لا تقتصر التغيرات المرتبطة بالتقدم في السن على الصحة الجسدية، إذ قد يواجه كبار السن أيضًا تحديات نفسية وعقلية، من بينها الاكتئاب والقلق والعزلة واضطرابات الذاكرة.

غير أن بعض هذه الأعراض قد تمر دون انتباه، بسبب الاعتقاد بأن التغير في سلوك المسن أو حالته النفسية أمر طبيعي تفرضه الشيخوخة.

في هذا الحوار مع موقع «لكل الأسرة»، تتحدث الدكتورة فاطمة أصواب، أخصائية في الطب النفسي والأمراض العقلية والاجتماعية، عن أبرز الاضطرابات النفسية التي قد تصيب كبار السن، وأسبابها، والعلامات التي تستوجب طلب المساعدة الطبية، إضافة إلى دور الأسرة في الحفاظ على صحتهم النفسية.

بداية دكتورة، ماذا نقصد بأمراض الشيخوخة النفسية؟

نقصد بها مجموعة من الاضطرابات النفسية والعقلية التي قد تظهر أو تتفاقم مع التقدم في السن، من بينها الاكتئاب والقلق، وبعض الاضطرابات المرتبطة بالذاكرة والإدراك، إضافة إلى المشكلات الناتجة عن الوحدة والعزلة وفقدان الأشخاص المقربين.

لكن من المهم التأكيد أن الشيخوخة في حد ذاتها ليست مرضًا، ولا تعني بالضرورة الإصابة باضطراب نفسي أو عقلي.

هل الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا لدى كبار السن؟

الاكتئاب من الاضطرابات المهمة لدى كبار السن، لكنه قد لا يظهر دائمًا في شكل حزن واضح. فقد يظهر من خلال العزلة، وفقدان الاهتمام بالحياة، واضطرابات النوم، وفقدان الشهية أو التعب المستمر.

ومن الخطأ اعتبار الحزن والوحدة أمرين طبيعيين في الشيخوخة، لأن الاكتئاب حالة تحتاج إلى التشخيص والعلاج، خاصة عند اكتشافها مبكرًا.

وما أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى اكتئاب المسن؟

هناك عوامل متعددة، منها فقدان الزوج أو أحد أفراد الأسرة، والوحدة، والتقاعد، وفقدان الاستقلالية، والإصابة بأمراض مزمنة أو مؤلمة، إضافة إلى التغيرات الكبيرة في حياة الإنسان.

كما أن شعور المسن بالتهميش أو بأنه أصبح غير مرغوب فيه داخل أسرته يمكن أن يؤثر بشكل عميق في حالته النفسية.

وماذا عن القلق لدى كبار السن؟

القلق يمكن أن يصيب كبار السن أيضًا، وقد يرتبط بالخوف من المرض أو فقدان الاستقلالية أو المستقبل أو الموت، وكذلك الخوف من فقدان الأحبة.

وقد يظهر في شكل توتر مستمر، وصعوبة في النوم، وخوف مفرط، وتسارع ضربات القلب أو التفكير المتكرر في الاحتمالات السلبية.

هل كل نسيان لدى المسن يعتبر طبيعيًا؟

لا، ليس كل نسيان طبيعيًا. قد تحدث بعض التغيرات البسيطة في الذاكرة مع التقدم في السن، لكن إذا أصبح النسيان متكررًا ويؤثر في الحياة اليومية والاستقلالية، أو ترافق مع تغيرات في الإدراك والسلوك، فمن الضروري إجراء تقييم طبي متخصص.

هل يمكن أن تتشابه أعراض الاكتئاب مع اضطرابات الذاكرة؟

نعم، فبعض الحالات النفسية، مثل الاكتئاب الشديد، يمكن أن تؤثر في التركيز والذاكرة، وقد تبدو لدى المحيطين بالشخص على شكل تراجع في قدرته على التذكر أو الاهتمام بالأشياء.

لذلك لا ينبغي تشخيص الحالة داخل المنزل، بل يجب اللجوء إلى المختص لإجراء تقييم شامل.

ما العلامات التي تستوجب تدخل الأسرة وطلب المساعدة الطبية؟

من أبرز العلامات: التغير المستمر أو المفاجئ في السلوك، والعزلة الشديدة، والحزن المتواصل، وفقدان الاهتمام بالحياة، واضطرابات النوم أو الشهية، والقلق المفرط، والتغيرات الواضحة في الذاكرة أو القدرة على القيام بالأنشطة اليومية.

كما يجب أخذ أي حديث عن اليأس أو فقدان الرغبة في الحياة بجدية، لأنه يستدعي تدخلًا مهنيًا سريعًا.

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأسرة في حماية الصحة النفسية للمسن؟

الأسرة لها دور أساسي، فالمسن يحتاج إلى الشعور بأنه جزء مهم منها وليس عبئًا عليها. والاستماع إليه، واحترام رأيه، وإشراكه في الحياة اليومية، وتخصيص وقت للحديث معه، كلها أمور يمكن أن يكون لها أثر إيجابي على حالته النفسية.

هل تشكل العزلة الاجتماعية خطرًا على المسن؟

نعم، العزلة يمكن أن تؤثر بشكل كبير في الصحة النفسية، لأن الإنسان يحتاج إلى التواصل والعلاقات والشعور بالانتماء.

لذلك من المهم تشجيع كبار السن على الحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية، وزيارة الأقارب والأصدقاء، والمشاركة في الأنشطة المناسبة لهم، وعدم تركهم لفترات طويلة في عزلة.

هل يمكن الوقاية من بعض الاضطرابات النفسية المرتبطة بالشيخوخة؟

يمكن تعزيز الصحة النفسية وتقليل بعض عوامل الخطر من خلال نمط حياة صحي ومتوازن، يشمل التواصل الاجتماعي، والنشاط البدني المناسب، والاهتمام بالنوم والتغذية، والحفاظ على النشاط الذهني.

كما أن متابعة الأمراض الجسدية وعلاجها بشكل جيد أمر مهم، لأن الصحة الجسدية والنفسية مرتبطتان بشكل كبير.

هل ما تزال نظرة المجتمع تمنع بعض الأسر من اللجوء إلى الطبيب النفسي؟

للأسف، ما تزال هناك أفكار خاطئة مرتبطة بالطب النفسي. وزيارة الطبيب النفسي لا تعني أن الإنسان فقد عقله، بل تعني أنه يبحث عن مساعدة متخصصة لمشكلة صحية تحتاج إلى تقييم وعلاج.

ويجب التعامل مع الصحة النفسية كما نتعامل مع أي مرض آخر، لأن طلب المساعدة خطوة إيجابية ومسؤولة.

ما رسالتك الأخيرة إلى الأسر المغربية والعربية؟

رسالتي هي أن نهتم بكبار السن ونستمع إليهم ونحترم مشاعرهم، لأن التقدم في العمر لا يلغي حاجتهم إلى الحب والاهتمام والتقدير.

ولا ينبغي تفسير كل تغير نفسي أو سلوكي بأنه نتيجة طبيعية للشيخوخة، فبعض الحالات تحتاج إلى تشخيص وعلاج. كما أدعو الأسر إلى عدم ترك المسن وحيدًا مع معاناته، وطلب المساعدة المتخصصة عند ظهور أي أعراض مقلقة.