بقلم الأستاذة ابتسام اسماعيني

في لحظة بالغة الدقة من مسار العدالة بالمغرب، تعود مهنة المحاماة إلى واجهة النقاش الوطني، ليس باعتبارها مجرد مهنة من المهن القانونية، وإنما باعتبارها أحد الأعمدة التي تستند إليها العدالة، وأحد الأصوات التي تتولى الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم ومصالحهم أمام القضاء. وفي هذا السياق، جاء قرار مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، عقب اجتماعه الاستثنائي المنعقد بالرباط مساء الخميس 27 غشت 2026، ليؤكد أن الخلاف حول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة لم يصل بعد إلى نهايته، رغم استكمال المسار التشريعي ونشر القانون في الجريدة الرسمية.
لقد انتقلت القضية اليوم إلى مرحلة أكثر حساسية. فالنص القانوني أصبح واقعاً تشريعياً، لكن الأسئلة التي أثارتها مقتضياته ومخاوف المهنيين بشأن مستقبل المهنة واستقلاليتها وحقوق الدفاع ما زالت حاضرة بقوة. وهذا يعني أن النقاش لم يعد فقط حول قانون تمت المصادقة عليه، وإنما أصبح نقاشاً حول الطريقة التي يمكن بها بناء توافق مؤسساتي يحافظ على هيبة التشريع، وفي الوقت نفسه يصون المكانة الدستورية والمهنية للمحاماة ويضمن للمواطن حقه في دفاع مستقل وفعال.
إن المحاماة، في جوهرها، ليست خدمة إدارية ولا نشاطاً تجارياً عادياً يمكن اختزاله في علاقة بين مقدم خدمة ومستفيد منها. إنها رسالة قانونية وإنسانية، ودورها يتجاوز حدود الملفات والمرافعات والإجراءات إلى حماية الإنسان عندما يجد نفسه أمام سلطة القانون، سواء كان متقاضياً في قضية مدنية أو تجارية أو أسرية أو زجرية، أو كان طرفاً يبحث عن الإنصاف في مواجهة اعتداء على حق من حقوقه.

ومن هنا فإن الحديث عن استقلال المحاماة لا ينبغي أن يفهم باعتباره مطالبة بامتياز لفائدة فئة مهنية، بل باعتباره دفاعاً عن إحدى الضمانات الأساسية التي تقوم عليها العدالة. فالمحامي المستقل هو القادر على ممارسة واجبه في الدفاع دون خوف أو ضغط أو تأثير، وهو الذي يستطيع أن يقول ما يراه صحيحاً من الناحية القانونية، وأن يواجه الاختلال متى وجده، وأن يدافع عن موكله حتى عندما تكون القضية صعبة أو الرأي العام في اتجاه مختلف.

إن استقلال المحاماة لا يعني استقلالاً عن الدولة أو خروجاً عن القانون، كما أنه لا يعني أن تكون المهنة فوق المساءلة أو خارج نطاق التنظيم. الاستقلال الحقيقي يعني أن تكون للمهنة ضماناتها، وأن تكون مسؤولياتها واضحة، وأن يمارس المحامي واجبه في إطار القانون والضمير المهني، وأن تكون علاقته بمؤسسات العدالة قائمة على الاحترام المتبادل والتكامل في خدمة الحقيقة والإنصاف.

ولذلك فإن الخلاف القائم حول القانون رقم 66.23 ينبغي ألا يتحول إلى مواجهة مفتوحة بين مؤسسات الدولة والهيئات المهنية. فالمغرب الذي اختار بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون قادر على تدبير الاختلاف من داخل المؤسسات نفسها، وقادر على جعل الحوار وسيلة لتجاوز الأزمات بدل تركها تتراكم وتتحول إلى قطيعة.

وفي المقابل، فإن التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، مهما كانت دوافعه ومشروعية المطالب التي تقف وراءه في نظر الهيئات المهنية، يضع المحامين أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة، لأن الطرف الذي قد يتضرر في نهاية المطاف ليس فقط المؤسسات أو الإدارات، وإنما المواطن الذي ينتظر دفاعاً أو حكماً أو إجراءً قضائياً قد تكون له آثار مباشرة على حياته ومستقبله.

وهنا تحديداً تكمن صعوبة المعادلة.
كيف يمكن للمحامي أن يخوض معركة من أجل حماية حقوق الدفاع، دون أن يتحول الاحتجاج نفسه إلى عامل يحد من وصول المواطن إلى العدالة؟

وكيف يمكن للدولة أن تتمسك بتطبيق قانون أقرته المؤسسات الدستورية، دون أن تغلق أبواب الحوار أمام الملاحظات المهنية التي تثيرها الهيئات التي ستتولى تطبيق هذا القانون على أرض الواقع؟
إن قوة المؤسسات لا تظهر عندما تتفق جميع الأطراف، وإنما تظهر عندما تختلف، ثم تستطيع أن تجد طريقاً للخروج من الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يكسر الثقة.

ومن هذه الزاوية، فإن مواصلة التوقف المهني يجب أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في شكل العلاقة بين مختلف مكونات منظومة العدالة، وليس مناسبة لتوسيع دائرة المواجهة.

فالحكومة لها مسؤوليتها في تنفيذ القانون واحترام المسار التشريعي، والبرلمان له مسؤوليته في التشريع والتقييم، والسلطة القضائية لها دورها في تطبيق القانون وضمان حسن سير العدالة، والهيئات المهنية للمحامين لها مسؤوليتها في الدفاع عن استقلال المهنة وحماية مصالح المواطنين الذين يضعون ثقتهم في الدفاع.
ولا يمكن لأي طرف أن يؤدي مهمته بمعزل عن الأطراف الأخرى.

فالعدالة منظومة، وليست جزراً منفصلة.
وفي الوقت الذي تتمسك فيه جمعية هيئات المحامين بالمغرب بمواصلة التوقف، ظهرت داخل الجسم المهني نفسه أصوات ومواقف تدعو إلى مراجعة أسلوب الاحتجاج والعودة إلى ممارسة العمل، وهو تباين طبيعي يمكن أن تعرفه أي مؤسسة أو هيئة مهنية واسعة التمثيل. لكن الأهم من الاختلاف في المواقف هو ألا يتحول الاختلاف إلى انقسام يضعف المهنة أو يمس بوحدتها.

فالاختلاف المهني لا يعني بالضرورة الخلاف، والتعدد في الرأي لا يعني انهيار وحدة الصف.

بل إن قوة المحاماة الحقيقية تكمن في قدرتها على إدارة اختلافاتها الداخلية بالحوار والمؤسسات، كما تدافع عن الحوار والمؤسسات في علاقتها مع باقي مكونات الدولة.

ومن الخطأ أن ينظر إلى هذه الأزمة باعتبارها معركة إرادات بين طرفين. العدالة لا تنتصر عندما ينتصر طرف على طرف آخر، وإنما تنتصر عندما يخرج الجميع من الخلاف أكثر قدرة على حماية الحقوق وأكثر ثقة في المؤسسات.

إن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل يستمر التوقف أم ينتهي؟

السؤال الأعمق هو: ماذا نريد من مهنة المحاماة في مغرب اليوم والغد؟

هل نريد محاماة قوية ومستقلة ومسؤولة؟

هل نريد تشريعاً يوازن بين تنظيم المهنة وضمان استقلالها؟

هل نريد قضاءً ناجعاً لا يتأثر بالخلافات المهنية؟

وهل نريد متقاضياً يدخل المحكمة وهو يشعر أن حقوقه مصانة وأن جميع المؤسسات الموجودة داخل منظومة العدالة تعمل من أجل إنصافه؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واحدة، فإن الطريق إليها يجب أن يكون واحداً أيضاً: الحوار.

ليس الحوار الذي يعقد لتسجيل المواقف وتبادل البيانات، وإنما الحوار الذي يفتح الملفات الحقيقية، ويستمع إلى التخوفات، ويحدد نقاط الخلاف بدقة، ويبحث عن حلول قابلة للتطبيق.

إن دخول القانون حيز التنفيذ لا ينبغي أن يعني نهاية النقاش، كما أن استمرار الاحتجاج لا ينبغي أن يعني إغلاق باب الحوار.

القانون يحكم، والمؤسسات تشتغل، لكن التشريع نفسه يظل قابلاً للتقييم من خلال التجربة والممارسة، وكل نص قانوني يمكن أن تظهر عند تطبيقه إشكالات عملية تستحق المعالجة بالوسائل القانونية والمؤسساتية المتاحة.

وهنا يمكن أن تتحول الأزمة الحالية من نقطة توتر إلى فرصة لإطلاق ورش جديد حول مستقبل مهنة المحاماة في المغرب، ورش لا يقتصر على القانون رقم 66.23، وإنما يمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بالتكوين، والولوج إلى المهنة، والأتعاب، والمسؤولية المهنية، والرقمنة، وعلاقة المحامي بالمحكمة، وحقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة، والوسائل الكفيلة بجعل العدالة أكثر قرباً من المواطن.
فالزمن تغير، والمجتمع تغير، وطبيعة المنازعات تغيرت، والتكنولوجيا دخلت بقوة إلى المجال القضائي، وبالتالي فإن مهنة المحاماة نفسها مطالبة بأن تدخل مرحلة جديدة من التحديث دون أن تفقد جوهرها: الاستقلال، والنزاهة، والدفاع عن الحق.

وفي المقابل، فإن إصلاح العدالة لا يمكن أن يكتمل إذا تم التعامل مع المحامي باعتباره مجرد عنصر إجرائي داخل المحكمة. المحامي شريك في العدالة، وشراكته تفرض عليه مسؤولية، لكنها تفرض كذلك على باقي المؤسسات احترام دوره وضمان شروط ممارسته لمهمته.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن تتحول القضية من نقاش حول مستقبل المهنة إلى أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة.

فالمواطن لا يريد أن يعرف من انتصر في الخلاف، ولا من أصدر البيان الأقوى، ولا من امتلك القدرة الأكبر على الضغط. المواطن يريد أن يعرف شيئاً واحداً: متى ستعود العدالة إلى إيقاعها الطبيعي، ومتى سيجد حقه طريقه إلى المحكمة، ومتى سيجد محاميه حاضراً إلى جانبه عندما يحتاج إليه؟

وهذه الحقيقة يجب ألا تغيب عن أي طرف.
الدفاع عن المحاماة يبدأ بالدفاع عن استقلالها، لكنه لا ينتهي عند حدود المهنة؛ بل يصل في النهاية إلى المواطن.
والدفاع عن هيبة القانون لا يعني رفض الحوار، كما أن الحوار لا يعني التراجع أو التنازل عن المبادئ.

هناك دائماً مساحة بين التصعيد والاستسلام، اسمها الحكمة.
وهناك دائماً مساحة بين الاختلاف والمواجهة، اسمها الحوار.

وهناك دائماً مساحة بين قوة الدولة وقوة المجتمع المهني، اسمها دولة المؤسسات.
إن المغرب اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقة بين مهنة المحاماة وباقي مكونات العدالة على أساس جديد، عنوانه الوضوح، والاحترام، والاستقلال، والمسؤولية المشتركة.

فلا الدولة يمكن أن تستغني عن محاماة قوية، ولا القضاء يمكن أن يستغني عن دفاع مستقل، ولا المحامي يمكن أن يؤدي رسالته بعيداً عن مؤسسات العدالة، ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح إذا كان المواطن هو الحلقة التي تدفع ثمن الخلاف.
لذلك، فإن اللحظة الحالية لا تحتاج إلى مزيد من التصعيد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة سياسية ومهنية لفتح صفحة جديدة.

صفحة لا يكون فيها السؤال: من انتصر؟
بل يكون السؤال: ماذا ربح المغرب؟

إذا ربح المغرب محاماة مستقلة ومسؤولة، وقضاءً قوياً وناجعاً، وتشريعاً أكثر وضوحاً، ومؤسسات أكثر انفتاحاً على الحوار، ومواطناً أكثر ثقة في العدالة، فإن الجميع يكون قد ربح.

أما إذا تحول الخلاف إلى قطيعة طويلة، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، وإنما ستطال صورة العدالة نفسها.
وفي نهاية المطاف، ستبقى المحاماة واحدة من أهم المرايا التي يقيس بها المواطن مدى احترام حقوقه وحرياته.
وستبقى استقلاليتها مسؤولية جماعية، كما ستبقى مسؤولية المحامي في الدفاع عن المواطن مسؤولية لا يمكن فصلها عن شرف المهنة ورسالتها.

إن معركة المحاماة الحقيقية ليست معركة ضد الدولة، كما أن تنظيم الدولة للمهنة لا ينبغي أن يفهم باعتباره معركة ضد المحامين.

إنها معركة مشتركة من أجل عدالة أكثر قوة، ومؤسسات أكثر ثقة، ودفاع أكثر استقلالاً، ومواطن أكثر اطمئناناً إلى أن حقه لن يضيع بين النصوص والخلافات.
وفي لحظات الاختلاف الكبرى، لا تحتاج الأوطان إلى أصوات أكثر ارتفاعاً، بقدر ما تحتاج إلى عقول أكثر حكمة.
فاستقلال المحاماة ليس امتيازاً للمحامي، وهيبة القانون ليست انتصاراً للدولة، وحقوق المتقاضي ليست ورقة في صراع مهني؛ إنها ثلاث حلقات من منظومة واحدة اسمها العدالة.

وحين تكون العدالة هي الغاية، يصبح الحوار قوة، ويصبح الاختلاف فرصة للإصلاح، وتصبح الحكمة الطريق الأقصر إلى الحل.