من قلب إسطنبول.. الدكتورة سومية حكيم تطلق «هندسة المعرفة الإسلامية» وتفتح أفقًا عربيًا جديدًا لصناعة المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي
من قلب إسطنبول التركية، وفي محطة علمية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود البحث الأكاديمي التقليدي، تطلق الدكتورة سومية حكيم مشروع «هندسة المعرفة الإسلامية»، باعتباره أحد المسارات التطبيقية ضمن مشروعها الأوسع «هندسة المعرفة الإعلامية العربية في عصر الذكاء الاصطناعي»، في رؤية معرفية تسعى إلى نقل العالم العربي من موقع استهلاك أدوات التكنولوجيا إلى موقع المشاركة في بناء النماذج المعرفية التي ستشكل ملامح المستقبل.
وجاء الإعلان عن المشروع في سياق مشاركة الدكتورة سومية حكيم في أشغال المؤتمر الدولي الأول لشبكة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للباحثين والإعلاميين والأكاديميين، حيث قدمت ورقة علمية بعنوان «هندسة المعرفة الإعلامية العربية في عصر الذكاء الاصطناعي»، طرحت من خلالها تصورًا يتجاوز الاستخدام التقليدي للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، ليتجه نحو بناء منظومات معرفية عربية قادرة على تنظيم المعرفة وحوكمتها وحمايتها وإعادة إنتاجها بصورة أكثر أمانًا وفاعلية.
وتقدم «هندسة المعرفة الإسلامية» باعتبارها مساقًا معرفيًا ممتدًا ومنظومة بحثية وتطبيقية تندرج ضمن المشروع الأم «هندسة المعرفة الإعلامية العربية في عصر الذكاء الاصطناعي»، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المعرفة الإسلامية والبيئة الرقمية، ليس من خلال نقل الموروث العلمي إلى المنصات الإلكترونية فحسب، وإنما عبر إعادة هندسة طرق تنظيمه وتصنيفه وربطه واستثماره داخل البيئات الذكية.
ويفتح هذا التصور الباب أمام تطوير أدوات ومنهجيات جديدة في عدد من الحقول المركزية للمعرفة الإسلامية، من التفسير والحديث وأصول الفقه والفقه والمقاصد والعقيدة، وغيرها من مجالات العلوم الإسلامية، بما يسمح ببناء مقاربات معرفية تستفيد من الإمكانات التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على خصوصية هذه العلوم ومصادرها ومنهجياتها.
وتتمحور الفكرة الأساسية للمشروع حول الانتقال من مرحلة استهلاك أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أكثر تقدمًا، قوامها بناء هندسة معرفية عربية متخصصة تستند إلى المصادر الموثوقة، وتحافظ على الخصوصية المعرفية، وتحد من الاختزال والتشويه والهلوسة المعلوماتية، وتتيح في الوقت نفسه إنتاج تطبيقات ذكية مرتبطة بالبنية الداخلية للمعرفة العربية والإسلامية.
ولا تقف طموحات «هندسة المعرفة الإسلامية» عند حدود إنتاج التطبيقات أو تطوير الأدوات التقنية، بل تتطلع إلى أن تشكل نواة لمسار علمي أوسع، يؤسس لنظرية ومنهج عربي في هندسة المعرفة، يجمع بين علوم الإنسان والشريعة والتربية والإعلام والذكاء الاصطناعي، ويعيد طرح سؤال المعرفة في علاقتها بالإنسان والقيم والحضارة.
وتنطلق الدكتورة سومية حكيم من قناعة مفادها أن الرهان الحقيقي للمستقبل لا يتمثل في امتلاك التقنية وحدها، وإنما في امتلاك القدرة على هندسة المعرفة التي تعمل داخلها؛ فوفرة المعلومات، مهما بلغت، لا تكفي لصناعة مستقبل معرفي قوي، ما لم تقترن بالقدرة على تنظيمها والتحقق منها وربطها وتوجيهها نحو بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وصناعة القرار.
ويأتي إطلاق هذا المشروع امتدادًا لمسار علمي للدكتورة سومية حكيم يجمع بين العلوم الشرعية، وتفسير الخطاب الشرعي، وهندسة المعرفة، والتحولات الرقمية، وبناء الوعي، مع توجه متزايد نحو وصل المعرفة الإنسانية بالذكاء الاصطناعي ضمن مقاربات تقوم على المنهج والحوكمة والمسؤولية.
ومن هذا المنظور، لا تطرح «هندسة المعرفة الإسلامية» باعتبارها مبادرة تقنية منفصلة، ولا كمشروع يختزل المعرفة الإسلامية في مجرد أدوات رقمية، بل كمشروع معرفي مفتوح الأفق، يطمح إلى الإسهام في بناء نموذج عربي قادر على الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع الفاعل والمشارك في صناعة نماذج المعرفة التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي.
إن «هندسة المعرفة الإسلامية» ليست محطة ختامية، وإنما أحد المسارات التطبيقية في مشروع معرفي أوسع؛ أما الأفق الذي ترسمه الدكتورة سومية حكيم فيتمثل في بناء نظرية عربية في هندسة المعرفة، تستثمر قدرات الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد المعرفة هويتها، وتعيد للعلم مكانته في صناعة الإنسان، وتحفيز الإبداع، ودفع التطور الفكري والحضاري.
ومن قلب إسطنبول، تتحول الفكرة بذلك من ورقة علمية إلى مشروع معرفي يحمل سؤالًا عربيًا كبيرًا: كيف يمكن للعرب أن ينتقلوا من استخدام التكنولوجيا إلى صناعة المعرفة التي توجهها؟ وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة لحماية المعرفة الإسلامية وتطويرها وإعادة تقديمها، بدل أن يكون مجرد وسيط لإعادة إنتاجها؟ إنها محاولة لإعادة وضع المعرفة في مركز المشهد، وربط التقنية بالإنسان، والذكاء بالمسؤولية، والموروث العلمي بآفاق المستقبل.
