ليست كل القصائد تُكتب لكي تُحفظ، بعضها يُكتب لكي يكشف ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا وعن الآخرين. وفي قصيدة «كاين أو كاين» للشاعر خالد فولان، لا يكتفي الشاعر برصد تفاصيل الحياة اليومية، بل يضع أمام القارئ مرآة اجتماعية واسعة، يرى فيها وجوهًا كثيرة: القريب والبعيد، السخي والأناني، الصامت والثرثار، من يملك الكثير ولا يعطي شيئًا، ومن لا يملك إلا القليل لكنه يظل يبحث عن المزيد.

منذ المطلع، يختار خالد فولان لغة قريبة من الشارع المغربي، لكنها محملة بدلالات إنسانية عميقة:

«كاين اللي من كرش مو زايد بهمو
وكاين اللي ما عندو زهر حتى مع الطوب والحجر»

هنا لا يقدم الشاعر حكمًا جاهزًا بقدر ما يرسم مفارقة من مفارقات الحياة؛ فهناك من يولد وفي يده امتيازات كثيرة، وهناك من يبدو وكأن الحظ يخاصمه حتى في أبسط تفاصيل حياته. إنها ثنائية الحظ والحرمان، التي يعرفها المجتمع جيدًا، لكن الشاعر يعيد تقديمها بلغة ساخرة وقريبة من الوجدان الشعبي.

وفي مقطع آخر، ينتقل فولان إلى شخصية أكثر تعقيدًا: ذلك الإنسان الذي يختار الصمت، لا لأنه حكيم بالضرورة، وإنما لأنه يعرف كيف يخفي أوراقه:

«كاين اللي وخا يكون منك قريب
بحرو غارق
ما يعطيك راس الخيط»

إنها صورة ذكية للقرب الذي لا يعني بالضرورة المعرفة، وللعلاقات التي قد تبدو حميمة من الخارج، بينما تظل أسرارها مغلقة أمام أقرب الناس إليها. ومن هنا يستحضر الشاعر حكمة شعبية لافتة:

«دوز على الهرهوري
وما تدوز على السكوتي»

فالثرثار، مهما بالغ في الكلام، قد يكشف شيئًا من نفسه، بينما الصامت قد يتركك أمام أسئلة أكثر من الأجوبة.
لكن القصيدة لا تتوقف عند توصيف الشخصيات، بل تدخل مباشرة إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في العلاقات الإنسانية: المصلحة.

«كاين اللي ياخذ منك وما يعطي
يجمع الغلة ويدي
قاضي الغرض
يقلب على مصلاحتو
ناسي اللي ليه صحابو وخوتو»

هنا يتحول الشعر إلى نقد اجتماعي واضح لسلوك الإنسان حين تصبح المصلحة معيارًا للعلاقة. فبعض الناس لا يتذكرون الآخرين إلا عندما يحتاجون إليهم، وحين تنتهي الحاجة يعود كل شيء إلى الصمت والنسيان.

والأقسى من ذلك أن الشاعر لا يتحدث عن الغرباء فقط، بل عن القريب أيضًا. فالقرابة، في منطق القصيدة، ليست ضمانة للأخلاق، والصداقة ليست دائمًا عنوانًا للوفاء.
ثم تأتي صورة أخرى لا تقل دلالة:

«كاين اللي خازن شلة فلوس
مرة مرة يطل عليهم ويشوف
ما نفع راسو
ولا ولادو ولا خوتو
واللي ليه»

وهنا يطرح الشاعر سؤالًا يتجاوز المال نفسه: ما قيمة ما نملكه إذا تحول الادخار إلى غاية، وأصبح الإنسان أسيرًا لما جمعه بدل أن يكون المال وسيلة لحياة أفضل له ولأسرته ومن حوله؟

إن خالد فولان لا يهاجم المال، وإنما ينتقد الاحتفاظ الأعمى به، حين يفقد الإنسان القدرة على الاستفادة مما جمعه أو مشاركته مع من يستحقون.

وفي القسم الثاني من القصيدة، تتسع الدائرة لتشمل أولئك الذين يعيشون على طلب المزيد، حتى وإن كان لديهم ما يكفي:

«كاين اللي واخد السعاية حرفة
وخا عندو رزقو
قدام الناس غادي بالحفا»

السعاية هنا ليست مجرد حاجة عابرة، بل تتحول إلى سلوك متكرر، وربما إلى أسلوب حياة. وهي صورة ساخرة لإنسان يملك رزقه، لكنه يفضل أن يظهر أمام الآخرين بمظهر المحتاج، بحثًا عن المزيد.
أما الصورة الأكثر إثارة فهي تلك التي تختصرها عبارة:

«كاين شلة وبزاف»

إنها ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل إعلان عن تعدد النماذج البشرية التي يلتقطها الشاعر من الحياة اليومية. فالمجتمع، كما يراه فولان، ليس لونًا واحدًا، ولا يمكن اختزاله في صورة مثالية أو سوداء بالكامل. هناك الخير والأنانية، الشهامة والطمع، الصمت والكلام، القناعة والجشع.
وفي ختام القصيدة، يعود الشاعر إلى الحديث عن المعرفة والتعليم والكلام، ليقدم شخصية تبدو مثقفة أو كثيرة الحديث، لكنها لا تمتلك بالضرورة فهمًا حقيقيًا للحياة:

«كاين اللي وخا قاري
بهموم الدنيا ما فاهم ولا داري
واش بايع ولا شاري»

وهنا تبلغ القصيدة إحدى رسائلها الأساسية: الشهادة ليست دائمًا حكمة، وكثرة الكلام ليست دليلًا على المعرفة، والتعليم لا يمنح الإنسان بالضرورة القدرة على فهم الناس والحياة.
ثم يأتي الختام بنبرة تختلط فيها السخرية بالمرارة:

«شحال تقنا فيك يا ليام
اخرتها عرفتينا مقامك
وجبتي لينا التمام»

إنها ليست خاتمة قصيدة فقط، بل خلاصة تجربة. فالزمن وحده قادر على كشف الناس ووضع كل شخص في مقامه الحقيقي. قد تخدعنا الكلمات، وقد تخدعنا المظاهر، وقد تخدعنا القرابة والمصالح، لكن الأيام في النهاية تكشف ما عجزت العيون عن رؤيته.

خالد فولان.. شاعر يكتب من قلب الشارع
قوة «كاين أو كاين» لا تكمن في تعقيد اللغة، بل في العكس تمامًا. الشاعر اختار لغة الناس، أمثالهم وتعبيراتهم اليومية، وجعل منها مادة شعرية تحمل نقدًا اجتماعيًا واضحًا.

وهذه إحدى نقاط قوة الشعر الشعبي حين يكون قريبًا من نبض المجتمع: أن يقول الأشياء التي يعرفها الجميع، لكن بطريقة تجعل القارئ يتوقف أمامها من جديد.
فـ «كاين أو كاين» ليست مجرد تعداد لشخصيات ونماذج، وإنما رحلة قصيرة داخل النفس البشرية؛ رحلة تقول إن الناس ليسوا سواء، وإن القرب لا يعني الوفاء، والمال لا يعني الكرم، والعلم لا يعني الحكمة، والكلام لا يعني الصدق.

وفي النهاية، يترك خالد فولان القارئ أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل: كم واحدًا من هؤلاء «اللي كاينين» مرّ في حياتنا؟ وكم واحدًا منهم قد يكون موجودًا فينا نحن أيضًا؟
وهنا بالضبط تتحول القصيدة من كلام عن الآخرين إلى كلام عن الإنسان نفسه.

* القصيدة

كاين او كاين

كاين او كاين
كاين
اللي من كرش مو
زايد بهمو
وكاين
اللي ما عندو زهر
حتى مع الطوب والحجر
كاين
اللي خدام ساكت
او ما كيهضر
كاين
اللي وخا يكون منك قريب
بحرو غارق
ما يعطيك راس الخيط
ما تعرف ليه ساسو
من راسو
قالوها ناس زمان
دوز على الهرهوري
وما تدوز على السكوتي
كاين
اللي ياخذ منك وما
يعطي
يجمع الغلة ويدي
قاضي الغرض
يقلب على مصلاحتو
ناسي اللي ليه
صحابو وخوتو
كاين
اللي ياخد كلشي
ويقلب على الغفلة وقتاش يمشي
عندو الصح قلة
الشي كترشي
عندو الحق يطمع
ويدي كلشي

كاين او كاين
كاين شلة وبزاف
تشجع شوية ومن ضلك لا تبقى تخاف
منك عدد وآلاف
شحال من واحد في هاد الدنيا
ما تسارى ما عرف
ناس ولا شاف
باغي غير شوية
من بزاف
كاين اللي واخد السعاية حرفة
وخا عندو رزقو
قدام الناس غادي
بالحفا
كاين
اللي خازن شلة فلوس
مرة مرة يطل عليهم ويشوف
ما نفع راسو
ولا ولادو ولا خوتو
واللي ليه

كاين او كاين
كاين
اللي وخا قاري
بهموم الدنيا ما
فاهم ولا داري
واش بايع ولا شاري
كاين
اللي ما زال تسمع
منو شلة هضرة وكلام
ما داير لفمو لجام
شحال تقنا فيك يا
ليام
اخرتها عرفتينا مقامك
وجبتي لينا التمام.

كلمات ..خالد فولان.