بين رفوف المكتبات وأسواق الكتب المستعملة.. أسر مغربية تبحث عن حلول لإنقاذ ميزانيتها من «فاتورة شتنبر» الثقيلة

مع كل دخول مدرسي جديد، لا تبدأ معاناة الأسر المغربية عند أبواب المؤسسات التعليمية فقط، بل تنطلق قبل ذلك بأسابيع طويلة في المكتبات والأسواق والمحلات التجارية، حيث تتحول لوائح الكتب والدفاتر والأدوات إلى مصدر قلق حقيقي لآلاف الآباء والأمهات.

فالدخول المدرسي لموسم 2026-2027 جاء محملاً من جديد بأسئلة القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة المستلزمات، وصعوبة العثور على بعض الكتب، إلى جانب مصاريف النقل والملابس والرسوم بالنسبة إلى عدد من الأسر، خصوصاً تلك التي لديها أكثر من طفل متمدرس.

وبين أب يحاول تقسيم مشتريات أبنائه على مراحل، وأم تبحث عن الأرخص دون التضحية بجودة الأدوات، وأسر تتجه نحو الكتب المستعملة لتخفيف الضغط عن ميزانيتها، يبدو أن شهر شتنبر أصبح بالنسبة إلى كثير من المغاربة شهراً لـ«إعادة ترتيب الأولويات».

فالوزارة كانت قد أكدت تنظيم الدخول المدرسي للموسم 2026-2027 وفق المقرر الوزاري المنظم للسنة الدراسية، فيما انطلقت الدراسة فعلياً خلال شهر شتنبر، بالتزامن مع استعداد واسع للأسر لتوفير حاجيات أبنائها.

صاحب مكتبة بالدار البيضاء: «الناس كيجيو عندنا وكأننا مسؤولون عن كل الكتب الموجودة في المغرب»

في قلب هذه المعاناة، يجد أصحاب المكتبات أنفسهم بدورهم في مواجهة مباشرة مع غضب وقلق الأسر.

محمد، صاحب مكتبة بمدينة الدار البيضاء، يقول إن مشكل نقص بعض الكتب المدرسية يتكرر تقريباً كل سنة، موضحاً أن المواطن غالباً ما يتوجه إلى المكتبة مطالباً بالحصول فوراً على جميع المقررات المطلوبة.

لكن الواقع، حسب قوله، أكثر تعقيداً.
ويؤكد أن من الصعب على أي مكتبة، مهما كان حجمها، توفير جميع العناوين والمقررات في الوقت نفسه، بالنظر إلى العدد الكبير من المستويات الدراسية، بدءاً من التعليم الأولي والابتدائي، وصولاً إلى التعليم الثانوي الإعدادي والتأهيلي، فضلاً عن اختلاف الكتب واللوائح المعتمدة من مؤسسة إلى أخرى.

ويضيف أن الكتبي يجد نفسه في كثير من الأحيان بين مطرقة الأسر التي تبحث عن الكتب وسندان مشاكل التزويد، خاصة عندما يرتفع الطلب بشكل مفاجئ على بعض المقررات.

وهذه المعطيات تتقاطع مع ما سجلته تقارير إعلامية حديثة حول الإقبال الكبير على الكتب المدرسية، بما فيها الكتب المستعملة، إذ أصبح عدد من الأسر يبحث عن بدائل أقل كلفة لتقليص مصاريف الدخول المدرسي. ففي سوق درب غلف بالدار البيضاء، سجل إقبال على الكتب والمقررات المستعملة، حيث يمكن أن تبدأ أسعار بعض الكتب من حوالي 10 دراهم بحسب حالتها.

فاتورة الدخول المدرسي.. عندما يصبح طفلان أو ثلاثة عبئاً مالياً ثقيلاً

المشكلة، بالنسبة إلى الأسر، لا تتعلق بثمن كتاب واحد أو دفتر واحد.

إنها الفاتورة الكاملة.

كتب مدرسية، دفاتر، أقلام، أدوات هندسية، محافظ، مآزر، ملابس، مصاريف النقل، وأحياناً رسوم التسجيل والواجبات الشهرية بالنسبة إلى التعليم الخصوصي.
وكلما ارتفع عدد الأطفال المتمدرسين داخل الأسرة، تضاعف حجم الضغط.

وتشير تقارير صحفية حديثة إلى أن الأسر المغربية، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط، تواجه خلال الدخول المدرسي قائمة طويلة من النفقات التي يجب تدبيرها في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يدفع الكثير منها إلى البحث عن حلول لتقليص المصاريف وإعادة ترتيب أولوياتها المالية.

وهنا، يطرح عدد من الآباء والأمهات سؤالاً بسيطاً، لكنه يحمل الكثير من القلق:

كيف يمكن لأسرة محدودة الدخل أن توفر في أسبوع واحد مستلزمات الدراسة لاثنين أو ثلاثة أطفال؟

فالراتب الشهري لا ينتظر، ومصاريف الكراء والغذاء والفواتير لا تتوقف، بينما تأتي لائحة الدخول المدرسي دفعة واحدة، لتضيف عبئاً جديداً إلى ميزانية تعاني أصلاً من ضغط المعيشة.

محمد: «حتى الكتبي راه كيعاني»
من جهته، يرفض صاحب المكتبة تحميل الكتبي وحده مسؤولية ارتفاع تكلفة الدخول المدرسي.

ويشرح أن هامش الربح في عدد من الكتب المدرسية يظل محدوداً، في مقابل مصاريف يتحملها صاحب المكتبة، من النقل والتخزين والتشغيل، إلى جانب مخاطر اقتناء كميات من الكتب مسبقاً دون ضمان بيعها بالكامل.

كما أن أي تغيير في المقررات أو الطبعات قد يترك بعض المهنيين أمام مخزون يصعب تصريفه.

وبخصوص تكلفة المستلزمات، يؤكد محمد أن الأسعار تختلف بشكل كبير حسب المستوى الدراسي، ونوع المؤسسة، وطبيعة اللائحة المطلوبة، ونوعية المنتجات التي تختارها الأسرة.

وحسب تقديره المهني، فإن تجهيز بعض التلاميذ في حالات مرتبطة بالتعليم العمومي ومؤسسات الريادة قد يتم بتكلفة أقل نسبياً، بينما ترتفع الفاتورة بشكل واضح عندما يتعلق الأمر بلوائح أطول أو كتب إضافية أو تعليم خصوصي يعتمد مقررات أجنبية.

وتؤكد المصادر الإعلامية أن تكلفة الدخول المدرسي لا يمكن اختزالها في رقم واحد، لأنها تختلف بشكل كبير بحسب نوع التعليم والمستوى الدراسي وطبيعة الكتب واللوازم المطلوبة، فيما اتخذت وزارة التربية الوطنية إجراءات لتأطير اقتناء الكتب واللوازم وترشيد القوائم، مع توفير عدد من الكراسات مجاناً لفائدة تلاميذ مؤسسات الريادة.

أسر تبحث عن «الأرخص».. والكتب المستعملة تصبح طوق نجاة

في مواجهة الغلاء، لم يعد اقتناء الكتب الجديدة الخيار الوحيد أمام العديد من الأسر.

الكتب المستعملة أصبحت بالنسبة إلى كثيرين وسيلة عملية لتخفيف فاتورة الدخول المدرسي، خاصة عندما تكون الأسرة مطالبة بتجهيز أكثر من طفل.

وفي الدار البيضاء، أظهر الإقبال على أسواق الكتب المستعملة حجم الحاجة إلى بدائل اقتصادية، حيث يبحث المواطن عن كتاب صالح للاستعمال بثمن أقل من الجديد.
وهنا تظهر معادلة صعبة:

الأب يريد الأفضل لابنه، لكنه في الوقت نفسه مطالب بحماية ميزانية الأسرة.

ولذلك، فإن البحث عن كتاب مستعمل بحالة جيدة، أو الاحتفاظ ببعض الأدوات الصالحة من الموسم الماضي، أو تأجيل شراء بعض المستلزمات غير الضرورية، أصبحت حلولاً تلجأ إليها أسر كثيرة خلال هذه الفترة.

المكتبات المتخصصة في مواجهة الأسواق الموسمية

محمد يدعو المواطنين إلى دعم المكتبات المتخصصة وعدم التعامل معها فقط خلال موسم الدخول المدرسي.

ويعتبر أن المكتبة المحلية تؤدي دوراً مهماً على مدار السنة، وأن استمرارها مرتبط باستمرار إقبال المواطنين عليها، وليس فقط خلال أيام الضغط الكبير في شهر شتنبر.
كما ينتقد ما يصفه بالمنافسة غير المتكافئة من بعض نقاط البيع الموسمية والأسواق التي تدخل مجال بيع الكتب والأدوات المدرسية خلال فترة محدودة من السنة.

وفي هذا السياق، شهدت أسواق ومحلات الدار البيضاء، مع اقتراب الدخول المدرسي، انتشاراً واسعاً للدفاتر والمحافظ والأقلام واللوازم المختلفة، حيث أصبحت المنتجات المدرسية حاضرة بقوة في عدد من الأسواق والمراكز التجارية.
غير أن صاحب المكتبة يصر على أن المنافسة يجب أن تكون في إطار واضح يحمي المستهلك والمهني في الوقت نفسه.

تحذير من أدوات قد تضر بالأطفال

أخطر ما يثير قلق صاحب المكتبة، حسب تصريحه، ليس فقط الغلاء أو نقص الكتب، بل أيضاً جودة بعض المنتجات التي تصل إلى الأسواق.

ويؤكد أنه يرفض بيع أي منتج يعتقد أنه قد يشكل خطراً على صحة الأطفال، حتى لو كان يحقق هامش ربح مرتفعاً.

وهنا تبرز أهمية المراقبة والجودة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأدوات يستعملها الطفل يومياً، مثل الأقلام والمواد اللاصقة والألوان وبعض المنتجات البلاستيكية.

فالأسرة التي تبحث عن السعر الأرخص يجب، في المقابل، أن تنتبه إلى مصدر المنتجات ومدى مطابقتها لشروط السلامة والجودة.

ويشدد صاحب المكتبة على أن رخص الثمن لا يجب أن يكون على حساب صحة الطفل.

«الله يرزق الصبر للمواطن»..

صرخة تختصر موسم شتنبر
في النهاية، لا يبدو الدخول المدرسي مجرد مناسبة تربوية بالنسبة إلى آلاف الأسر المغربية.

إنه أيضاً اختبار اقتصادي واجتماعي حقيقي.
اختبار للأب الذي يحاول أن يوفر كل شيء لأبنائه دون أن يغرق في الديون.

واختبار للأم التي تقف أمام لائحة طويلة وتحاول التوفيق بين الجودة والثمن.

واختبار لصاحب المكتبة الذي يجد نفسه مطالباً بتوفير عشرات العناوين في وقت قصير، وسط مشاكل التزويد والمخزون وتكاليف التشغيل.
وبين رفوف المكتبات، وأسواق الكتب المستعملة، ولوائح الأدوات الطويلة، يبقى المواطن هو الحلقة الأكثر تأثراً بكل اختلال في منظومة الدخول المدرسي.

ولهذا، فإن التخفيف الحقيقي عن الأسر لا يقتصر على الحديث عن الدخول المدرسي باعتباره موعداً سنوياً، بل يحتاج إلى تنظيم أفضل لعملية التزويد، وضمان توفر الكتب في الوقت المناسب، وترشيد لوائح اللوازم، وتشديد مراقبة جودة المنتجات، وحماية القدرة الشرائية للأسر.

لأن المدرسة حق للطفل…
لكن هذا الحق يجب ألا يتحول، مع بداية كل شتنبر، إلى معركة يومية تخوضها الأسرة المغربية من أجل شراء كتاب ودفتر وقلم.

«الله يرزق الصبر للمواطن»… عبارة قد تبدو عابرة، لكنها تختصر اليوم واقع آلاف الأسر التي تريد شيئاً واحداً فقط: أن يبدأ أبناؤها عامهم الدراسي بكرامة، دون أن تبدأ الأسرة موسمها بالغرق في الديون.