بقلم الأستاذة ابتسام إسماعيني

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يعود المشهد السياسي المغربي إلى الواجهة، لكن هذه المرة في ظل سؤال يبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ماذا قدمت الأحزاب للمواطن، وماذا بقي مجرد وعود انتخابية؟
فالمواطن المغربي لم يعد يريد فقط أن يسمع خطاباً سياسياً جميلاً، ولا أن يرى صوراً جديدة للمرشحين معلقة في الشوارع، ولا أن يتلقى وعوداً تتكرر كل خمس سنوات. المواطن يريد أن يعرف شيئاً أكثر بساطة ووضوحاً: ماذا تحقق فعلاً؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الوعود التي لم تتحقق؟

انتخابات 2026 ليست مجرد منافسة على المقاعد البرلمانية، وإنما امتحان جديد لمدى قدرة الأحزاب السياسية على استعادة الثقة، وإقناع الناخب بأن صوته قادر على إحداث فرق حقيقي في تدبير الشأن العام.

اليوم، تتنافس الأحزاب وتقدم برامجها، وكل طرف يحاول إقناع المواطن بأنه يمتلك الحلول للأزمة الاجتماعية والاقتصادية، ولملفات التشغيل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الوعود هو: أين كانت الأحزاب التي سبق أن تحملت مسؤولية تدبير الحكومة والبرلمان عندما كان المواطن ينتظر النتائج؟

لقد تعاقبت حكومات وأحزاب وتحالفات سياسية، ومرت سنوات طويلة من التجارب الحكومية، من حكومة التناوب إلى الحكومات التي جاءت بعدها، وصولاً إلى الحكومة الحالية. وفي كل مرحلة كان المواطن يسمع لغة جديدة وشعارات جديدة وبرامج جديدة، لكن جزءاً من الشارع المغربي ما زال يشعر بأن الملفات الكبرى تعود إلى نقطة الصفر كلما اقترب موعد انتخابي جديد.

وهنا لا يتعلق الأمر بحزب واحد دون آخر، ولا بتيار سياسي بعينه، بل يتعلق بالسؤال الأكبر: هل أصبحنا أمام أزمة في أداء الأحزاب نفسها؟

المشكلة ليست في وجود التنافس السياسي، فالتعددية الحزبية جزء أساسي من الحياة الديمقراطية، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول التنافس إلى مجرد صراع على المواقع والمقاعد، بينما يبقى المواطن ينتظر تحسيناً ملموساً في حياته اليومية.
فالناخب لا يقيس السياسة فقط بعدد المشاريع التي تعلن عنها الحكومة، وإنما يقيسها بثمن المواد الأساسية، وفرص العمل، وجودة المدرسة العمومية، والولوج إلى العلاج، والسكن، والنقل، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الرشوة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هنا تبرز قضية الحصيلة.
الحزب الذي شارك في الحكومة لا ينبغي أن يدخل الانتخابات وكأنه يبدأ من الصفر. عليه أن يقدم كشف حساب واضحاً: ماذا وعد؟ ماذا أنجز؟ ماذا لم ينجز؟ ولماذا؟ وما الذي تعذر تنفيذه؟ وما الذي يحتاج إلى وقت إضافي؟

أما المعارضة، فهي أيضاً مطالبة بكشف حساب من نوع آخر: ماذا قدمت داخل المؤسسة التشريعية؟ ما هي المبادرات التي اقترحتها؟ كيف راقبت الحكومة؟ وما البدائل التي قدمتها للمواطن؟
فالديمقراطية لا تعني أن الحكومة وحدها تحت المجهر، بل إن المعارضة أيضاً مطالبة بأن تثبت أنها قادرة على تقديم بديل حقيقي، وليس فقط انتقاد الخصم السياسي.

وفي انتخابات 2026، يبدو أن المواطن يريد الانتقال من مرحلة "ماذا ستفعلون؟" إلى مرحلة "ماذا فعلتم؟".

وهنا تظهر إشكالية أخرى لا يمكن تجاهلها: الوجوه السياسية نفسها.

هل يحتاج المغرب إلى تجديد النخب السياسية؟ وهل تستطيع الأحزاب أن تفتح الباب أمام الكفاءات والشباب والنساء والطاقات الجديدة؟ أم أن المشهد سيظل محكوماً بأسماء ووجوه تتكرر من استحقاق إلى آخر؟

إن تجديد النخب لا يعني إقصاء ذوي الخبرة، كما أن الخبرة لا ينبغي أن تتحول إلى احتكار دائم للمواقع. المطلوب هو تحقيق التوازن بين التجربة والكفاءة والتجديد، لأن السياسة التي لا تفسح المجال أمام جيل جديد تخاطر بفقدان قدرتها على التواصل مع أجيال جديدة من الناخبين.

والأخطر من ذلك هو أن استمرار الفجوة بين المواطن والمؤسسات السياسية قد يؤدي إلى اتساع دائرة العزوف الانتخابي.
فالشاب الذي لا يجد نفسه ممثلاً في الخطاب السياسي، والمواطن الذي يرى أن وعوداً انتخابية سابقة لم تتحول إلى نتائج، قد يصل إلى قناعة خطيرة مفادها أن التصويت لا يغير شيئاً.

وهذه القناعة، إن انتشرت، لا تضر بحزب معين فقط، وإنما تضر بالعملية الديمقراطية برمتها.

المشاركة في الانتخابات ليست مجرد ورقة توضع في صندوق، بل هي وسيلة لاختيار من سيتحمل مسؤولية التشريع والمراقبة وصناعة القرار داخل المؤسسة البرلمانية. ولذلك فإن العزوف ليس حلاً، لأن ترك صندوق الاقتراع فارغاً من أصوات المواطنين لا يعني اختفاء السياسة، بل يعني ترك المجال أمام الآخرين لاتخاذ القرار نيابة عنهم.

وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المواطن بالمشاركة ثم تجاهل الأسباب التي تدفع بعض المواطنين إلى فقدان الثقة.
الثقة لا تُطلب بالخطب، وإنما تُبنى بالنتائج.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش الانتخابي عن التوجيهات الملكية المتكررة بشأن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة. فمحاربة الفساد ليست شعاراً انتخابياً موسمياً، وإنما ورش مؤسساتي دائم، وكلما ارتفعت مطالب المجتمع بالشفافية والنزاهة، أصبح على الأحزاب أن تكون أكثر وضوحاً في برامجها وفي طريقة اختيار مرشحيها.
المواطن يريد أن يعرف أيضاً: كيف ستواجه الأحزاب الفساد؟ كيف ستمنع تضارب المصالح؟ كيف ستقوي الرقابة؟ كيف ستضمن تكافؤ الفرص؟ وكيف ستجعل المسؤول العمومي يشعر بأن المنصب مسؤولية وليس امتيازاً؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل أصبحت في صلب النقاش العمومي.

ولا يكفي أن يرفع المرشح شعار محاربة الفساد، بل يجب أن يقدم آليات عملية وقابلة للقياس، لأن محاربة الفساد تبدأ من الشفافية، ومن احترام القانون، ومن وضوح الصفقات العمومية، ومن مراقبة المال العام، ومن استقلالية المؤسسات الرقابية، ومن عدم التساهل مع أي خرق للقانون أياً كان صاحبه.
وفي النهاية، فإن المواطن المغربي ليس عدواً للأحزاب، وليس ضد السياسة، وليس ضد الحكومة أو المعارضة.

المواطن يريد فقط أن يشعر بأن صوته له قيمة، وأن النائب الذي ينتخبه سيظل حاضراً بعد انتهاء الحملة الانتخابية، وأن المنتخب لن يظهر فقط عندما يحتاج إلى الأصوات، ثم يختفي عندما تبدأ مرحلة المحاسبة.

المواطن يريد نائباً يسمعه، يدافع عن قضاياه، يراقب الحكومة، يشرّع بجدية، ويتواصل مع المواطنين، وليس مجرد اسم يظهر في صورة انتخابية.

كما يريد أحزاباً تمتلك الجرأة على الاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن الإنجازات.

إن الانتخابات الحقيقية تبدأ عندما يتوقف السياسي عن مخاطبة المواطن باعتباره رقماً انتخابياً، ويتعامل معه باعتباره شريكاً في بناء الوطن.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في انتخابات 2026 ليس فقط: من سيفوز؟
بل السؤال الأهم هو: بأي برنامج؟ وبأي وجوه؟ وبأي حصيلة؟ وبأي التزام؟
ومن سيفوز في نهاية المطاف يجب ألا يكون فقط الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات، بل يجب أن تكون الديمقراطية نفسها هي الرابح، وأن يكون المواطن هو المستفيد الأول من نتائج صناديق الاقتراع.

لقد تغير المواطن المغربي، وأصبح أكثر قدرة على المقارنة وأكثر اطلاعاً على ما يحدث حوله، ولم تعد الشعارات وحدها كافية لإقناعه.

لقد أصبح يريد الأرقام بدل الخطابات، والنتائج بدل الوعود، والكفاءة بدل الولاء، والمحاسبة بدل الإفلات من المسؤولية، وتجديد النخب بدل إعادة إنتاج الوجوه نفسها.

وفي انتخابات 23 شتنبر، ستكون الكرة في ملعب الأحزاب والمواطنين معاً: الأحزاب مطالبة بتقديم حصيلة وبرامج قابلة للقياس، والمواطن مطالب بأن يحول صوته إلى أداة اختيار ومحاسبة، لا إلى ورقة غضب أو عزوف.

فإذا كان السياسي يريد صوت المواطن، فعليه أولاً أن يقدم له سبباً حقيقياً لمنحه ثقته.

الانتخابات ليست موسم الوعود… إنها لحظة الحساب.

والصندوق لا يسأل المرشح ماذا قال، بل يمنح المواطن فرصة ليسأل: ماذا فعل؟