من ذاكرة الطفولة إلى رهبة الرحيل… الشاعر خالد فولان يحوّل قطار الحياة إلى مرآة للإنسان ومراجعة للذات
في نص شعري يحمل الكثير من التأمل والحكمة والصدق الإنساني، يطل الشاعر خالد فولان بقصيدته «مهلاً أيها العمر»، ليضع القارئ أمام سؤال طالما رافق الإنسان منذ وجوده: إلى أين يمضي بنا العمر؟ وماذا تركنا خلفنا قبل أن يصل قطار الحياة إلى محطته الأخيرة؟
القصيدة ليست مجرد حديث عن مرور السنوات، بل هي وقفة وجدانية أمام الزمن، ومراجعة هادئة لمسيرة الإنسان بين الطفولة والشباب والكهولة، وبين الحياة والموت، وبين الغفلة واليقظة.
«مهلاً أيها العمر»… صرخة في وجه الزمن
منذ المطلع، يختار خالد فولان كلمة «مهلاً» ليجعل منها لازمة شعرية تتكرر كأنها نداء يوجهه الإنسان إلى الزمن، راجياً منه أن يتباطأ قليلاً.

«مهلاً
أيها العمر
فقطار الحياة يمر
بنا سريعاً»

هنا تتحول الحياة إلى قطار سريع، والإنسان إلى مسافر لا يملك التحكم في سرعته ولا في موعد وصوله. صورة شعرية بسيطة في مفرداتها، لكنها عميقة في دلالتها، لأنها تختصر حقيقة يعيشها الجميع: الأيام تمضي، والسنوات تتوالى، والعمر لا ينتظر أحداً.
ثم يأتي التذكير بالحقيقة الكبرى:

«اليوم حياة
وغداً موت
والموت موعد رباني»

وهو انتقال من التأمل في الزمن إلى التأمل في المصير، حيث يؤكد الشاعر أن الموت ليس حادثاً عابراً، وإنما حقيقة إيمانية وموعد محتوم.
من براءة الطفولة إلى ثقل السنين
في مقطع آخر، يستعيد الشاعر صورة الطفولة، تلك المرحلة التي كان فيها الإنسان يعيش يومه دون أن يحمل هم الغد:

«بالأمس كنا أطفالاً
لا نابه لشيء
لا نعرف شيئاً
نلعب ولا نخاف القادم المجهول»

إنها صورة يعرفها كل إنسان؛ طفولة كانت فيها الأيام طويلة والأحلام واسعة، قبل أن يكتشف الإنسان أن الزمن أسرع مما كان يتصور.
لكن المفارقة المؤثرة تأتي حين يقول:

«واليوم صرنا كهولاً
نقترب لحظة بلحظة
من خط النهاية»

وهنا تبلغ القصيدة ذروة التأمل في رحلة العمر؛ فالطفل الذي كان يركض خلف اللعب أصبح إنساناً يركض خلف الوقت، وكلما تقدم في السن أدرك أن المسافة نحو النهاية تضيق.
العمر الذي لا يحذرنا
ومن أجمل الأسئلة التي تطرحها القصيدة مخاطبة الزمن وكأنه كائن حي:

«لم توجهنا
لم تنبهنا
ولم تحذرنا»

إنها مساءلة رمزية للعمر: لماذا مرّ سريعاً دون أن يخبرنا أن السنوات التي نعيشها اليوم ستصبح غداً مجرد ذكريات؟
الشاعر هنا لا يلوم الزمن بقدر ما يوقظ الإنسان من غفلته، ويدعوه إلى مراجعة حساباته قبل فوات الأوان.
هل ما زال هناك وقت؟
تصل القصيدة إلى واحدة من أكثر لحظاتها تأثيراً عندما يسأل الشاعر:

«فهل مازال أمامنا
وقت؟
لكي نصلح ما فات»

إنه السؤال الذي يفرض نفسه عندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج، فيبدأ باستحضار الماضي، ويتساءل عن الأشياء التي كان يمكن إصلاحها، والكلمات التي كان ينبغي قولها، والفرص التي ضاعت.
لكن عبارة:

«هيهات هيهات»

تحمل معنى التحذير من تأجيل الإصلاح، لأن الزمن إذا مضى لا يعود، ومحطات الحياة لا تنتظر المسافرين إلى الأبد.
حين يستيقظ الضمير
ولا تتوقف القصيدة عند استحضار الماضي، بل تنتقل إلى أعماق الإنسان نفسه:

«كبرنا وصرنا نفكر
نؤنب ونخاطب فينا
ذلك الضمير»

هنا يتحول الشعر إلى حوار داخلي مع الذات.
فالإنسان، كلما تقدم في العمر، لا يصبح أكثر خبرة فقط، بل يصبح أكثر قدرة على محاسبة نفسه، وأكثر إدراكاً لأخطائه وقراراته واختياراته.
والسؤال:

«فهل يسمع كلامنا
ويستجيب؟»

ليس موجهاً إلى شخص آخر، بل إلى الإنسان نفسه؛ إلى ذلك الصوت الداخلي الذي قد نسمعه كثيراً، لكننا لا نستجيب له دائماً.

«كيف غدرت بنا؟»… عتاب جميل للزمن
في مقطع شديد الصدق، يخاطب خالد فولان العمر قائلاً:

«كيف غدرت بنا
ومررت سريعاً؟»

وهذه العبارة تلخص إحساس الإنسان عندما ينظر خلفه، فيكتشف أن سنوات طويلة مرت وكأنها لحظات.
ثم يسأل:

«كيف لم تنر لنا طريق الفلاح؟
كيف لم ترسم لنا سبل النجاح؟»

إنها أسئلة تتجاوز الزمن إلى مسؤولية الإنسان عن اختياراته؛ فالعمر يمضي، لكنه لا يختار نيابة عنا، ولا يستطيع أن يعيش مكاننا أو يتخذ قراراتنا.

من الحياة إلى الحساب
تصل القصيدة في نهايتها إلى لحظة أكثر عمقاً، حين يقول الشاعر:

«فقد حل وقت الحساب
سنغادر
ولا نعلم ما ينتظرنا»
هنا تتخلى القصيدة عن عتاب العمر لتدخل في فضاء روحي وإيماني، حيث يتذكر الإنسان أن الحياة مهما طالت فهي رحلة نحو نهاية محتومة.

لكن الشاعر لا ينهي النص بروح اليأس، بل بروح التسليم والإيمان:

«فالحياة مشيئة
والموت أمر
ونهاية مسيرة
ولقاء مع القبر»

وبذلك تصبح النهاية دعوة إلى حسن الاستعداد للحياة الآخرة، وإلى ألا يكتفي الإنسان بعدّ الأيام، بل يسأل نفسه ماذا فعل خلالها.

خالد فولان… حين يصبح الشعر مرآة للإنسان
في «مهلاً أيها العمر»، يقدم خالد فولان نصاً شعرياً يقوم على لغة مباشرة وقريبة من المتلقي، لكنه يحمل في داخله أسئلة كبيرة حول الزمن، والطفولة، والكهولة، والضمير، والموت، والإيمان.

وما يمنح القصيدة خصوصيتها هو اعتماد الشاعر على المخاطبة المباشرة؛ فهو لا يحدث القارئ عن العمر من بعيد، بل يخاطبه شخصياً: «مهلاً أيها العمر»، وكأن الزمن أمامه، يسمعه ويجيبه.

إنها قصيدة يمكن للقارئ أن يرى نفسه بين سطورها؛ لأن كل إنسان مرّ يوماً من محطة الطفولة، وسيجد نفسه أمام سؤال الزمن، وسيكتشف أن قطار الحياة لا يتوقف طويلاً في أي محطة.

* رسالة القصيدة

رسالة خالد فولان تبدو واضحة وعميقة في آن واحد:
لا تنتظر أن يبطئ العمر، بل أسرع أنت إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه.

فالعمر لا يعود، والأيام لا تستأذن، والقطار لا ينتظر، وما يبقى للإنسان في النهاية ليس عدد السنوات التي عاشها، وإنما الأثر الذي تركه، والعمل الذي قدمه، والخير الذي فعله، والضمير الذي استجاب له.

وهكذا تتحول «مهلاً أيها العمر» من قصيدة عن مرور الزمن إلى رسالة إنسانية وإيمانية مفتوحة لكل الأعمار.

* القصيدة

مهلا

مهلا
ايها العمر
فقطار الحياة يمر
بنا سريعا
اليوم حياة
وغذا موت
والموت موعد رباني

مهلا
ايها العمر
بالامس كنا اطفالا
لا نابه لشيء
لا نعرف شيئا
نلعب ولا نخاف القادم
المجهول
لا نخاف من الغذ
او بعد الغذ
واليوم صرنا كهولا
نقترب لحظة بلحظة
من خط النهاية
فهلا امهلتنا يا عمر
فالحياة امر
والموت موعد مع الله
خالق السماوات

مهلا
ايها العمر
لم توجهنا
لم تنبهنا
ولم تحدرنا
نعد الشهور والايام
ونمر مرور الكرام
و نسأل الله حسن الختام

مهلا
ايها العمر
فهل مازال امامنا
وقت؟
لكي نصلح ما فات
هيهات هيهات
يتوقف بنا قطار الحياة
في محطة ما

مهلا
ايها العمر
كبرنا وصرنا نفكر
نونب ونخاطب فينا
ذلك الضمير
فهل يسمع كلامنا
ويستجيب؟

مهلا
ايها العمر
كيف غدرت بنا
ومررت سريعا؟
كيف لم تنر لنا طريق
الفلاح؟
كيف لم ترسم لنا سبل
النجاح؟
اانت مرتاح يا عمر؟
لماذا الهيتنا عن فعل
الاوامر وتركي النواهي؟

مهلا
ايها العمر
فقد حل وقت الحساب
سنغادر
ولا نعلم ما ينتظرنا
فهل ستتركنا لمصيرنا
وتخذلنا؟
لا عليك يا عمر
فالحياة مشيئة
والموت امر
ونهاية مسيرة
و لقاء مع القبر