في قصيدة جديدة تنبض بالوجع والحنين، يضع الشاعر خالد فولان القارئ أمام واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية: هجرة الأبناء وقلق الأمهات على فلذات أكبادهن. قصيدة «رجع يا ولدي» ليست مجرد زجلية عاطفية، بل صرخة أم مغربية تخاطب ابنها قبل أن يبتلعه طريق الهجرة، وتستحضر أمامه ثقل الفراق، وخوف البحر، ومرارة الانتظار.

منذ المطلع، يختار خالد فولان لغة بسيطة وقريبة من الوجدان الشعبي: «رجع… رجع… عفاك يا ولدي». التكرار هنا ليس حشوًا شعريًا، وإنما يتحول إلى إيقاع يشبه توسّل الأم وارتجاف صوتها وهي تحاول إقناع ابنها بالبقاء. إنها أم لا تبحث عن خطاب فلسفي، بل تريد شيئًا واحدًا: أن يعود ابنها إليها وألا تذوق مرارة فقدانه.
وتزداد قوة الصورة حين تقول الأم: «راني كبرت ومعولة عليك… ياك انت عكازي في الدنيا». فالابن في القصيدة لا يمثل فقط المستقبل، وإنما يمثل السند والعكاز والامتداد العاطفي للأم. لذلك تصبح الهجرة في نظرها أكثر من مجرد سفر؛ إنها احتمال لفقدان الشخص الذي تعتمد عليه في آخر مراحل العمر.

وتحضر صورة البحر باعتبارها واحدة من أكثر الصور دلالة في القصيدة. فالبحر هنا ليس طريقًا جغرافيًا فقط، بل رمز للمجهول والخوف والموت والانتظار. تقول الأم إنها ستبدأ في عدّ الأيام، بينما يبقى قلبها «مكلومًا». وهكذا ينتقل الشاعر من الهجرة باعتبارها قرارًا فرديًا إلى الهجرة باعتبارها جرحًا يمتد إلى الأسرة كلها.
ومن أجمل مفاتيح القصيدة قول الأم:
«اللهم قطران بلادك

ولا عسل البلدان»
وهي عبارة شعبية تحمل دلالة عميقة؛ فالأم، في منطق الحب، لا تقيس الوطن بما يقدمه من رفاه، ولا تقارن بين مرارة العيش في البلد وحلاوة العيش خارجه. بالنسبة إليها، القرب من الابن أغلى من كل مغريات الغربة.

كما يفتح الشاعر بابًا آخر شديد الحساسية عندما تقول الأم:
«لا تدير كيف دار بوك
ياك حتى هو مشى
ما رجع»
هنا تتجاوز القصيدة الخوف من هجرة الابن إلى ذاكرة فقدان قديم. الأب رحل ولم يعد، والابن أصبح أمام خيار قد يعيد للأم الألم نفسه. لذلك يبدو خوفها مزدوجًا: خوف من المستقبل، وخوف من تكرار الماضي.

وفي البناء الدرامي للقصيدة، ينجح خالد فولان في جعل الأم هي الصوت المركزي، بينما يظل الابن حاضرًا من خلال النداء والمناجاة. وهذا الاختيار يمنح النص صدقه الشعبي، ويجعل القارئ يشعر وكأنه يستمع إلى أم حقيقية تتحدث إلى ابنها في لحظة وداع.

أما قوة القصيدة الأساسية فتتمثل في بساطة اللغة وصدق العاطفة. فالشاعر لا يعتمد على الكلمات المعقدة أو الصور المتكلفة، وإنما يستثمر الدارجة المغربية باعتبارها لغة الذاكرة اليومية، ولغة الأم، ولغة البيت والشارع والحكاية الشعبية. ومن هنا تأتي قدرتها على الوصول بسرعة إلى المتلقي.

«رجع يا ولدي» في جوهرها قصيدة عن الأم والوطن والهجرة والخوف من الفقد. وهي لا تقدم الهجرة باعتبارها قرارًا اقتصاديًا فقط، وإنما تكشف الجانب الإنساني الذي غالبًا ما يختفي خلف أرقام المهاجرين وقوارب البحر: أم تنتظر، وقلب يخاف، وبيت قد يصبح أكثر صمتًا بعد رحيل الابن.

والقصيدة كذلك تحمل رسالة اجتماعية واضحة: حين يقرر الشباب الهجرة، فإنهم لا يتركون خلفهم بيتًا فقط، بل يتركون أمهات وآباء وأسرًا تعيش على الانتظار والقلق. ولذلك تتحول عبارة «رجع يا ولدي» من لازمة شعرية إلى نداء إنساني مفتوح على واقع اجتماعي مؤلم.

بهذه القصيدة، يواصل خالد فولان الاشتغال على الوجدان الشعبي، مستثمرًا قوة الزجل المغربي في نقل قضايا الإنسان والأسرة والمجتمع. «رجع يا ولدي» ليست قصيدة عن الهجرة فقط؛ إنها رسالة أم إلى ابنها، ورسالة وطن إلى أبنائه، ونداء قلب يخشى أن يصبح البحر آخر الطريق.

القصيدة

رجع

رجع
رجع
عفاك يا ولدي
كون تسمع
لا تهاجر
وتخلينيى عليك
نتخلع
لا تخليني وحيدة
نبكي على فراقك
بالدموع

رجع
رجع
يا ولدي
راني كبرت
ومعولة عليك
ياك انت عكازي
في الدنيا
بغيتي تفوتني
وتمشي بين صباح
وعشية
انا ليك وانت لي
والا هاجرتي
اشنو بقى لي؟

رجع رجع
يا ولدي
سمع لكلام
لا تهاجر
وتخلي قلبي عليك
مضيوم
نبدى نحسب يوم
بيوم
والا داك البحر
تخلي قلبي عليك
مكلوم

رجع رجع
يا ولدي
اللهم قطران بلادك
ولا عسل البلدان
بقى معاي
وما يكون
غير اللي بغى ليك
الله تكون

رجع رجع
لا تدير كيف دار
بوك
ياك حتى هو مشى
ما رجع
ما تبعني ولا مني
سمع

رجع رجع
يا ولدي
كون تسمع
يكفي ما داز
علي
لا تزيدني هم
على هم
تكمل علي
تخليني غير
باركة
وفيك نخمم