مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، لم يعد السؤال الذي يشغل جزءاً كبيراً من النقاش العام في المغرب هو فقط: من سيفوز؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا يريد المواطن المغربي ممن سيضع صوته في صندوق الاقتراع؟

ففي الوقت الذي دخلت فيه الأحزاب السياسية سباق الحملة الانتخابية، وانتقلت المنافسة من الساحات والتجمعات إلى شاشات الهواتف ومنصات فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، يبدو أن الناخب المغربي أصبح أكثر ميلاً إلى مساءلة البرامج والوعود، وأقل اهتماماً بالشعارات العامة التي لا يجد لها ترجمة مباشرة في حياته اليومية. وتشير تغطيات إعلامية متزامنة مع انطلاق الحملة إلى أن شبكات التواصل أصبحت إحدى أهم ساحات المنافسة الانتخابية، خصوصاً في مخاطبة الشباب.

المواطن الذي يتابع الحملة الانتخابية من منزله أو مكان عمله لا يبدو منشغلاً فقط بصور المرشحين ولقاءاتهم، وإنما يريد إجابات أكثر مباشرة: ماذا سيحدث للأسعار؟
أين ستوجد فرص الشغل؟
ماذا سيجد أبناؤه داخل المدرسة؟
هل سيحصل على علاج محترم وفي وقت مناسب؟
كيف يمكن تحسين الدخل؟
ماذا عن السكن؟
ماذا عن النقل؟
وماذا عن الشباب الذين يحملون الشهادات ويجدون أنفسهم أمام سنوات من الانتظار؟


هذه الأسئلة لم تعد محصورة في النقاش السياسي التقليدي، بل أصبحت حاضرة بقوة في النقاش الرقمي والإعلامي المواكب للانتخابات.

واللافت أن عدداً من البرامج الانتخابية والحزبية الحالية يتقاطع بالفعل عند ملفات القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تمارسه هذه الملفات على أجندة الانتخابات.

لكن المواطن، في المقابل، يريد أن يعرف شيئاً أبسط من لغة البرامج: كيف ستتحول هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة؟


فعبارة "تحسين القدرة الشرائية" قد تبدو جذابة في خطاب انتخابي، لكنها بالنسبة للأسرة المغربية تعني شيئاً محدداً جداً: كم ستدفع مقابل المواد الغذائية؟
كم ستكلفها فاتورة الكهرباء والماء؟
كم ستدفع للكراء؟
وكم سيبقى من راتبها بعد مصاريف النقل والدراسة والعلاج؟


وهنا تكمن إحدى أكبر معضلات الخطاب الانتخابي الحالي: كثرة الوعود مقابل حاجة الناخب إلى أرقام وآجال وآليات واضحة للتنفيذ.

فالمواطن لا يريد فقط أن يسمع أنه سيتم خلق فرص شغل، بل يريد أن يعرف أين ستُخلق هذه الوظائف، ولمن، وما هي القطاعات المستهدفة، وما هو الجدول الزمني لذلك. ولا يريد فقط الحديث عن إصلاح التعليم، بل يريد مدرسة عمومية أفضل، وأقساماً أقل اكتظاظاً، وظروفاً تعليمية أكثر استقراراً، وربطاً أوضح بين التكوين وسوق الشغل.

والشيء نفسه ينطبق على الصحة. فبالنسبة للمواطن، إصلاح المنظومة الصحية لا يُقاس فقط بعدد المشاريع أو الميزانيات المرصودة، وإنما بقدرته على الحصول على موعد طبي، والعلاج في ظروف تحفظ كرامته، والوصول إلى الخدمات الصحية دون أن تتحول الحالة المرضية إلى أزمة مالية للأسرة.

أما الشباب، فيبدو أنهم يمثلون أحد أكبر اختبارات هذه الانتخابات. فالنقاش الإعلامي والسياسي الحالي يعكس استمرار مشكلة الثقة بين جزء من الشباب والأحزاب، مع بروز سؤال أساسي:
هل يستطيع السياسيون إقناع الجيل الجديد بأن المشاركة السياسية قادرة فعلاً على تغيير واقعه؟ وقد تناولت تغطيات وتحليلات حديثة مسألة فقدان جزء من الشباب الثقة في الأحزاب، مع استمرار اهتمامهم بالسياسة وقضايا المجتمع.

والشباب لا يريد بالضرورة خطاباً سياسياً أكثر صخباً، وإنما يريد نتائج يمكن قياسها: وظيفة، تكوين، مشروع، سكن، فضاء ثقافي ورياضي، وعدالة في الولوج إلى الفرص.

ومن هنا، فإن المعركة الانتخابية المقبلة لا تبدو مجرد منافسة بين أسماء حزبية، بل اختباراً لمدى قدرة الأحزاب على إقناع المواطن بأن لديها حلولاً قابلة للتنفيذ.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع دخول الانتخابات بقوة إلى مواقع التواصل الاجتماعي. فالحملة لم تعد تنتظر تجمعاً جماهيرياً حتى يصل المرشح إلى الناخب. أصبح بإمكان المرشح الوصول إلى آلاف أو ملايين المستخدمين من خلال فيديو قصير أو بث مباشر أو منشور على فيسبوك وإنستغرام أو محتوى موجه إلى مستخدمي تيك توك. وتشير تقارير حديثة إلى أن الأحزاب المغربية تستثمر بشكل متزايد هذه المنصات في حملتها الانتخابية.


لكن هذه الثورة الرقمية تحمل معها سؤالاً آخر: هل أصبح عدد المشاهدات معياراً للنجاح السياسي؟

الواقع أن الانتشار الرقمي قد يصنع صورة قوية للمرشح، لكنه لا يضمن بالضرورة ثقة الناخب. فالمواطن يستطيع أن يشاهد الفيديو ويضع إعجاباً أو يشاركه، لكنه في النهاية سيضع علامة واحدة أمام اسم واحد داخل ورقة الاقتراع.

ولهذا فإن الانتخابات الحالية تضع الأحزاب أمام تحدي الانتقال من "التواصل السياسي" إلى "المساءلة السياسية".
وهنا يظهر ملف آخر شديد الحساسية: الوعود السابقة.

فالمواطن الذي يسمع اليوم وعداً جديداً قد يعود إلى ما قيل في انتخابات سابقة ويسأل: ماذا تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا؟
ومن يتحمل المسؤولية؟


هذا السؤال يزداد أهمية مع اقتراب يوم الاقتراع، لأن الخطاب السياسي لا يُقاس فقط بجمال الوعود، وإنما بقدرة أصحابها على تقديم حصيلة قابلة للتحقق والمقارنة.


وفي هذا السياق، أصبحت البرامج الانتخابية نفسها موضع نقاش وتحليل إعلامي، خصوصاً مع اختلاف الأحزاب في حجم الالتزامات والأهداف والأرقام التي تقدمها للناخبين. وقد رصدت تحليلات حديثة ما وصفته بـ"حروب الأرقام" بين البرامج الانتخابية، في إشارة إلى انتقال المنافسة جزئياً من الشعارات إلى تقديم تعهدات رقمية ومؤشرات محددة.

لكن المواطن يريد أكثر من الرقم.
يريد أن يعرف مصدر التمويل، وتكلفة المشروع، والجهة التي ستنفذه، والمدة المطلوبة، وكيف يمكن محاسبة المنتخب إذا لم يتحقق الوعد.

وهنا تحديداً تظهر فكرة "التعاقد مع الناخب" كواحدة من أهم القضايا التي يمكن أن تعيد بناء الثقة السياسية: أن يقدم المرشح التزاماته بوضوح، وأن يعرف المواطن ماذا سيطلب منه بعد سنة، وماذا سيحاسبه عليه بعد نصف الولاية، وماذا سيكون مطلوباً منه عند نهاية الولاية.


فالمغربي لا يريد أن تنتهي العلاقة بين الناخب والمنتخب بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

إنه يريد منتخباً يسمع له بعد الانتخابات كما يسمعه قبلها.

ويريد نائباً يعرف قضايا دائرته، وليس فقط قضايا حزبه.

ويريد مؤسسة تشريعية تراقب الحكومة وتناقش القوانين وتدافع عن المصلحة العامة، وليس مجرد حضور سياسي مرتبط بالمواسم الانتخابية.

ومن الملفات التي تفرض نفسها كذلك قضية الفئات التي غالباً ما تكون أقل حضوراً في الخطاب الانتخابي، ومن بينها الأشخاص في وضعية إعاقة. وقد شهدت الفترة الانتخابية الحالية مطالب حقوقية بضرورة الانتقال من مقاربة الرعاية إلى التمكين، وفتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع لهذه الفئة.

وهناك أيضاً النساء، والشباب، وسكان المناطق الهامشية، والأسر ذات الدخل المحدود، والعاملون في القطاع غير المهيكل، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والمتقاعدون، والطبقة المتوسطة التي تجد نفسها بين ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الالتزامات الأسرية.

كل هؤلاء يريدون شيئاً واحداً في النهاية: أن تتحول السياسة من خطاب عام إلى أثر ملموس في حياتهم.

ومن خلال رصد النقاش الإعلامي والرقمي المواكب للانتخابات، يبدو أن المواطن أصبح أكثر حساسية تجاه الوعود الكبيرة غير المصحوبة بتفاصيل. بل إن النقاش الانتخابي نفسه بدأ يطرح سؤال قابلية تنفيذ البرامج، وليس فقط مضمونها.
وهذا التحول مهم جداً.

لأن الناخب الذي كان يُطلب منه أن يختار على أساس الشعارات أصبح اليوم قادراً، بفضل الإنترنت، على مقارنة البرامج، ومتابعة تصريحات المرشحين، واسترجاع تصريحاتهم القديمة، ومقارنة ما يقولونه اليوم بما قالوه بالأمس.

وفي المقابل، أصبحت الأحزاب والمرشحون أمام مسؤولية أكبر، لأن كل تصريح يمكن أن يتحول إلى مادة قابلة للتداول والمقارنة والمساءلة.
حتى الحملات الانتخابية نفسها أصبحت تحت المجهر الرقمي.

فالفيديو الذي يقدمه مرشح اليوم يمكن أن يصل إلى جمهور واسع، لكنه يمكن أيضاً أن يفتح نقاشاً واسعاً حول مضمون كلامه، ومصداقيته، ومدى واقعية وعوده.
وهذا يجعل انتخابات 2026 مختلفة في جزء مهم منها عن الحملات التقليدية السابقة: الناخب لم يعد متلقياً سلبياً فقط، وإنما أصبح جزءاً من صناعة النقاش السياسي.

ومع ذلك، فإن ارتفاع الحضور الرقمي لا يعني بالضرورة أن المشاركة الانتخابية أصبحت مضمونة. فاستعادة ثقة الناخب تظل واحدة من أكبر التحديات المطروحة على الأحزاب، خصوصاً لدى الشباب. وقد حذرت نقاشات سياسية وإعلامية حديثة من استمرار خطر العزوف ودعت إلى تجديد النخب وتعزيز الثقة.

وفي الشارع، يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر صعوبة في الوقت نفسه: لماذا سأصوت؟
الجواب لن يكون واحداً بالنسبة إلى الجميع.

هناك من سيصوت بحثاً عن تحسين الخدمات في حيه، وهناك من يبحث عن فرصة عمل، وآخر يريد إصلاح المدرسة أو المستشفى، وهناك من يرى في الانتخابات فرصة لمعاقبة حزب أو مكافأته، بينما يريد آخرون وجوهاً سياسية جديدة.

لكن القاسم المشترك بين كل هذه المواقف هو أن المواطن يريد أن يشعر بأن صوته له قيمة.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تختزل في سؤال من سيفوز بالمقاعد الـ395 في مجلس النواب، وإنما في سؤال أعمق: هل تستطيع هذه الانتخابات أن تعيد بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة؟

الناخب المغربي أمام لحظة سياسية حاسمة، والأحزاب أمام اختبار حقيقي.
لم يعد كافياً أن يقول المرشح "سأعمل من أجل المواطن".

المواطن يريد أن يعرف: ماذا ستفعل؟ كيف ستفعل؟ متى ستفعل؟ وكم سيكلف ذلك؟ ومن سيحاسبك إذا لم تفعل؟
وقبل 23 شتنبر، تبدو الرسالة الأكثر وضوحاً في النقاش العام بسيطة وقوية: المواطن لا يريد فقط مرشحاً يعرف كيف يخوض الحملة، وإنما يريد منتخباً يعرف كيف يمارس المسؤولية بعد انتهاء الحملة.
إنه يريد مدرسة أفضل، ومستشفى يحفظ كرامته، وشغلاً يوفر له الاستقرار، وأسعاراً لا تلتهم دخله، وسكناً في متناول الأسر، ونقلاً أكثر جودة، وإدارة أكثر سرعة ووضوحاً، وعدالة في الوصول إلى الفرص، وحضوراً حقيقياً للمنتخب بعد إعلان النتائج.

ويريد قبل كل شيء أن يشعر بأن السياسي الذي يطلب صوته اليوم سيظل قادراً على فتح هاتفه والرد عليه غداً.
فالمعركة الحقيقية في انتخابات 2026 قد لا تكون فقط بين الأحزاب واللوائح، وإنما بين خطاب الوعود ومنطق النتائج.
وفي النهاية، سيبقى صندوق الاقتراع هو المكان الذي سيحول فيه المواطن كل هذه الأسئلة إلى موقف.

وفي 23 شتنبر، لن يصوت المغاربة فقط لمن يتحدث بشكل أفضل، بل سيختبرون، كل بطريقته، من يملك القدرة على إقناعهم بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
والسؤال الذي سيظل مطروحاً إلى آخر لحظة ليس فقط: من سيفوز؟

بل: من سيكسب ثقة المواطن؟