بين المسؤولية السياسية والاختصاص الدستوري: قراءة في بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب وقرار المحكمة الدستورية بشأن القانون رقم 66.23
في خضم النقاش المتصاعد حول مستقبل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وبعد القرار الصادر عن المحكمة الدستورية بتاريخ 10 غشت 2026، والذي انتهى إلى تعذر البت في الإحالة على حالها، جاء بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب بتاريخ 18 غشت ليعيد الحكومة إلى واجهة النقاش، مطالبًا إياها بالمساهمة في إيجاد حل للوضع الذي يعيشه قطاع العدالة.
وهنا بالضبط تفرض المرحلة سؤالًا أكبر من مجرد سؤال: من المسؤول عن الأزمة؟
السؤال الحقيقي هو:
من يملك اليوم، دستوريًا وقانونيًا، مفاتيح الحل؟
ذلك أن الخلط بين المسؤولية السياسية والاختصاص الدستوري قد يقود النقاش، مهما كانت حسن نواياه، إلى مطالبة مؤسسة بممارسة اختصاص لا تملكه.
الحكومة مسؤولة سياسيًا… ولكن
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الحكومة كانت طرفًا أساسيًا في المسار الذي انتهى إلى إنتاج القانون رقم 66.23.
فالحكومة تقدمت بالمشروع، ودافعت عنه، وواكبت مساره التشريعي، وتحملت سياسيًا مسؤولية اختياراته ومضامينه.
ومن هذه الزاوية، فإن مساءلتها سياسيًا من طرف المحامين أمر مشروع تمامًا.
بل إن مساءلة الحكومة تظل جزءًا طبيعيًا من منطق الديمقراطية البرلمانية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتشريع يمس مهنة ذات مكانة خاصة داخل منظومة العدالة، ويرتبط بصورة مباشرة بحقوق الدفاع وبحسن سير العدالة وبضمانات المتقاضين.
لكن علينا، ونحن نمارس حقنا في النقد والمساءلة، ألا نخلط بين أمرين مختلفين جذريًا:
المسؤولية السياسية شيء، والاختصاص الدستوري شيء آخر.
قد تتحمل الحكومة مسؤولية سياسية كاملة عن قانون ما، دون أن يعني ذلك أنها تملك بعد اكتمال مسطرته التشريعية سلطة سحبه بإرادتها المنفردة.
وهنا تبدأ المسألة الدستورية الحقيقية.
من مشروع حكومي إلى نص استكمل مساره التشريعي
المعطيات المنشورة من مجلس المستشارين تؤكد أن مشروع القانون رقم 66.23 مر بمراحل تشريعية متعددة، وأن المجلس وافق عليه في القراءة الأولى بتاريخ 23 يونيو 2026، ثم عاد إليه في إطار القراءة الثانية بعد إحالة النص من مجلس النواب، ووافق عليه في الجلسة العامة بتاريخ 7 يوليوز 2026.
وهذا التفصيل ليس شكليًا.
لأن النص، بمجرد استكمال المسطرة التشريعية، لم يعد في الوضعية نفسها التي كان عليها عندما كان مجرد مشروع قانون مقدم من الحكومة.
إننا أمام انتقال من مرحلة المبادرة التشريعية والمناقشة والتعديل والتصويت إلى مرحلة دستورية أخرى، لها قواعدها ومؤسساتها وآلياتها.
وهنا يجب أن يكون الخطاب القانوني دقيقًا للغاية.
فلا يجوز التعامل مع النص وكأنه لا يزال مشروعًا حكوميًا يمكن للحكومة أن تسترده متى شاءت.
قرار المحكمة الدستورية… ماذا قال فعلًا؟
القرار رقم 277/26 الصادر بتاريخ 10 غشت 2026 يستحق قراءة متأنية، لأن اختزاله في عبارة "المحكمة الدستورية أسقطت القانون" سيكون غير دقيق، كما أن القول إنها "صادقت على دستوريته" سيكون غير دقيق بدوره.
المحكمة لم تدخل في فحص دستورية مقتضيات القانون موضوعيًا، وإنما انتهت إلى تعذر البت في الإحالة على حالها بسبب الإشكال المرتبط بالوثائق والنص المحال إليها.
وقد أثير في القراءات القانونية المنشورة للقرار أن الإحالة لم تتضمن، بالصورة المطلوبة، النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية، وهو ما حال دون مباشرة الرقابة الدستورية على النص محل الإحالة.
وهذا يقودنا إلى نتيجة في غاية الأهمية:
قرار المحكمة الدستورية ليس حكمًا بعدم دستورية القانون، وليس شهادة بدستوريته.
إنه قرار إجرائي له أثره في المسار الدستوري للنص، لكنه لا ينبغي أن يُحمّل ما لم يقله.
وهنا تحديدًا ينبغي أن تتوقف القراءات المتسرعة.
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني "إيجاد حل"؟
بلاغ جمعية هيئات المحامين بالمغرب عندما يحمّل الحكومة مسؤولية إيجاد حل للوضع القائم يفتح بابًا مشروعًا للنقاش.
لكن التعبير عن "إيجاد حل" يحتاج إلى تحديد دقيق:
أي حل؟ وبأي آلية؟ ومن يملكها؟
إذا كان المقصود هو فتح حوار سياسي ومؤسساتي مع الحكومة، فهذا أمر مشروع، بل مطلوب.
وإذا كان المقصود هو مراجعة بعض المقتضيات عبر مسار تشريعي جديد، فهذا يمكن أن يكون موضوعًا للنقاش السياسي والقانوني.
أما إذا كان المقصود هو سحب النص بعد استكمال المسطرة التشريعية، فهنا نكون أمام إشكال دستوري ينبغي عدم القفز فوقه.
فالحكومة لا تستطيع، بمجرد رغبتها السياسية، أن تلغي بأثر رجعي تصويت مؤسسة تشريعية، ولا أن تعيد المسطرة التشريعية إلى نقطة الصفر بإرادة منفردة.
الفصل 50… واللغة الدستورية الحاسمة
الفصل 50 من الدستور ينص على أن:
"يصدر الملك الأمر بتنفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه."
وهذه الصياغة الدستورية تكشف بوضوح أن مرحلة ما بعد تمام الموافقة على القانون لها نظامها الخاص.
وبالتالي، فإن النقاش لا ينبغي أن يدور حول ما إذا كانت الحكومة "تريد" سحب القانون أو "لا تريد"، وإنما حول سؤال أكثر دقة:
هل يمنحها الدستور، في هذه المرحلة، اختصاص سحب نص استكمل مسطرته التشريعية؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه رجال القانون والمؤسسات، لا الخطابات السياسية وحدها.
لا يمكن بناء دولة القانون بمنطق "التمني الدستوري"
المشكلة في بعض النقاشات الدائرة اليوم أنها تنطلق من نتيجة مرغوبة ثم تبحث لها عن أساس قانوني.
والمنهج الدستوري يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
نبدأ بالنص.
ثم نحدد الاختصاص.
ثم نحدد المرحلة الدستورية.
ثم نبحث عن الآلية التي أتاحها الدستور والقانون.
وبعد ذلك فقط نحدد ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله.
فالدستور ليس قائمة رغبات سياسية.
والاختصاصات الدستورية لا تُنشأ بالبلاغات، ولا بالمواقف المهنية، ولا حتى بحسن النوايا.
الاختصاص إما أن يكون مقررًا بنص، أو لا يكون.
وهل يمكن تعطيل نفاذ القانون خارج الآليات الدستورية؟
هذا سؤال آخر أكثر حساسية.
إذا كان القانون قد استكمل مسطرته التشريعية، فإن تعطيل آثاره لا يمكن أن يتحول إلى مسألة تفاوضية مفتوحة خارج الآليات التي يحددها الدستور والقانون.
والقول بغير ذلك قد يؤدي، دون قصد، إلى تكريس سابقة خطيرة:
كلما اعترضت فئة مهنية على قانون بعد استكمال مسطرته، أمكن تعطيل دخوله حيز التنفيذ بضغط سياسي على الحكومة.
وهذا منطق لا يستقيم مع دولة المؤسسات.
وفي المقابل، فإن احترام الدستور لا يعني إغلاق باب الحوار.
على العكس.
الحوار السياسي والمؤسساتي يمكن أن يكون واسعًا، لكن يجب أن يظل داخل الحدود التي يرسمها القانون.
الحكومة ليست خارج دائرة المسؤولية
لكن الدفاع عن الاختصاص الدستوري للحكومة لا يعني إعفاءها من مسؤوليتها السياسية.
وهذه نقطة ينبغي التأكيد عليها بقوة.
الحكومة التي قدمت مشروع القانون تتحمل مسؤولية سياسية عن اختياراتها.
والحكومة التي دافعت عن المشروع مطالبة بتفسير فلسفته ومبرراته.
والحكومة التي شاركت في إنتاج النص مطالبة بالإنصات إلى ملاحظات المحامين ومخاوفهم.
بل إن الحكومة مطالبة، سياسيًا ومؤسساتيًا، بأن تفتح حوارًا جديًا مع الهيئات المهنية، لأن مهنة المحاماة ليست مجرد قطاع مهني عادي.
إنها إحدى ركائز العدالة.
لكن الحوار شيء، وممارسة اختصاص غير مقرر دستوريًا شيء آخر.
وماذا عن جمعية هيئات المحامين؟
إن جمعية هيئات المحامين بالمغرب تقوم بدور مهني وحقوقي لا يمكن تجاهله، ومن حقها أن تعبر عن مواقفها وأن تدافع عن استقلال المهنة وضمانات الدفاع.
لكن قوة الموقف المهني لا تكمن فقط في ارتفاع سقف المطالب، وإنما أيضًا في دقة الأساس القانوني الذي يستند إليه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى البلاغ ليس سؤالًا عدائيًا، وإنما سؤال قانوني هادئ:
عندما تطالب الجمعية الحكومة بـ"إيجاد حل"، ما هي الآلية الدستورية المقصودة تحديدًا؟
هل المقصود فتح حوار؟
هل المقصود إعداد تعديلات تشريعية جديدة؟
هل المقصود مراجعة بعض المقتضيات مستقبلًا؟
أم المقصود سحب القانون الذي استكمل مسطرته التشريعية؟
الفرق بين هذه الاحتمالات ليس تفصيلاً لغويًا.
إنه جوهر المسألة كلها.
المحاماة تحتاج إلى حماية الدستور بقدر حاجتها إلى حماية استقلالها
من حق المحامين أن يدافعوا عن استقلال مهنتهم.
ومن حقهم أن يرفضوا ما يرونه مساسًا بضمانات الدفاع.
ومن حقهم أن يحتجوا وأن يتحاوروا وأن يرفعوا ملاحظاتهم إلى المؤسسات المختصة.
لكن الدفاع عن استقلال المحاماة لا يمكن أن ينفصل عن الدفاع عن الدستور.
بل إن أقوى دفاع عن المهنة هو ذلك الذي يجعلها في مقدمة المدافعين عن احترام الاختصاصات الدستورية.
فالمحامي، قبل أن يكون طرفًا مهنيًا في نقاش تشريعي، هو رجل قانون.
ورجل القانون لا يسأل فقط:
ماذا نريد؟
بل يسأل قبل ذلك:
ماذا يسمح به القانون؟
ومن يملك الاختصاص؟
وما هي الآلية؟
بين ضغط الشارع ومنطق المؤسسات
قد يكون الاحتجاج مشروعًا.
وقد تكون المطالب المهنية عادلة.
وقد تكون هناك مقتضيات تستوجب المراجعة.
لكن الديمقراطية الدستورية لا تختصر في قوة الاحتجاج، وإنما في قدرة المؤسسات على تحويل الخلاف إلى مسار قانوني.
وهنا تكمن مسؤولية الجميع:
مسؤولية الحكومة.
ومسؤولية البرلمان.
ومسؤولية جمعية هيئات المحامين.
ومسؤولية المحكمة الدستورية في نطاق اختصاصها.
ومسؤولية الفاعلين القانونيين والإعلاميين كذلك.
فخطورة المرحلة لا تكمن فقط في مضمون القانون رقم 66.23، وإنما في الطريقة التي سنتعامل بها مع الإشكال الدستوري الذي نتج عنه.
المطلوب الآن ليس التصعيد… بل تحديد الطريق
بعد قرار المحكمة الدستورية، لا أعتقد أن البلاد تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى خريطة طريق قانونية واضحة.
ينبغي أن نحدد بدقة:
ما هو الوضع القانوني الحالي للنص؟
ما هي الآثار المترتبة عن قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26؟
ما هي المرحلة الدستورية التي يوجد فيها النص؟
ما هي الجهة التي تملك كل إجراء محتمل؟
وما هي الآلية التي يسمح بها الدستور والقانون لتدارك الوضع إن كانت هناك ضرورة لذلك؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تتصدر النقاش.
أما اختزال المشهد في عبارة "الحكومة مطالبة بإيجاد حل"، دون تحديد طبيعة الحل وسنده الدستوري، فقد يجعل النقاش يدور في حلقة مفرغة.
كلمة أخيرة: لا مسؤولية سياسية بلا محاسبة… ولا اختصاص بلا دستور
ليس الهدف من هذه القراءة الدفاع عن الحكومة.
وليس الهدف مهاجمة جمعية هيئات المحامين.
وليس الهدف كذلك منح القانون رقم 66.23 حصانة من النقد.
الهدف أبعد من ذلك:
الدفاع عن منطق دولة القانون.
الحكومة مسؤولة سياسيًا عن المشروع الذي قدمته ودافعت عنه.
والبرلمان مسؤول عن اختياراته التشريعية وتصويته.
والهيئات المهنية مسؤولة عن مواقفها وعن قوة حججها القانونية.
لكن لا يمكن أن نضع كل هذه المسؤوليات في سلة واحدة.
فالسياسة لها مجالها.
والتشريع له مجاله.
والرقابة الدستورية لها مجالها.
والتنفيذ له مجاله.
وكلما احترمنا الحدود الفاصلة بين هذه المجالات، كان نقاشنا أكثر قوة، وكانت مواقفنا أكثر إقناعًا.
أما إذا أصبح المطلوب من مؤسسة أن تقوم بما لا يدخل في اختصاصها، فإننا لا نكون قد حللنا الأزمة، بل نكون قد صنعنا أزمة دستورية جديدة.
لهذا، فإن السؤال اليوم ليس: من سيجد الحل؟
بل:
ما هو الحل الذي يسمح به الدستور؟ ومن هي المؤسسة التي تملك أدواته؟
وهنا تحديدًا يبدأ النقاش الجاد.
فاستقلال مهنة المحاماة لا يُصان فقط برفع الصوت في مواجهة أي نص نختلف معه، وإنما يُصان أيضًا بالتمسك الصارم بالدستور، وباحترام المؤسسات، وبالدفاع عن دولة القانون حتى عندما لا تكون نتائجها بالضرورة مطابقة لما نرغب فيه.
لأن المحاماة، في جوهرها، ليست مهنة الدفاع عن المصالح فحسب؛ إنها مهنة الدفاع عن القانون نفسه.