من المعرفة إلى الفعل البيئي: بناء جسور بين الوعي والمشاركة والتأثير
بقلم الدكتورة جميلة مرابط
خبيرة في شؤون الاستراتيجيات وسياسات الطاقة والاستدامة البيئية
مديرة كرسي ألكسو العلمي للحكامة الطاقية والتحول المستدام
رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات
السيدات والسادة،
الزميلات والزملاء،
الحضور الكريم،
يسعدني أن أشارك معكم اليوم في هذه الندوة التي تفتح نقاشًا بالغ الأهمية حول العلاقة بين المعرفة والتأثير في المجال البيئي.
وأود في البداية أن أطرح سؤالًا بسيطًا، لكنه في تقديري يحمل جوهر الإشكالية التي نناقشها: هل يكفي أن نعرف لكي نتصرف؟
نحن نعيش اليوم في زمن تتوفر فيه المعرفة البيئية بشكل غير مسبوق.
نعرف مخاطر التغير المناخي، ونعرف آثار التلوث، ونعرف أهمية المحافظة على الماء، ونعرف خطورة فقدان التنوع البيولوجي، ونعرف أهمية الاقتصاد الدائري وتثمين النفايات، كما أصبحت قضايا البيئة حاضرة في التعليم والإعلام والسياسات العمومية وفي النقاش المجتمعي.
ومع ذلك، فإن وجود المعرفة لا يعني بالضرورة وجود الفعل.
قد يكون الإنسان واعيًا بخطورة تبذير المياه، لكنه لا يغير سلوكه.
وقد يعرف المواطن آثار النفايات على البيئة، لكنه لا يجد دائمًا الوسائل أو الآليات التي تمكنه من المشاركة في الحل.
وقد يكون الشباب أكثر الفئات وعيًا بالقضايا البيئية، لكن مشاركتهم في صناعة القرار البيئي لا تزال في كثير من الحالات محدودة.
وهنا تظهر أمامنا مفارقة أساسية:
كلما توسعت المعرفة والوعي بالقضايا البيئية، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا حول كيفية تحويل هذا الوعي إلى مشاركة، وهذه المشاركة إلى فعل، وهذا الفعل إلى تأثير مستدام.
أولًا: الإشكالية – أين تقع الفجوة بين المعرفة والفعل؟
في تقديري، لا تكمن المشكلة فقط في نقص المعرفة. المشكلة الأعمق هي وجود فجوة بين المعرفة والقدرة على الفعل.
فالانتقال من المعرفة إلى الفعل ليس انتقالًا آليًا.
أن أعرف أن هناك مشكلة بيئية لا يعني بالضرورة أنني قادر على حلها.
وأن أكون واعيًا بخطورتها لا يعني أن لدي دائمًا الأدوات أو الفضاءات أو الشركاء الذين يسمحون لي بالمساهمة في معالجتها.
لذلك يمكن أن نميز بين خمس حلقات مترابطة: المعرفة - الوعي - المشاركة - الفعل - التأثير.
المعرفة تنتج الفهم.
والوعي يمنح القضية أهميتها بالنسبة للفرد والمجتمع.
لكن المشاركة هي التي تنقل الفرد من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
والفعل يحول المشاركة إلى مبادرة أو مشروع أو ممارسة.
أما التأثير فهو النتيجة التي يمكن أن نقيسها على أرض الواقع.
وهنا تكمن الإشكالية: كيف نبني الجسور بين هذه الحلقات حتى لا تبقى المعرفة منفصلة عن الفعل؟
ثانيًا: بناء جسور المعرفة نحو الفعل
أول ما نحتاج إليه هو إعادة التفكير في مفهوم التوعية البيئية. التوعية لا ينبغي أن تعني فقط تقديم المعلومات.
لأن المواطن قد يعرف المشكلة دون أن يعرف ماذا يستطيع أن يفعل. لذلك يجب أن ننتقل من:
نعرف الناس بالمشكلة" إلى: نمنح الناس المعرفة والأدوات التي تمكنهم من المساهمة في الحل." وهنا تصبح المعرفة البيئية أكثر ارتباطًا بالسياق المحلي.
فالمشكلة البيئية لا تظهر بالطريقة نفسها في المدينة والقرية، ولا في المناطق الساحلية والمناطق الجافة، ولا في المناطق الزراعية والمناطق الصناعية.
ولهذا فإن المعرفة الأكثر قدرة على إنتاج الفعل هي المعرفة التي تجيب عن ثلاثة أسئلة: ما المشكلة؟ لماذا تحدث؟ وماذا يمكننا أن نفعل تجاهها؟ عندما تتحول المعرفة إلى إجابات عملية، فإنها تصبح أكثر قدرة على إنتاج المشاركة.
ثم تحدي تحويل هذا الوعي إلى مشاركة. وهنا أعتقد أن علينا إعادة النظر في طريقة التعامل مع المواطن والشباب والمجتمع المدني.
لا ينبغي أن يكون المواطن مجرد مستفيد من السياسات البيئية. ولا ينبغي أن يكون الشباب مجرد جمهور في حملات التحسيس. ولا ينبغي أن يقتصر دور المجتمع المدني على تنفيذ أنشطة موسمية. بل ينبغي أن ننتقل إلى نموذج يجعل مختلف الفاعلين شركاء في إنتاج الحلول.
الشباب، على سبيل المثال، يمكن أن يشاركوا في تشخيص المشكلات البيئية المحلية، واقتراح الحلول، وتنفيذ المشاريع، ثم تقييم نتائجها. والجمعيات يمكن أن تكون حلقة وصل بين المعرفة العلمية والمجتمع. والجامعة يمكن أن تنتقل من إنتاج المعرفة فقط إلى تيسير نقلها إلى المجال المجتمعي. أما الجماعات الترابية، فيمكن أن توفر الإطار المحلي الذي يسمح بتحويل المبادرات إلى برامج قابلة للاستمرار.
وهنا نصل إلى فكرة أساسية: المشاركة الحقيقية لا تعني فقط أن نسمح للناس بالحضور، وإنما أن نمنحهم إمكانية التأثير.
نقل المشاركة من مستوى النقاش إلى مستوى المبادرة. وهنا يمكن للمبادرات المحلية أن تلعب دورًا أساسيًا. قد تبدأ المبادرة بفكرة بسيطة جدًا: حماية مورد مائي، إعادة تثمين النفايات، حماية مجال طبيعي، التشجير، حماية التنوع البيولوجي، أو تغيير سلوك داخل مدرسة أو حي أو قرية.
لكن القيمة الحقيقية للمبادرة لا تكمن فقط في حجمها. بل في قدرتها على خلق نموذج قابل للاستمرار والتوسع. وهنا تظهر أهمية توثيق التجارب المحلية. لأن تجربة ناجحة في قرية أو مدرسة أو جماعة يمكن أن تتحول، إذا تم توثيقها وتقييمها وتبادلها، إلى نموذج تستفيد منه مناطق أخرى.ىوبالتالي، فإننا لا نحتاج فقط إلى المزيد من المبادرات. نحتاج أيضًا إلى: معرفة ما الذي نجح، ولماذا نجح، وكيف يمكن تكراره.
من المبادرات إلى الشبكات والتحالفات : وهنا أصل إلى عنصر أراه حاسمًا في بناء الفعل البيئي المستدام: العمل الشبكي.
اليوم، من الصعب أن يستطيع فاعل واحد معالجة مشكلة بيئية معقدة بمفرده. الجمعية قد تمتلك القرب من المجتمع، لكنها تحتاج إلى الخبرة العلمية. والباحث يمتلك المعرفة، لكنه يحتاج إلى قنوات للوصول إلى المجتمع. والجماعة الترابية تمتلك أدوات التدبير المحلي، لكنها تحتاج إلى شركاء قادرين على التعبئة والمواكبة. والشباب يمتلكون الطاقة والأفكار، لكنهم يحتاجون إلى فضاءات وفرص. إذن نحن بحاجة إلى الانتقال من: ماذا تستطيع كل جهة أن تفعل بمفردها؟" إلى: ماذا يمكن أن نفعل معًا؟" وهنا يمكن بناء تحالفات محلية تضم: المؤسسات، والجماعات الترابية، والجامعات، والمجتمع المدني، والشباب، والقطاع الخاص، والإعلام، والمواطنين.
هذا النوع من العمل لا يجمع فقط الموارد، وإنما يجمع أيضًا المعرفة والخبرة والثقة والقدرة على الوصول إلى المجتمع.
ثالثا: نموذج مقترح – من المعرفة إلى التأثير
انطلاقًا من ذلك، أقترح نموذجًا بسيطًا يمكن أن نطلق عليه ":سلسلة الفعل البيئي"
وتتكون من خمس مراحل:
المعرفة
فهم المشكلة اعتمادًا على المعطيات والدراسات والخبرة المحلية.
?الوعي
تحويل المعرفة إلى إدراك اجتماعي لأهمية المشكلة وضرورة التحرك.
?المشاركة
فتح المجال أمام المواطن والشباب والمجتمع المدني وباقي الفاعلين للمساهمة.
?الفعل
تحويل المشاركة إلى مبادرات ومشاريع وحلول ملموسة.
?التأثير
قياس النتائج، وتوثيقها، وتطويرها، وتوسيع نطاقها.
?وبهذا الشكل تصبح العلاقة: المعرفة تنتج الوعي، والوعي يحفز المشاركة، والمشاركة تنتج الفعل، والفعل ينتج التأثير.
لكن هذه السلسلة لا تعمل بشكل تلقائي. إنها تحتاج إلى جسور مؤسسية ومجتمعية. وهذه الجسور هي:
الثقة، والشراكة، والتواصل، والتمكين، وتبادل المعرفة، وقياس النتائج.
خاتمة
السيدات والسادة،
أعتقد أن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم لم يعد: هل يمتلك المجتمع المعرفة البيئية؟ بل أصبح: هل يمتلك المجتمع القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى فعل وتأثير؟ وهنا أعود إلى عنوان مداخلتي: من المعرفة إلى الفعل البيئي: بناء جسور بين الوعي والمشاركة والتأثير. إن بناء هذه الجسور هو في تقديري أحد أهم التحديات التي تواجه العمل البيئي اليوم. فالمعرفة وحدها لا تكفي. والوعي وحده لا يكفي. وحتى المشاركة وحدها لا تكفي. ما نحتاج إليه هو منظومة متكاملة تجعل المواطن يعرف، ويفهم، ويشارك، ويعمل، ثم يرى أثر عمله.
وأعتقد أن مستقبل العمل البيئي لن يكون فقط في إنتاج مزيد من المعرفة، وإنما في بناء القدرة الجماعية على تحويل المعرفة إلى فعل، والفعل إلى تأثير، والتأثير إلى تغيير مستدام.
لذلك أختتم بفكرة أعتبرها جوهر هذه المداخلة:
" المعرفة تصبح قوة عندما تتحول إلى فعل، والفعل يصبح مستدامًا عندما يتحول إلى عمل جماعي، والعمل الجماعي يصبح مؤثرًا عندما يمكن قياس نتائجه واستدامتها."
التوصيات:
إذا أردنا الانتقال من المعرفة إلى الفعل البيئي، فأعتقد أننا بحاجة إلى مجموعة من التحولات:
أولًا، تحويل المعرفة العلمية إلى معرفة قابلة للاستعمال محليًا.
ثانيًا، إعطاء الشباب أدوارًا حقيقية في التشخيص وصناعة الحلول، وليس فقط في الحملات التحسيسية.
ثالثًا، دعم المبادرات المحلية وتحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتوسع.
رابعًا، بناء شبكات وتحالفات دائمة بين المؤسسات والباحثين والمجتمع المدني والشباب والقطاع الخاص.
خامسًا، اعتماد مؤشرات واضحة لقياس الأثر بدل الاكتفاء بقياس عدد الأنشطة.
وسادسًا، وربما الأهم، بناء الثقة بين مختلف الفاعلين.
لأن الفعل الجماعي لا يمكن أن يستمر من دون ثقة.
وشكرًا لكم على حسن الاستماع.