتربول أن جدول أعمال اجتماع مراكش شمل مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتفكيك مراكز الاحتيال العابرة للدول، وتطوير قدرات الشرطة العالمية، إضافة إلى مناقشة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية.
وقبل انعقاد اجتماع مراكش، كانت هناك محطة أخرى ذات دلالة.
ففي الجمعية العامة الـ92 للإنتربول التي انعقدت في غلاسكو سنة 2024، انتُخب محمد الدخيسي، مرشح المديرية العامة للأمن الوطني المغربية، نائباً لرئيس المنظمة عن قارة إفريقيا للفترة 2024–2027.
والإنتربول نفسه وثق انتخابه ضمن أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة.
وهذه ليست مجرد عضوية بروتوكولية؛ فاللجنة التنفيذية تضطلع بتوجيه العمل الاستراتيجي للإنتربول والإشراف على تنفيذ قرارات الجمعية العامة.
وبمعنى آخر، انتقل الحضور المغربي من المشاركة في منظومة التعاون الأمني إلى المساهمة في مؤسساتها القيادية.
وفي حصيلة التعاون الأمني الدولي برسم 2025، أظهرت المعطيات المنشورة حول عمل المكتب المركزي الوطني – أنتربول الرباط معالجة آلاف طلبات المعلومات، والتعاون في قضايا مرتبطة بالسيارات المسروقة، وتنفيذ إنابات قضائية دولية وتعميم أوامر دولية بالقبض.
وبحسب الحصيلة المنشورة، عالج المكتب 7103 طلبات معلومات، وساهم في التعاون بشأن 2307 قضايا مرتبطة بالاتجار الدولي في السيارات المسروقة، ما أدى إلى حجز 395 مركبة مصرح بسرقتها في قواعد بيانات الإنتربول. كما ساهم التعاون الدولي في توقيف 144 شخصاً مبحوثاً عنهم على الصعيد الدولي.
هذه الأرقام تعطي صورة مختلفة عن مفهوم الأمن.
فالأمن الحديث لم يعد شرطياً يقف في الشارع فقط؛ إنه شبكة من قواعد البيانات، والمعلومات، والإنابات القضائية، والمذكرات الدولية، وتحليل المعطيات، والتنسيق مع أجهزة أمنية وقضائية في دول أخرى.
وتظهر الحصيلة المنشورة أيضاً أن التعاون الدولي لم يكن محصوراً في تبادل المعلومات والعمليات.
فقد استفاد 1804 من رجال الشرطة المغربية من برامج تكوين في إطار اتفاقيات التعاون الدولي، مع تنظيم جزء مهم من هذه البرامج داخل المغرب في شكل ورشات وندوات علمية.
وهنا يمكن فهم جانب آخر من المعادلة: الخبرة الأمنية لا تولد في ليلة واحدة، وإنما تُبنى بالتكوين المستمر، وتبادل التجارب، والاستفادة من الخبرات الأجنبية، وتطوير القدرات التقنية والعلمية.
والمواجهة الأمنية الحديثة لم تعد تعتمد فقط على التحقيق التقليدي.
فالجريمة المنظمة أصبحت تستخدم شبكات مالية معقدة، وهويات ووثائق مزورة، وتطبيقات مشفرة، ومنصات رقمية، وطائرات مسيرة، وأدوات تكنولوجية متطورة.
ولهذا أصبح تطوير الشرطة العلمية والتقنية، والأنظمة الرقمية، وقواعد البيانات، وتحليل المعلومات جزءاً أساسياً من العمل الأمني الحديث.
وفي هذا السياق، تكشف أجندة الإنتربول نفسها حجم التحول الذي تعرفه الشرطة العالمية، إذ أطلقت المنظمة خلال جمعية مراكش قدرات جديدة لتسهيل تبادل المعلومات وتحليلها، من بينها أدوات تعتمد الذكاء الاصطناعي لمعالجة المعلومات الشرطية.
والمغرب، بحكم انخراطه في هذه المنظومة، يجد نفسه أمام ضرورة مواصلة تحديث أدواته لمواجهة جريمة تتغير باستمرار.
ولا يمكن الحديث عن الحضور الدولي للأمن المغربي من دون العودة إلى ملف مكافحة الإرهاب.
وفي فبراير 2025، نقلت رويترز عن السلطات المغربية إعلان تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم "داعش" كانت تخطط لهجمات، مع توقيف 12 شخصاً في تسع مدن. وأشارت الوكالة إلى أن المكتب المركزي للأبحاث القضائية فكك منذ تأسيسه عدداً كبيراً من الخلايا واعتقل أكثر من ألف مشتبه في قضايا مرتبطة بالتطرف والإرهاب.
هذه العمليات الاستباقية هي أحد الأسباب التي تجعل التعاون المغربي محل اهتمام أجهزة أمنية أجنبية، خصوصاً في منطقة الساحل وشمال إفريقيا وأوروبا.
لكن من المهم التمييز بين النجاح العملياتي في مكافحة الإرهاب وبين إصدار حكم شامل على جميع جوانب أداء المؤسسات الأمنية.
والتحقيق المهني لا يكتمل إذا اكتفى بعرض جانب واحد.
ففي الوقت الذي توثق فيه مصادر أمريكية وإنتربول وشركاء أوروبيون أهمية التعاون الأمني مع المغرب، تطرح منظمات حقوقية دولية انتقادات بشأن ملفات حرية التعبير والتجمع والتعامل مع الاحتجاجات.
فمنظمة العفو الدولية انتقدت في تقريرها عن المغرب لسنة 2025 ما وصفته بتضييق على حرية التعبير والمعارضين السلميين، بينما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش بدورها انتقادات مرتبطة بتعامل السلطات مع بعض الاحتجاجات والنشطاء.
وجود هذه الانتقادات لا يلغي الوقائع المتعلقة بالتعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، كما أن الإشادات الدولية بالعمل الأمني لا تحسم وحدها الجدل حول قضايا حقوق الإنسان.
وهنا تحديداً تكمن أهمية القراءة المهنية: الأمن والحقوق ليسا ملفين منفصلين في النقاش الدولي حول أداء الأجهزة الأمنية الحديثة.
وعند جمع المعطيات من مصادر مختلفة، تظهر أمامنا صورة أكثر تعقيداً من مجرد شعار "الأمن المغربي قوي".
هناك أولاً تجربة تراكمية في مكافحة الإرهاب، وهناك ثانياً تعاون أمني واسع مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وشركاء أفارقة ودوليين، وهناك ثالثاً حضور مؤسساتي داخل الإنتربول، وصولاً إلى انتخاب ممثل مغربي في اللجنة التنفيذية.
وهناك رابعاً احتضان المغرب لأكبر اجتماع سنوي للإنتربول في 2025، بحضور مئات المسؤولين الأمنيين من عشرات الدول، وهناك خامساً تعاون عملي قائم على المعلومات والإنابات القضائية والمذكرات الدولية والتكوين وتبادل الخبرات.
وهذه العناصر مجتمعة تساعد في تفسير لماذا أصبح اسم المغرب حاضراً بشكل متزايد في النقاشات الدولية حول مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وربما يكون التحول الأهم هو أن الأمن المغربي لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره مسألة داخلية.
فالتهديدات الحديثة لا تتوقف عند الحدود.
شبكة مخدرات قد تبدأ في أمريكا اللاتينية، وتمر عبر إفريقيا، وتنتهي في أوروبا.
وشبكة إرهابية قد تستخدم منصات رقمية في دولة، وتمول عمليات في دولة ثانية، وتستهدف دولة ثالثة.
وجريمة إلكترونية يمكن أن يكون منفذها في قارة وضحاياها في قارة أخرى.
لهذا أصبح الأمن الدولي قائماً على المعلومة قبل القوة، وعلى التعاون قبل المواجهة، وعلى الاستباق قبل وقوع الجريمة.
وفي هذه البيئة، يبدو أن المغرب استثمر خلال السنوات الماضية في بناء موقع أمني يعتمد على الشراكات وتبادل المعلومات والخبرة الميدانية.
ومن الرباط إلى مدريد وباريس وواشنطن، ومن التعاون الثنائي إلى الإنتربول، تبدو التجربة الأمنية المغربية جزءاً متزايد الحضور في منظومة الأمن الدولي.
لكن قوة أي مؤسسة أمنية في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بعدد الخلايا التي تم تفكيكها أو الشبكات التي تم توقيفها، بل أيضاً بقدرتها على تطوير أدواتها، والاستجابة للجرائم الجديدة، والعمل ضمن القانون، وتعزيز ثقة المواطن، واحترام الحقوق والحريات.
وهنا سيكون التحدي الأكبر أمام الأمن المغربي خلال السنوات المقبلة: أن يحافظ على فعاليته في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، وفي الوقت نفسه يواصل تطوير معايير الحكامة والشفافية واحترام الحقوق، لأن الأمن المستدام لا يقوم على القوة وحدها، وإنما على الثقة أيضاً.
وإذا كان حضور المغرب داخل الإنتربول، وشراكاته مع أجهزة أمنية كبرى، وعمليات التعاون العابرة للحدود، واستضافة كبار قادة الشرطة في مراكش، تمثل مؤشرات ملموسة على تنامي الحضور الأمني المغربي دولياً، فإن الاختبار الحقيقي سيظل في القدرة على تحويل هذه الخبرة إلى نموذج متوازن يجمع بين الأمن، الكفاءة، القانون، والحقوق.