«رد بالك يا ولدي ودير بحساب الوقت...» ليست مجرد بداية قصيدة، بل هي جرس إنذار يقرعه الشاعر خالد فولان في وجه الإنسان الذي يعتقد أن أيام الرخاء ستدوم، وأن المال سيبقى، وأن الظروف لن تتغير.

في قصيدته «دواير الزمان»، يقدم خالد فولان نصًا شعريًا شعبيًا عميقًا، يستحضر من خلاله واحدة من أكثر الحقائق قسوة في الحياة: لا شيء يبقى على حاله، والدنيا لا تمنح ضمانات لأحد.

فالزمان، كما تصوره القصيدة، ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة تدور باستمرار؛ يوم تكون في القمة، ويوم آخر قد تجد نفسك في موقع لم تكن تتخيله.

«كول شوية وخزن شوية»... فلسفة الحياة بلغة بسيطة

من أكثر الصور قوة في القصيدة تلك النصيحة الشعبية البسيطة:

«كول شوية وخزن شوية وخزن لدواير الزمان

اليوم كاين وغذا ما كاينش»

وراء هذه الكلمات البسيطة تختبئ فلسفة كاملة في تدبير الحياة. فالشاعر لا يدعو إلى البخل، ولا إلى الحرمان، بل يدعو إلى الحكمة والتوازن والنظر إلى المستقبل.
إنها رسالة إلى كل من يفتح يديه للإنفاق دون حساب، ويعتقد أن الرزق الذي بين يديه اليوم سيظل حاضرًا إلى الأبد.
ويختصر الشاعر هذه الحقيقة في حكمة مؤلمة:

«اللي جابو النهار يديه الليل»

فكم من إنسان جمع المال ثم فقده؟ وكم من شخص عاش القوة والنفوذ ثم تغيرت الأحوال؟ وكم من إنسان كان محاطًا بالناس، فلما تبدلت ظروفه وجد نفسه وحيدًا؟

الدنيا دوارة... ولا أحد فوق تقلبات الحياة
يؤكد خالد فولان في نصه أن الزمن لا يمنح أحدًا حصانة، وأن الذكاء وحده لا يكفي دائمًا للانتصار على تقلبات الحياة:

«الزمان ما يبقى على حال
والدنيا دوارة»

هنا تتحول القصيدة إلى مرآة اجتماعية، تعكس واقعًا نراه كل يوم. أشخاص كانوا في القمة فأصبحوا في الأسفل، وآخرون بدأوا من الصفر وصنعوا لأنفسهم مكانة.
ومن هنا تأتي إحدى أقوى رسائل القصيدة: لا تغتر بما تملكه اليوم، ولا تعتقد أن موقعك الحالي دائم.

فالمال يمكن أن يذهب، والمناصب تتغير، والأصدقاء قد يختفون، لكن الإنسان الذي يستعد للغد ويعرف قيمة الوقت هو الأكثر قدرة على مواجهة «دواير الزمان».

«شحال من واحد كان راس وولى رجلين»... بيت يهزّ الغرور

من أكثر الأبيات إثارة وقوة في النص قول الشاعر:

«شحال من واحد كان راس وولى رجلين»
عبارة شعبية قصيرة، لكنها تحمل قصة آلاف الأشخاص.

إنها صورة عن الإنسان الذي كان في موقع القيادة، أو القوة، أو الرفاهية، ثم انقلبت الأحوال وأصبح في وضع مختلف تمامًا.
ويربط خالد فولان هذا السقوط بالغرور وسوء التقدير، عندما يقول إن بعض الناس وثقوا أكثر من اللازم، واتبعوا الآخرين، وانشغلوا بالمظاهر، ولم يحسبوا حساب تقلبات الأيام.

وهنا لا يتحدث الشاعر عن المال فقط، بل عن القرار الخاطئ، والثقة العمياء، والغرور، والانجراف وراء أشخاص قد لا يكونون أهلًا للثقة.

حين يصبح الوقت هو القاضي

في نهاية الرسالة الشعرية، يضعنا خالد فولان أمام الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها: الوقت لا يعود.

فالإنسان قد لا يستيقظ من غفلته إلا بعد أن يجد أن الفرصة ضاعت، وأن ما كان يمكن إصلاحه بالأمس أصبح اليوم مجرد ذكرى.

وهنا تكمن قوة قصيدة «دواير الزمان»؛ فهي لا تقدم حكمة مجردة، بل تتحدث بلسان التجربة، وباللغة التي تصل مباشرة إلى الناس.

خالد فولان... شاعر يكتب من قلب الحياة
نجح الشاعر خالد فولان في تحويل الحكمة الشعبية المغربية إلى نص شعري يحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية عميقة.
فكلماته بسيطة، لكنها ليست سطحية، وقريبة من لغة الناس، لكنها تحمل رسائل كبيرة عن المال، والوقت، والغرور، والثقة، والخسارة، وتقلبات الحياة.

إن «دواير الزمان» ليست مجرد قصيدة تُقرأ للاستمتاع بالكلمات، بل رسالة تستحق أن يتوقف عندها كل إنسان.

رسالة تقول لنا باختصار:
لا تغتر بما لديك اليوم...
لا تبذر كل ما بين يديك...
لا تثق ثقة عمياء...
ولا تنسَ أن الزمان يدور.

فقد تكون اليوم في موقع القوة، وغدًا تحتاج إلى من يقف إلى جانبك.
وهذا هو الدرس الذي يلخصه خالد فولان بلغة مغربية صادقة وقريبة من القلب:

«دير حساب دواير الزمان... لأن اليوم كاين، وغدا ما كاينش».

شعر: خالد فولان

* القصيدة

دواير الزمان

رد بالك
يا ولدي
ودير بحساب الوقت
كول شوية وخزن شوية
وخزن لدواير الزمان
اليوم كاين وغذا
ما كاينش
لا تطلق ايديك بزاف
اللي جابو النهار يديه
الليل
الزمان ما يبقى على حال
والدنيا دوارة
واللبيب تهضر معاه مرة
وغير بالاشارة يفهم

خليك فايق وكون على
بال
لا تضيع كلشي من عندك
ما تلقى اللي ياخد بأيديك
الدنيا غدارة
وما تظن راسك تغلبها
وخا تكون عايق وفيك الشطارة

شحال من واحد كان
راس
وولى رجلين
تيق راسو وتبع
شي وحدين
ما دار بحساب دواير
الزمان
غرو مالو وتبدل حوالو
طل عليهم كيف صار
حالو
حيت ما رد مع دواير الزمان
بالو
تبع شي خيات
وجاوا رجليه في الخيات
ما عاق حتى لقى الوقت
عليه مشى وفات.