في جديده الشعري، يعود الشاعر خالد فولان إلى فضاء الزجل المغربي، محمّلًا بإحساس صادق وتجربة إنسانية قريبة من وجدان المتلقي، من خلال قصيدة تحمل عنوانًا بسيطًا في لفظه، عميقًا في دلالته: «لاش درتي لي هكا؟».

منذ المطلع، يضع الشاعر القارئ أمام سؤال الوجع والخذلان: «لاش درتي لي هكا؟ واش عاقبتيني حيت بغيتك؟». إنه ليس مجرد عتاب عابر، بل سؤال صادر عن شخص منح ثقته ومشاعره بصدق، ثم وجد نفسه أمام واقع لم يكن يتوقعه. فالحب هنا لم يكن لعبة، وإنما نية صادقة تحولت إلى جرح.

وتزداد حرارة القصيدة حين يقول الشاعر: «أنا اللي درت فيك النية»، وهي عبارة تختصر ثقافة عاطفية مغربية كاملة؛ فالنية في الوجدان الشعبي ليست مجرد رغبة، بل هي الثقة وحسن القصد وانتظار المعقول. لذلك فإن الخذلان يصبح أقسى عندما يأتي ممن وُضعت فيه الثقة.

وفي مقطع آخر، ينتقل خالد فولان من العتاب إلى استحضار التحذيرات التي تجاهلها العاشق: «قصحت راسي وما بغيت لكلامهم نسمع.. واه شحال حذروني منك». هنا تظهر المفارقة بين صوت العقل الذي حذّر، وصوت القلب الذي اختار أن يصدق. إنها لحظة مراجعة للذات، حيث لا يلوم الشاعر الآخر وحده، بل يعترف ضمنيًا بأنه اختار أن يمنح الثقة رغم كل الإشارات.
أما أكثر المقاطع قوة، فهو ذلك الذي يرتبط بفكرة المعقول والحلال والمسؤولية:
«كنتي تقول ناوي معاي المعقول.. وبغيتيني الحلال.. طلعتي عديم المسؤولية ولعبتي بي».

بهذه الكلمات، تتجاوز القصيدة قصة حب شخصية لتلامس قضية اجتماعية وإنسانية أوسع: الفرق بين الكلام والفعل، وبين الوعود وتحمل المسؤولية. فالمشكلة ليست في انتهاء علاقة عاطفية فحسب، وإنما في أن تتحول الوعود إلى خيبة، والثقة إلى جرح.

ويصل الإحساس بالانكسار إلى ذروته في قوله: «خليتيني في لفام.. يوم على يوم.. كلشي فيا يلوم.. صار خاطري خاسر وقلبي مضيوم». وهي صورة شعرية تعكس حالة إنسان يعيش الخيبة يومًا بعد يوم، حيث لا ينتهي الألم بانتهاء الموقف، بل يستمر في الذاكرة وفي تفاصيل الحياة.

ولأن الزجل المغربي يرتبط ارتباطًا وثيقًا باللغة اليومية، استطاع خالد فولان أن يحافظ على بساطة التعبير دون أن يفقد عمقه. كلمات مثل «حشومة عليك» و«درتيها بي» و«ما بقيت نتيق فيك» تمنح النص عفويته، وتجعله قريبًا من المستمع والقارئ، وكأن الحكاية تُروى في جلسة صادقة بين شخصين يعرفان معنى الخيبة.

وفي الخاتمة، لا يترك الشاعر الباب مفتوحًا أمام العودة، بل يعلن نهاية الحكاية بوضوح: «سالات الحكاية.. غير نوض من حداي.. ياك بيدك كتبتي النهاية».

إنها نهاية تحمل قوة القرار بعد طول الألم. فالشخص الذي ظل يسأل «لاش درتي لي هكا؟» يصل في النهاية إلى مرحلة لا يبحث فيها عن تفسير، بقدر ما يعلن أن الصفحة أُغلقت، وأن من اختار النهاية عليه أن يتحمل نتائجها.

«لاش درتي لي هكا؟» ليست مجرد قصيدة عتاب، بل حكاية عن الثقة حين تُخذل، وعن الحب حين يصطدم بعدم المسؤولية، وعن الإنسان حين يكتشف أن بعض النهايات، مهما كانت مؤلمة، قد تكون بداية لاستعادة الكرامة.

وبأسلوبه القريب من نبض الشارع المغربي، يثبت خالد فولان مرة أخرى أن الزجل قادر على تحويل أبسط الكلمات إلى مرآة لمشاعر عميقة، وأن السؤال الشعبي البسيط «لاش درتي لي هكا؟» يمكن أن يحمل وراءه حكاية كاملة عن الحب، والانتظار، والخذلان، ثم الرحيل.

القصيدة

لاش درتي لي
هكا؟

لاش درتي لي
هكا؟
واش عاقبتيني
حيت بغيتك؟
نستاهل ما وقع
لي
انا اللي درت فيك النية
زعما لعبتي بي؟
وا ديرها فين تجيك
راني ما نخليها عندي
تبات
قصحت راسي و
ما بغيت لكلامهم نسمع
واه شحالدحذروني منك

لاش درتي لي هكا؟
كنتي تقول ناوي معاي
المعقول
وبغيتيني الحلال
طلعتي عديم المسؤولية
ولعبتي بي
ما عمري ما بقيت
نكون ولا انت تكون
لي
صافي وصلات الرسالة
طلعت الكتبة وحبنا
سالا

لاش درتي لي
هكا؟
خليتيني في لفام
يوم على يوم
كلشي في يلوم
صار خاطري خاسر وقلبي مضيوم
حشومة عليك حشومة
وشحال ضربتك مسمومة
درتيها بي
انا غير ولية
وخليتيني ضحية
ما بقيت نتيق فيك
ولا انت ما زال ديرها
بي
سالات الحكاية
غير نوض من حداي
ياك بايدك كتبتي النهاية

شعر .... خالد فولان.